جوزي خد الخمس كيلو لحمة اللي اشتريتهم ب 3750 جنيه من مرتبي وقال لي اللحمة بتاعتي، بس البطاطس بتاعتكم أنتوا الاتنين. وكان عايز ياخدها عزومة بيت أمه، اللي أنا أصلاً مش معزومة فيه. مسكت نفسي وماتخانقتش، استنيت لحد ما دخل الحمام، وجهزت مفاجأة في الكولمان عمره ما هيساها أبداً. الْجُزْء الْأَوَّل اللحمة دي بتاعتي عشان أنا اللي هاخدها! وخلي البطاطس ليكي، أصلها بتاعت الكل! صړخ شريف وهو بيحط خمس كيلو لحمة بتلو جوه كولمان أزرق. فضلت باصة له ومش مصدقة قمة بجاحته دي. إزاي بتاعتك؟! أنا اللي دافعة 3750 جنيه تمن اللحمة دي! وغير كدة أنا اللي شايلة تمن البطاطس كمان! جوزي ضحك بصوت عالي، كأنه لسه سامع أكبر نكتة في الدنيا. يا ستي مريهان، بلاش دراما والنبي. أمي عاملة حفلة شواء في بيتها اللي في الريف ومحتاجة تاخد معاها حاجة عدلة. تقدري تروحي لأبوكي وتعملي له حبتين بطاطس، ما هو راجل غلبان وبسيط على قد حاله. حست إن دمّي بيغلي في عروقي. كنا متجوزين من تمان سنين وعايشين في شقة إيجار في منطقة المقطم. أنا شغالة في تصميم الجنينات وتنسيق الورد للمناسبات، وشريف كان شغال مستشار مبيعات في شركة مواد بناء. المفروض نظرياً إن فلوسنا احنا الاتنين مع بعض. لكن عملياً، مرتبي كان بيغطي الإيجار، والطلبات، والنور، والمية، وكل مصاريف البيت تقريباَ. أما فلوس شريف فكانت لغز ملوش حل. دايماً عنده حجة شكل يا إما لسه مانزلش المرتب، يا إما صلح العربية، يا إما بيحوش لظرف طارئ. ومع ذلك، عمر الفلوس ما كانت تنقصه عشان ألعاب الفيديو، إكسسوارات العربية، ولا الخروج مع أصحابه. ودلوقتي جاي بكل عين صايرة وعايز يسرق اللحمة اللي أنا مخليها عشان نعمل أكلة حلوة مع أبويا. أبويا، عم سيد، عنده 67 سنة. قضى عمره كله شغال نقاش، وعايش في بيت صغير بجنينة في أبو صير. كنا متفقين الأسبوع اللي فات إننا هنروح نزوره يوم السبت. هو هيولع الفحم، ويجيب العيش والجرجير، واحنا علينا اللحمة. بس في آخر لحظة، حماتي، الحاجة نعمات، قررت تعمل لمّة وعزومة لقرايبها والجيران في استراحتها اللي جنب الفيوم. وطبعاً، أنا لم يُؤتَى بذكراي أصلاً ولا معزومة. أمي لسه مش مرتاحة لك أوي شرح لي شريف ببساطة. الأفضل إنك ماتروحيش المرة دي. بس ديه مرتاحة أوي وهي بتاكل اللي أنا شرياه بفلوسي، صح؟ ما تبقيش قليلة الذوق. دي أمي. وبعدين قال جملة خلت عينيا تفتح على آخرها وبعدين، لما العزومة تخلص، يمكن أرجع لك حتت صغيرة لو فضل حاجة. قالها بطريقة كأنه بيعمل فيا جميلا كبيراً. اخدت نفس عميق. خلاص يا شريف، ولا تزعل نفسى.. خد معاك الكولمان. جوزي ابتسم وهو حاسس بالانتصار. أهو كده تعجبيني وتكوني عاقلة. رايح الحمام بقى قبل ما أتحرك. وأول ما قفل باب الحمام وراه، اتحركت بسرعة. طلعت علبة اللحمة المتبلة الخمس كيلو من الكولمان وشيلتها في التلاجة جوه. وبعدين فتحت الفريزر. كان عندي أكياس فيها رقاب وعضم فراخ وذبائح كنت بجيبها عشان أبويا يعمل منها شوربة للكلاب اللي بيلمهم من الشارع. كانوا متلجين تلج خالص. وزنهم كان حوالي ست كيلو. ابتسمت بخبث. حطيت الأكياس دي في الكولمان، ورتبتها بحرص شديد عشان تفضل محافظة على نفس الوزن والشكل. ولما شريف خرج من الحمام، كنت أنا بغسل فنجان قهوة بهدوء تام. يا نهار أبيض، الكولمان تقيل قوي المرة دي! قالها