نقلت مع جوزى بيت جديد

نقلت مع جوزي لبيت جديد، لكن جارتنا العجوز كانت غريبة بشكل يخوف كل يوم ناس تدخل عندها، وتخرج يا منهارة من العياط، يا مبتسمة بشكل مرعب. تجاهلت الموضوع لحد اليوم اللي جوزي دخل بيتها لأول مرة وبعد ساعة واحدة بس، رجع البيت ولم هدومه في الشنط وقال وهو بيتهرب من عيني لازم ننهي جوازنا ده الصح. وقتها ماكنتش أعرف إن زيارة واحدة للجارة دي هتدمر حياتنا، وإن الحقيقة اللي اكتشفتها بعدها كانت أبشع من الخيانة نفسها
حياتي مع جوزي كانت زي الحلم. وأنا عندي ٣٤ سنة، كنت دايماً بحمد ربنا وبقول إني محظوظة بجوزي طارق. كنت عارفة إن كل الجوازات فيها مشاكل وخناقات، بس أنا وطارق كنا عايشين في ليفل تاني من الهدوء والاستقرار بعيد عن قرف المشاكل.
بقالنا متجوزين ٧ سنين ونص، وعندنا طفلين. طارق، اللي عنده ٤١ سنة، كان لسه هو نفس الراجل المثالي الحنين اللي عرفته وحبيته زمان.
كل يوم الصبح، كان يصحيني بكوباية القهوة في السرير، وبالليل يرجع ومفاجئني ببوكيه ورد أو علبة شيكولاتة من اللي بحبها.
من حوالي ٦ شهور، نقلنا لبيت جديد في منطقة هادية وجديدة.
طارق قال لي وإحنا بننقل العزل
الولاد هيتعبوا شوية عقبال ما يتعودوا على الهدوء هنا.. هما واخدين على زحمة ودوشة وسط البلد.
بس إحنا نقلنا عشانهم أصلاً، وعشان نربيهم في مكان نضيف، والمدارس الجديدة بتاعتهم بقت قريبة من البيت.
قولتله
هيبقوا
كويسين متقلقش.. أول ما يدخلوا في نظام الدراسة والصحاب مش هيحسوا بالفرق.
بس الغريب.. إن جارتنا كانت ست عجوزة غامضة عندها ٦٣ سنة..
جارتنا العجوزة، الست ستّوتة.
كانت عايشة لوحدها في البيت اللي جنبنا علطول. وعشان أكون منصفة وأوصفها صح، الست دي كانت غريبة الأطوار بشكل مش طبيعي. عمرها ما فكرت تيجي تتكلم معانا أو تلمحنا تسلّم علينا، بس كانت دايماً تقف قدام باب بيتها وتفضل مبحلقة ومقيمة عينيها في بيتنا إحنا بالساعات!
في يوم من الأيام، وإحنا قاعدين في البلكونة بنشرب كاسين عصير وبنروق، طارق جوزي بص عليها وقال لي
يمكن يا حبيبتي تكون مجرد ست عجوزة وحيدة، وعايشة لوحدها بقالها كتير لدرجة إنها مابقتش عايشة معانا في الدنيا وبقيت بتسرح في ملكوتها؟
رديت عليه وقولتله
بس الكلام ده مش راكب على اللي بشوفه.. الست دي بيتها مابيفضاش! أنا دايماً بشوف ناس داخلة خارجة من عندها طول اليوم.
وحقيقي ده اللي كان بيحصل. كل يوم، أشكال وألوان من الناس يدخلوا عندها، ويقعدوا ساعة أو ساعتين ويخرجوا. بس ردود أفعالهم وهي خارجة كانت بتجنني وتخليني أستغرب!
ناس تخرج وشها أحمر ودموعها مغرقة عينيها ومنهارة، وناس تانية تخرج الضحكة من الودن للودن وفرحانين، وناس تخرج وعلامات السرحان والتفكير العميق باينة على وشهم وكأنهم في صدمة. الموضوع كله كان مقلق ومريب جداً بالنسبة لي.
ورغم غرابة
الجارة دي، حياتنا فضلت ماشية في منتهى السعادة والرومانسية.. لحد ما جه الصبح المشئوم اللي غير كل حاجة.
صحيت من النوم على صوت دوشة، لقيت طارق واقف قدام الدولاب ونازل لم في هدومه وحاجته في الشنط بلهفة وسرعة جنونية!
سألته وصوتي بيترعش من الخضة واللخبطة
طارق! في إيه؟ إيه اللي بيحصل ده؟
بص في الأرض وتهرب من عيني وهو بيقول بصوت واطي ومكسور
جيهان.. أنا لازم أمشي، أنا آسف. متقلقيش، أنا هفضل متكفل بمصاريف الولاد وأساعد في أي حاجة يحتاجوها، بس حياتنا وعيشتنا سوا لحد هنا وانتهت.
وقفت مكاني متجمدة، ومبقتش حاسة برجليا. مش قادرة أستوعب ولا أصدق اللي بسمعه!
يعني إيه تمشي يا طارق؟ تروح فين؟ في إيه فهمّني! طارق أبوس إيدك اتكلم معايا.. إيه اللي حصل فجأة كده؟
بس هو ما كانش بيرد ولا بيقول حاجة غير جملة واحدة عمال يعيد ويزيد فيها كأنه مغيب
ده الصح اللي لازم يتعمل.. ده الصح يا جيهان.. هو ده الصح وبس.