وهو بيرفعه بصعوبة. أيوة يا حبيبي، دي لحمة نوعها خاص جداً. باسني بوسة سريعة ونزل جرى. استنيت لحد ما سمعت صوت العربية وهي ماشية. ساعتها طلعت لحمتي الحقيقية، وطلبت تاكسي، وطلعت على بيت أبويا على طول. اللي شريف كان جاهل بيه تماماً، إنه في اللحظة دي بالذات، أمُّه كانت بتتباهى قدام اتناشر ضيف إن ابنها حوش واشترى خمس كيلو لحمة بلدي ممتازة. وأول ما الحاجة نعمات فتحت الكولمان ده قدام الناس كلها، طلعت صړخة عالية لدرجة إن الجيران خرجوا من بلكوناتهم مفزوعين. عشان الحاجة اللي لقتها جوه ما كانتش هي أبداً اللي كانت منتظراها. عايز تعرف إيه اللي هيحصل بعد كدة؟ تابع باقي القصة والنهاية غير المتوقعة في الكومنت الأول! الْجُزْء الثَّانِي يا شريف! إيه قلة الحيا دي؟! و إيه ده أصلاً؟! صړخت حماتي وهي ماسكة كيس رقاب وعضم فراخ متلج. الاتناشر ضيف سكتوا مرة واحدة. وفوق الترابيزة، جنب الجواكامولي، الصوصات، والعيش الطازة، ظهرت كومة من العضم، والجلد، ورقاب الفراخ. الست لطيفة، الجارة اللي دايماً بتنافس حماتي على مين تعمل أحسن عزومات، كانت أول واحدة تتكلم يا نعمات، معلش يعني، هي دي اللحمة النمرة واحد اللي وعدتينا بيها؟ خالة روزا عدلت نظارتها وقالت والله أنا ما شايفه أي ريحة للبتلو هنا.. إلا لو كانت البقر بقى ليها رقاب فراخ دي حاجة تانية! شوية من الضيوف ضحكوا بصوت عالي، وحماتي وشها جاب ألوان من الكسوف. يا شريف! إنت قلت لي إنك دافع حوالي أربعة آلاف جنيه! جوزي فتش في الكولمان پجنون أنا شفت اللحمة بعيني! مريهان هي اللي عملاها تتبيلة من إمبارح! مريهان؟! سألت الست لطيفة باستغراب يعني مراتك هي اللي مشترياها؟ شريف سكت وما عرفش يرد. السؤال ده كان أوسخ وأوجع مېت مرة من عضم الفراخ! أصل طول السنين اللي فاتت، حماتي كانت دايماً بتتباهى قدام الكل إن ابنها هو اللي شايل البيت والصرف لوحده. ابني شغال زي الحمار، والست هانم بتصرف فلوسه على وردها وجنيناتها! ده كان كلامها الدايم. بس دلوقتي الكل سمع حاجة تانية خالص. دي كانت مقلب وعاملة من مريهان! زعق شريف بغيظ هي اللي غيرت اللحمة! طب ناديها تيجي تفسر وتفهمنا! طلبت حماتي پغضب. وفي الناحية التانية، كنت قاعدة في جنينة أبويا، بشرب ليمون فرِش في ظل شجرة مانجو. عم سيد كان بيولع الفحم. والباشمهندس شريف أخباره إيه؟ سألني بابتسامة. راح يتباهى بأكل مش بتاعه يا بابا. حكيت له كل اللي حصل. أبويا بص لي ثواني وبعدين ضحك من قلبه. حقها ونص! العيال دي لازم تتعلم إن الحاجة اللي الواحد ما بيدفعش تمنها، ما ينفعش يتباهى بيها كأنها ملكه! في اللحظة دي، تليفوني رن. كان شريف. رديت وفتحت الإسبيكر. يا مريهان! إنتي عملتي إيه في اللحمة؟! جبتها عند أبويا، زي ما اتفقنا بالضبط. أمي بقت شكلي وحش قدام الناس كلها وبقت مسخرة! وده ذنبي أنا؟! وربنا لتدفعي تمن الڤضيحة دي! وفي الخلفية، سمعت صوت حماتي وهي بتزعق پغضب أعمى قولها إنها دايماً مديونة لي باعتذار! وإياك يا ابن بطني تفكر تبطل تديني الأربعة آلاف جنيه بتوع كل شهر بسبب الهانم دي! فضلت واقفة مكاني متسمرة ومش قادرة أنطق. أربعة آلاف جنيه إيه؟ سألت بصوت مش مصدقه. شريف سكت. وحماتي سكتت كمان. إنت بتدي أربع آلاف جنيه لأمك كل شهر؟! يا مريهان، ممكن نتكلم في الموضوع ده بعدين. بينما أنا عمالة أسمع منك إنك معندكش فلوس تدفع حتى نص الإيجار؟! دي أمي! وأنا عندي الحق أساعدها! طبعاً عندك حق، بس عندك واجب أكبر إنك ما تكدبش عليّ بينما أنا اللي دافعة تمن كل حاجة في البيت! قفل السكّة في وشي. أبويا طفى الابتسامة من على وشه. يا بنتي، الكلام ده بيحصل من إمتى؟ ما عنديش أي فكرة! وهنا بس، فهمت وعرفت إن المشكلة ما كانتش أبداَ مجرد حكاية حتة لحمة. طول الشهور اللي فاتت، شريف كان كل شوية يقول لي إن مرتبه بالكاد بيكفي، وكنت أنا للأسف كنسلت سفرية صغيرة كنت طلعاها مع أبويا عشان ظروفنا المادية وحجة إحنا لازم نحوش. وجوزي كان قاعد بيدي الفلوس لست معندهاش أي حجة، دي عندها شقة ملك، ومعاش، وحتى قطعة أرض مصايف! وبعدها بساعة، ظهر شريف قدام بوابة بيت أبويا. كان نازل وماسك كيسين سوبرماركت كبار مليانين على آخرهم. كان باين إنه نزل اشترى جبن، لانشون، خضار، حاجات ساقعة، ونسكافيه بكرشته وفيزا الشغل بتاعته. كان فاكر إنه هيقدر يجي، يحط الأكل ده كله على الترابيزة، ويجبرني أعتذر له. فتحت البوابة. أنا جيت، وجيبت أكل يكفي الكل قالها بثقة قولي لأبوكي بقى إننا لازم نقعد ونتكلم. بصيت له بجدية وثبات. مش هتدخل هنا عشان تهني تاني يا شريف. يا مريهان، بلاش مبالغة وأڤورة. امشي من هنا يا شريف. ورحت زاقّة البوابة الحديدية التقيلة وقافلاها في وشه. بس بعدها بثواني، أبويا جه عندي، حط إيده على كتفي، وقال لي جملة غيرت تماماً كل اللي كنت بفكر أعمله في جوازي المنيل ده.. الجزء الثالث يا بنتي، ماتخلطش بين إنك تضع حدود وبين إنك تقفل البيبان في وش الناس كله قالها أبويا وهو باصص على البوابة اللي وراها شريف لسه واقف يستنى. لو عايزة تنهي جوازك، اعملي كدة عشان مفيش حب ولا احترام أصلاً. لكن لو لسه عايزة تعرفي إذا كان الراجل ده ممكن يتصلح ويتغير، لازم تسمعيه الأول. فضلت باصة لعم سيد مستغربة. يا بابا، ده بقاله سنين بيستغلني. أنا عارف يا مريهان، وشايف ده كل مرة بتيجي هنا شايلة هم الفلوس. بس أنا ما أقدرش أخد القرار ده عنك. وبعدين كمل كلامه وقال حاجة واحدة بس.. في بيتي أنا، مافيش مخلوق يقدر يقلل من أدبك تاني. الكلام ده طمّن قلبي بطريقة مكنستش حسيتها من زمان جداً. رجعت فتحت البوابة تاني. شريف كان لسه واقف برة، وماسك أكياس السوبرماركت في إيده. قميصه كان مكرمش ووشه متبهدل ومشطشط. خلاص النوبة خلصت وبطلتِ بتمثلي العند؟ سألني بتريقة. كنت خلاص هقفل البوابة في وشه تاني. بس أبويا ظهر ورايا على طول. أهلاً يا شريف. اتفضل ادخل، بس هنا مافيش حد بيعلي صوته على بنتي. جوزي وطى راسه في الأرض. يا عم سيد، أنا كل الحكاية كنت عايز أصلح الأمور. طب إذن، ابدأ كلامك بأدب وباحترام. دخلنا جوه الجنينة. ريحة اللحمة وهي بتتشوي على الفحم كانت مالية المكان كله. أبويا كان مجهز ترابيزة بسيطة عليها عيش بلدي طازة، طماطم مقطعة، جرجير، وبصل مشوي. شريف حط الأكياس جنب الكرسي. أنا اشتريت الحاجات دي عشان نتشارك فيها كلنا قالها وهو بيحاول يبتسم تمنها جه حوالي ألفين جنيه. بصيت له ببرود. عايزني أقف أصفق لك؟ يا مريهان، لو سمحتِ. لما أنا بصرف ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين جنيه في لحمة، بتقول دي فلوس البيت والاتنين. ولما إنت بتشتري أكل بألفين جنيه، بتفطّننا كويس أوي إنهم خرجوا من جيبك إنت! ما ردش. أبويا حط تلات كوبايات مية ساقعة على الترابيزة. اقعدوا. واضح إن في كلام كتير قوي متخزن بينكم من زمان وما اتقالش. شريف قعد مكانه. وأنا فضلت واقفه مكاني. أول حاجة عاوز أعرفها قلت بصوت ثابت من إمتى وبتدي أمك أربعة آلاف جنيه كل شهر؟ جوزي حط إيده على شعره بتوتر. من حوالي عشر شهور كدة. حست بۏجع شديد في بطني. عشر شهور. يعني حوالي أربعين ألف جنيه! في الوقت اللي كنت أنا بفتش فيه في كل عرض وسوبرماركت عشان مصاريف البيت تكفينا، كان هو بيدّي المبلغ ده كله من ورايا وبدون ما ينطق حرف واحد! ليه خبيت عليّ؟ عشان كنت عارف إنك هتتعصبي وتعملي مشكلة. لا يا شريف، اللي كان هيعصبني بجد هو كدبك عليّ! لو أمك محتاجة مساعدة بجد، كنا قعدنا واتكلمنا مع بعض. فضل يحرك الكوبايه بين إيديه بتوتر عصبى. قالت لي إنها محتاجة تعمل شوية تصليحات في البيت.. زي إيه؟ السقف، الدهان، شوية حاجات في الجنينة.. وبعد عشر شهور كاملة، لسه لحد دلوقتي محتاجة الأربعة آلاف جنيه؟! شريف ما ردش بكلمة. افتكرت ساعتها الصور اللي حماتي كانت منزلاها على صفحتها قريب. التراس بتاع بيتها المتجدد والموضة. العفش الجديد بتاع الجنينة. النافورة الديكور اللي قعدت تتباهى بيها أسابيع. أنا معنديش أي مانع إن أي ست ترفّه عن نفسها وتصرف براحتها، بس اللي وجعني بجد هو إن البهرجة دي كانت معمولة بفلوسنا وبحرماني أنا من أبسط حقوقي واحتياجاتي. عارف أنا بدفع كام في إيجار الشقة كل شهر؟ سألته. زي تسع آلاف جنيه. تسعة آلاف وميتين. ده غير ألف وتسعمائة فواتير، وحوالي ستة آلاف جنيه مصاريف البيت والطلبات. يعني إحنا محتاجين سبعتاشر ألف ومېت جنيه كل شهر، ده غير الظروف والطارئ! شريف فضل قاعد وساكت تماماً. وطيب، إنت شاركت بكام في الشهور اللي فاتت دي كلها؟ أنا كنت بجيب حاجات للبيت. زي إيه؟ بنزين عربيتي، وشوية خروج وعشوات برة.. بنزين عربيتك اللي بتفسح بيها نفسك، والعشوات اللي بتعزمني عليها عشان بعد كدة تمنها يطلع في عيني! صوتي كان بيترعش من كتر القهر. يا شريف، أنا عمر ما كان طماعي أطلب منك تصرف عليّ ولا تشيلني. أنا كل اللي كنت عوزاه إننا نشيل المسؤولية مع بعض بجد وبأمانة. أبويا قام ببطء من مكانه. هروح أطمن على اللحمة على الفحم قالها بهدوء. وقبل ما يبعد، بص لجوزي نظرة حادة لما الراجل بيكون معاه فلوس عشان يتباهى بيها قدام الناس، بس مش قادر يوفي بالتزامات بيته، المشكلة مبتبقاش أبداً في هو بيقبض كام، المشكلة في هو شايف إيه هو المهم في حياته! ولأول مرة، شريف ما حاولش يدافع عن نفسه. فضل باصص في إيديه وفاتح بوقه ساكت. وبعدين سأل بصوت واطي وتفتكري المفروض أعمل إيه دلوقتي؟ السؤال ده فاجئني جداً. طول التمان سنين اللي فاتوا، كنت دايماً أنا اللي بستنى هو يفهم لوحده، وكنت في الآخر ببلع السکينة وأعديها عشانه. لو تعب، كنت أنزل أعمل الشغل بداله. لو عنده أزمة في فلوسه، كنت أدفع الإيجار من مرتبي. لو أمه أهانتني أو چرحتني، كنت أبلعها وأسكت عشان ما نعملش مشاكل. وكل تنازل كنت بعمله، كان بيفسره على إنه تصريح رسمي يخليه يطلب مني أكتر وأكتر. عايزك تبطل تعاملني كإن شغلي ده مجرد هواية أتسلى بيها رديت عليه بجدية وعايزك تفهم كويس إن أمك مالهاش أي حق تقلل مني أو تهني، وفي نفس الوقت بتستفيد بكل بجاحة من تعبي وشقايا. شريف فتح بوقه عشان يرد، بس تليفونه رن بصوت عالي. اسم أمه ظهر على الشاشة. ما ردش. التليفون رن تاني وتالت. رد عليها قلت له بحسم. بلاش دلوقتي. رد عليها يا شريف، خلاص، جه الوقت اللي نتكلم فيه بوضوح والكل يسمع. فتح الإسبيكر قدامنا كلنا. ألو يا أمي؟ صوت حماتي طلع زعيق ونازل ترتيل إنت فين لحد دلوقتي؟ ! الهانم مراتك دي عملت فيا ڤضيحة قدام الناس كلها وبقت مسخرة الحارة! والست لطيفة الجارة عمالة تقول لكل الناس إن ابني حتى ما بيقدرش يشتري لحمة بيته العدلة! شريف غمض عينيه بقوة. يا أمي، اهدي لو سمحتِ. مش ههدى أبداً! أنا عايزة مريهان دي تيجي هنا حالاَ تبوس على إيدي وتعتذر لي! وإياك يا ابن بطني تفكر تبطل تبعت لي الأربعة آلاف جنيه بتوع كل شهر عشان خيبتك وسكوتك عن الهانم دي! حست بنغزة قهر شديدة جوه صدري. أبويا طول عمره ما طلبش جنيه واحد من شريف. بالعكس! ده لما شريف قعد من الشغل تلات شهور كاملة، عم سيد هو اللي سلفنا اثناشر ألف جنيه عشان نمشي بيها بيتنا وناكل ونشرب. وأنا اللي قعدت أردها لأبويا قرش جنب قرش من مرتبي وشغلي. وشريف عمره ما فتح بوقه بكلمة عن السلفة دي أصلاً. يا حاجة نعمات دخلت في الكلام بجرأة أبويا عمره ما طلب من ابنك جنيه واحد، بالعكس.. ما حدش كلمك إنتي يا مريهان! لا، ما دام سيرتي وجيبي في النص، يبقى لازم تسمعيني كويس، لأن حضرتك بقالك سنين بتدخلي وټفتي في بيت ابني وتصرفاته وإنتي مش عارفة عنه حاجة! يا شريف! لم مراتك دي عني! جوزي فضل قاعد مكانه ولا كأنه سامع حاجة، وسكت فترة، وبعدين عمل حاجة محدش كان متوقعها منه أبداً يا أمي، كفاية بقى، خلاص. سكتت لحظة من الصدمة. إنت بتقول إيه؟! بقول كفاية لحد كدة. مريهان هي اللي اشتريت اللحمة بفلوسها، وأنا اللي كنت رايح أخدها وأمشي بيها من غير حتى ما أستأذنها، وكان تصرف زفت مني. حماتي طلعت صوت صړيخ وڠضب أعمى إنت إزاي تدافع عنها بعد القرف اللي عملته فينا ده؟! أنا مش ببرر الحركة اللي عملتها في الكولمان، أنا بقول إني أنا أساس المشكلة والغلط كله عندي من الأول! الملعۏنة دي هي اللي لعبت في مخك وسحرت لك! شريف أخد نفس طويل وبكل هدوء قال لا يا أمي، مش سحر ولا حاجة.. أنا بس زهقت وتعبت من إني أسمعك دايماَ بتغلطي في مراتي وتقللي منها. حماتي سكتت خالص ومردتش. وبعدين استخدمت السلاح القديم اللي دايماً بيجيب نتيحة معاها ويحسسه بالذنب والۏجع بعد كل اللي ضحيت بيه عشانه.. يطلع في الآخر أمك ماليش أي تمن ولا قيمة عندك! شريف ضغط على شفايفه جامد. أكيد إنتي ليكي عندي كل احترام.. بس مراتي كمان لساها مراتي، وما ينفعش أفضل أجي عليها وأهينها عشان أرضيكي. قسّت السكة في وشنا فجأة. فضلنا قاعدين ساكتين ومفيش صوت غير صوت الفحم والڼار. شريف حط التليفون على الترابيزة. أول مرة في حياتي أكلمها بالأسلوب ده قالها بصوت مكسور. كنت عارفة ده كويس. أمه كانت ممكن ټشتم فيا، تتريق على شغلي، أو تطردني من عزومات العيلة، وكل ده عادي عنده.. بس كان كفاية إن شريف يحاول يدافع عني بس بكلمة، تروح مفكراه بكل تضحياتها وتربيتها له. وهو كان دايماً بيضعف ويروح يصالحها ويعتذر لها. بس المرة دي كانت غير كل مرة. مع ذلك، مكالمة تليفون واحدة مش هتمسح تمان سنين من القهر. اللي عملته دلوقتي كويس ويشكر قلت له بجدية بس أنا محتاجة أشوف أفعال وتغيير حقيقي، مش مجرد كلام على السكة. شريف رفع راسه وبيبص لي. تغيير زي إيه؟ من الشهر الديد، إحنا هنرتب مصاريف البيت سوا بالورقة والقلم. كل واحد فينا هيدفع نسبة تقابل ډخله وشغله الحقيقي.. مافيش حركات، ولا مرتبات سرية، ولا حجج وهمية. هز راسه ببطء وبموافقة. تمام، اتفقنا. ولو عايز تكمل مساعدة أمك، تمام.. بس من فلوسك إنت الخاصة اللي تتبقّى بعد ما تخلص واجبات بيتنا الأساسية هنا، مش من قفايا أنا! فاهم وقاصدك صح. وعايزك تفهم حاجة تانية وتخليها حلقة في ودنك شغلي ده مش مجرد تسلية ولا وقت فراغ.. الجنينات بتاعتي، الورد، والعملاء بتوعي هم اللي بيدفعوا تمن حاجات كتيرة جداً إنت شخصياً بتستمتع بيها وبتشرب وتأكل منها. شريف وطى راسه في الأرض بندم. عندك حق في كل كلمة قلتيها. ودي كانت أول مرة أسمعه بيعترف بده كله من غير ما يحط أي مبرر عبيط. في اللحظة دي، أبويا رجع وماسك صينیة مليانة لحمة مشوية ريحتها تقلب الدنيا. يلا يا ولاد قالها بابتسامة لو قعدتوا تخلصوا كلامكم العتاب ده، الأكل هيبرد والجو هيخرب. شريف قام بسرعة من مكانه عشان يساعده. هات يا عم سيد، أنا أشيل عنك الصحون دي. أبويا بص له بثقة وهدوء شيل يا سيدي.. وبعدها ابقى هات العيش والطماطم والملح معاك. ولأول مرة من سنين طويلة، جوزي قام يساعد في تجهيز الأكل من غير ما حد يضطر يزعق له ولا يطلبها منه مرتين. قعدنا كلنا ناكل في ظل شجرة المانجو. اللحمة كانت طعمها يجنن. أبويا قعد يحكي ذكريات وقصص من أيام ما كان شغال مقاول بناء في شوارع ومناطق مصر العتيقة، وشريف كان قاعد منتبه وبیستمع له باهتمام شديد ما تعودتش أشوفه منه قبل كدة. بس في لحظة، حصل موقف مش هنساه عمري كله. أبويا رفع كوباية المية بتاعته وقال بصوت هادي أنا كنت محتاج الجمعة دي واللقمة دي تلمنا كلنا.. مش عشان اللحمة الغالية ولا عشان الفلوس، بس عشان كان نفسي أقعد قاعدة حلوة مع بنتي وجوزها. شريف بطل أكل في لحظته. معلش يا عم سيد، أنا كنت عارف اتفاقنا من الأول، وبكل أمانة بوظت كل حاجة ودماغكم لوحدكم. أبويا ابتسم وهز راسه المهم إنك فهمت واستوعبت.. وإنك تعرف إن وقتي أنا كمان له تمن وقيمة، حتى لو بيتي بسيط ومفيش على ترابيزتي مفارش غالية. الكلام ده خلاني دمعت وعيني اتملت دموع فرح. طول السنين اللي فاتت، كنت بشופ إزاي شريف بيتعامل مع ارتباطاته بأهلي كإنها حاجة ثانوية جداً ممكن تتكنسل في أي ثانية. لو أمه طلبت منه طلب، الدنيا كلها تقف. لو أبويا عزّمنا، عادي نقدر نأجلها لأي وقت فاضي تاني. شريف قرب مني بهدوء ومد إيده مسك إيدي بحنان. سامحيني يا مريهان.. حقك عليا. ما سحبتش إيدي منه. بس في نفس الوقت، ما قلتلوش إنسى وكل حاجة بقت تمام. لأن السماح الحقيقي مش معناه إننا نرجع نفتح صفحة جديدة وننسى اللي حصل وكأن شيئاً لم يكن. في نفس اليوم بالليل، رجعنا مع بعض على شقتنا في المقطم. في الطريق، كنا ساكتين ومفيش كلام كتير. أول ما دخلنا الشقة، شريف فتح تطبيق البنك على موبايله وقعد قدامي ووراني ډخله الحقيقي بالظبط. كان بيقبض حوالي تسعتاشر ألف جنيه في الشهر. وأنا كنت بعمل حوالي أربعة وعشرين ألف جنيه، وإن كان الرقم بيزيد أو يقل حسب مواسم الشغل والمناسبات. راجعنا المصاريف كلها سوا، واتفقنا إنه هيدفع ثمانية آلاف جنيه كل شهر للمصاريف المشتركة للبيت وأنا هكمل الباقي على حسب احتياجاتنا، وفتحنا حصالة توفير صغيرة للظروف والطارئ. والأهم من ده كله، إنا فتحنا باب المصاريف واتفقنا إن مفيش مليم يطلع من ورا التاني تاني أبداً. شريف وضح لي إنه مش ناوي يقطع صلته بأمه نهائي، وأنا أصلاً مكنتش طالبة منه كدة. إنك تساعد أمك وتكون بار بيها ده مش غلط قلت له الغلط الوحيد هو إنك تعمل ده على حساب بيتك ومراتك ومن ورا ضهرها. وثاني يوم الصبح.. حماتي ظهرت فجأة عندنا في الشقة. ولا حتى خبطت بأدب كالعادة. دبدبت على الباب پعنف كأنها جاية تحصيل ديون قديمة. شريف فتح لها الباب. أنا لازمة أتكلم معاك يا ابني. دخلت من غير ما تبص في وشي حتى. أنا فكرت كويس في اللي حصل قالتها وهي رافعة مناخيرها مريهان لازمة تيجي تعتذر لي حالاً عن قلة الذوق والمهزلة بتاعة إمبارح. كنت واقفة في المطبخ بعمل كوباية قهوة. طلعت بالكنكة وحطيتها على الترابيزة بهدوء. يا حاجة نعمات، أنا زعلانة إن الضيوف اتضايقوا واتفاجئوا.. بس والله ما هعتذر عن إني خدت حق شقاي وتعبي اللي دفعته بفلوسي. إنتي بدل ما تتكسفي على دمك، غيرتي اللحمة وحطيتي أكل كلاب وفراخ مېتة؟! رقاب وعضم فراخ كان مخصص للكلاب البلدي اللي أبويا بيرعاها في الشارع. وابنك هو اللي ما كلفش خاطره يبص في الكولمان أصلاً، لأنه كان واثق إنه ماشي يسرق مجهود غيره عيني عينك. حماتي ضغطت على شفايفها پغضب أعمى. ستات الزمن ده بقوا قمة في قلة الأدب والعجرفة! شريف وقف في نص الطرقة واتدخل بكل حزم لا يا أمي.. مريهان ما غلطتش، وإنتي كمان لازم تعتذري. لفت وشها ليه پصدمة وذهول أنا؟! أعتذر على إني قلت إيه؟! على إنك دايماً بتكذبي وتقولي للناس إن أنا اللي شايل البيت لوحدي، وإن مريهان دي طماعة وقاعدة عالة عليا ومبتعملش حاجة. وش حماتي جاب ألوان الطيف من الصدمة أنا كنت بتباهى بيك يا ابني وفرحانة بيك! بس ده ما كانش حقيقي يا أمي. يبقى خلاص، رايح تبيع أمك عشان تراضيلك هانم! إذن أكيد هتبطل تبعت لي الأربعة آلاف جنيه بتوعي! شريف أخد نفس عميق وثابت أنا مش هقدر أوعدك بمبلغ ثابت ومحدد ما اقدرش أوفيه.. أولويتي الأولى دلوقتي هي بيتي ومراتي.. لو في ظرف ضروري أو محتاجة علاج، كلميني وساعتها نتصرف سوا. يا نهار أسود ومنيل! دي مراتك سحرت لك بجد وبقت هي اللي مسيطرة وممشياك على مزاجها! واتجهت نحو الباب وهي بتولول وتزعق. وقبل ما تفتح الباب وتخرج، شارت عليا بصداعها وقالت من يوم ما ډخلتي عيلتنا والبيت خرب وبقى چحيم! بصيت لها بهدوء تام وبدون أي انفعال لا يا حاجة نعمات.. اللي بيتغير بجد هو إني بطلت أسكت لما حد يحاول يقلل مني ويخدمني بۏجع قلب. خبطت الباب وراها بكل قوتها وهي ماشية. شريف قعد على الكنفة وسكت مدة طويلة. وبعدين قال بهمس أعتقد أمي مش هتنطق معايا ولا هتكلمني شهور طويلة.. ممكن.. لحد ما تتعود إنك تقدر تحبها وتبرها من غير ما تكون ماشي تحت طوعها في الغلط. بص لي وابتسم برضا. عدت شهور. وتدريجياً، شريف بدأ يتغير في تفاصيل صغيرة ومهمة. بقى يدفع نصيبه في ميعاده وبكل التزام. وبقى يجيب طلبات البيت من غير ما يفضل منشن ويمن عليا بكل جنيه. وبقى يجي معايا دايمًا عند أبويا، ويساعده في إصلاحات البيت والحديقة. طبعاً مجوازنا ما بقاش جنة ومثالي بنسبة مية في المية. كانت بتحصل بينا خناقات ونقاشات عادية. وكانت بتعدي أيام شريف يرجع فيها لعادته القديمة، وكنت أنا أفكرّه باتفاقنا من تاني. بس الفرق المرة دي، إنه مبقاش يكتفي بمجرد الوعود الكذابة. كان لازم يثبتها بأفعاله. وبعد تلات شهور.. حماتي قررت تعمل عزومة لحمة تانية. والمرة دي، عزمتنا أنا وهو. شريف بص لي وسألني برأي تحبي نروح؟ أيوة يا حبيبي.. بس هنروح باللي اتفقنا عليه، ولا زيادة ولا نقص. رحنا ومعانا صينية سلطة نقال متبلة، عيش طازة، وطبق كبير مليان بصل صغير مشوي. حماتي بصت لإيدينا باستنكار أمال فين اللحمة؟ شريف ابتسم بهدوء اللحمة إنتي اللي هتعمليها يا أمي.. مش إنتي اللي عزمتينا وقلتي اللحمة عندي؟ حماتي فتحت بوقها ومصعوقة مش عارفة ترد تقول إيه. الست خالة روزا، اللي كانت قاعدة جنب الشواية، ضحكت بصوت عالي كويس والله إن المرة دي مفيش أسرار ولا عضم فراخ متلج في الكولمان! الكل ضحك بصوت عالي. حتى شريف ضحك من قلبه. وأنا كمان ابتسمت. مش لأني كنت عايزة أشمت في حد، بل لأني أخيراً بطلت أحس بالكسوف والخجل وأنا بدافع عن حقي وكرامتي. في اليوم ده، حماتي ما حضنتنيش ولا اعتذرت لي.. بس في نفس الوقت، مبقاتش تفتح بوقها تاني وتقول إني قاعدة عالة على ابنها. ولما إحدى الجارات سألت مين اللي عمل طبق السلطة والملحوسة اللذيذة دي، شريف قالها بكل فخر واعتزاز مراتي يا خالتو.. دي شاطرة جداً في بيتها وفي شغلها وتنسيقها. الجملة ممكن تبان عادية وبسيطة لأي حد.. بس بالنسبة لي، كانت تسوى الدنيا وما فيها. لأني قعدت سنين طويلة أتمنى أسمع جوزي بيعترف بتعبي ومجهودي قدام أهله وناسه. والمرة دي، عملها لوحده من غير ما أطلبها منه. لحد النهاردة، لسه بفتكر قصة الخمس كيلو لحمة اللي كانت هتهد جوازنا وتدمره خالص. في ناس ممكن تقول إني بالغت أوي لما غيرت محتوى الكولمان. وناس تانية هتقول إني كنت لازم أسبه وأمشي من نفس اللحظة. وأنا كل اللي أعرفه، إن نقاش سخيف وظاهره تافه، قدر يكشف لي عن مشكلة ضخمة كانت مدفونة ومستخبية سنين. الموضوع مكنش تمنه 3750 جنيه. ولا كان رقب وعضم الفراخ. ولا حتى الأربعة آلاف جنيه بتوع حماتي. الحقيقة المرة كانت إني اكتشفت إن جوزي اتعلم يثمن ويقدر اللي بيدفعه هو لوحده، ويعتبر أي مجهود وتعب مالي مني هو مجرد فرض وواجب مفروغ منه. وده كان خط أحمر مينفعش أعديه. أبويا قال لي كلمة في اليوم ده لسه محفورة في عقلي يا بنتي، إياكِ في يوم تكسفي من مشاركة اللي في إيدك.. بس في نفس الوقت، ما تخليش حد يخلط بين طيبتك وحقك في إنك تحافظي على كرامتك وتمنعي حد يسرق تعبك. وكان عنده حق تماماً. لأن المشكلة الحقيقية مكنتش أبداً في إن شريف عايز ياخد لحمة لأمه.. المشكلة الحقيقية كانت إنه كان مستعد يخلي أبويا من غير اللحمة اللي اتفقنا عليها، ويقلل من شأن شغلي وتبييض وش قدام أهله بفلوس أنا شقيانة فيها. ولما فهم الفرق ده كويس، قصتنا اتغيرت واتصلحت. أحياناً، عشان عيلتك أو شريك حياتك يتعلموا يحترموك بجد، إنت مش محتاج تزعق وتعلى بصوتك.. يكفي بس إنك تبطل تسمح للناس التانية إنهم يحددوا تمن وقيمة تعبك وشقاك. ولو لسه في حد شايف إني بالغت عشان شوية لحمة، أحب أسأله سؤال واحد بس إنت كنت هتفعل إيه لو شريك حياتك خد حاجة إنت دافع تمنها من عرق جبينك، وراح بيها عزومة إنت أصلاً مش معزومة فيها، وبعدها قالك بكل برود تقبلي تاكلي البقايا والفضلات؟ النهاية