قولتله وعياطي بدأ يسبقني
إنك تسيب بيتك وعيالك وعمرنا يبقى هو ده الصح؟!
بصلي لثواني، وعينيه كانت مليانة كلام ونفسه يقول حاجة تانية، بس فجأة لَف وشه وهرب بنظراته.
وقفت مذهولة ومبرقة وأنا شايفاه بيشيل الشنط ويحطها في شنطة العربية، وركب ودور ومشي.. حسيت كأن في خنجر اتغرس في قلبي وبيتدبح. حياتنا المثالية اللي كنت بتباهى بيها بتتفرفك قدام عيني في لحظة، وأنا مش فاهمة
السبب إيه!
على العصر كده، لقيت بنتي الكبيرة هنا داخلة عليا الأوضة ووشها كله حيرة وتساؤلات. قالتلي
ماما.. هو بابا سابنا ومشي عشان الكلام اللي الست جارتنا قالته مامت بارح لما راح يقعد معاها؟
دماغي بدأت تودي وتجيب.. طارق؟! طارق راح يقعد مع الست العجوزة المجاذيب دي من ورايا ومقاليش؟!
سألتها بلهفة
أنتي بتقولي إيه يا حبيبتي؟ بابا راحلها إمتى؟ وليه أصلاً؟
قالتلي
مبارح بعد الظهر، لما أنتي نزلتي تاخدي أخويا كريم من تمرين الكورة. أنا كنت واقفة في البلكونة بتكلم في التليفون مع صاحبتي، وشوفته وهو رايح هناك ودخل بيتها وقعد جوه فترة مش قصيرة.
هنا نزل عليا دِش مية ساقعة وفهمت كل حاجة.. الست ستّوتة! Whatever العكاية أو الحاجات الغريبة اللي بتعملها في بيتها، هي جرجرت جوزي معاها ودخلته في حواراتها.
سألت بنتي
طيب أنتي سألتيه لما رجع كان بيعمل إيه هناك؟
بنتي هزت راسها بالنفي وقالتلي لأ.
أنا دمي فار، وأخدتني العزة والغل، ونزلت جري ورحت على بيت الست ستّوتة ورزعت على الباب بكل قوتي. فتحتلي الباب ببطء شديد، ووشها كان في منتهى البرود والهدوء وكأن مفيش حاجة حصلت.
زعقت فيها وقولت بحدة
ست ستّوتة! أنتي قولتي إيه لجوزي مبارح؟!
بصتلي بنظرة كلها سلام وروقان وقالتلي
أنا مقولتلوش غير الحقيقة يا بنتي.. جوزك مش سعيد في بيته ومع عيلته، وده مأثر على شغله وتجارته وموقف
حاله. عشان كده، هو لازم يمشي ويدور على سعادته في حتة تانية.
اتعصبت وبقيت هفجر فيها
نعم؟! أنتي بأي حق تدخل في حياتنا وتخربي بيتي بالشكل ده؟ أنتي تعرفينا منين أصلاً عشان تحكمي؟!
تنهدت بملل كأنها بتتكلم مع عيل صغير وقالتلي
أنا شيخة وفاتحة مندل وبقرأ الطالع يا حبيبتي.. بشوف الحاجات على حقيقتها وبشوف المفروض يحصل إيه. جوزك نصيبه وسعادته مكتوبين مع واحدة تانية خالص غيرك.
خرجت من عندها وأنا بكلم نفسي من كتر الغيظ والصدمة. مش قادرة أصدق إن طارق.. طارق الراجل العاقل المتعلم، يسيب بيته وعياله عشان مشي ورا كلام ست دجالة وقارئة فنجان!
وقلت بغل وأنا راجعة بيتي جرى لك إيه في مخك يا طارق؟! بقى بتضيعنا عشان كلام خرافات؟!
مبقتش قادرة أقعد مكاني، فتحت الموبايل وعملت تتبع لمكانه Location وشوفت إنه راكن عربيتة عند بنزينة قريبة مننا.
ركبت عربيتي وطيرت على هناك، ودماغي شغال فيها مليون سؤال وألف سيناريو.
لما وصلت، لمحت طارق واقف جوه السوبر ماركت بتاع البنزينة.. الغريب والمقرف إنه كان واقف عند الكاشير وعمال يتسهوك ويتبغدد ويغازل البنت اللي واقفة تبيع في المحل بشكل علني ومقزز!
دذ﷼دددوقفت أبص عليه وقولت لنفسي
بكسرة مين الراجل ده؟ معقول ده طارق جوزي الحنين؟!
قربت منهم وصوتي كان بيترعش من كتر الغضب والقهر
طارق! إيه المهزلة اللي بتحصل هنا دي؟
لف وشه ليا، ولمحت نظرة ذنب وخوف في عينيه بسرعة، بس رجع رسم وشه بجمود وتصميم وقال لي
ده قدري ونصيبي يا جيهان.. الست ستّوتة قالتلي إن البنت دي هي نصيبي المكتوب، وقالتلي إن سعادتي الحقيقية ورزقي مش هيتفتحوا غير وأنا معاها.
البنت الكاشيرة سابت اللي في إيدها وبصتله بصدمة وقالت
استنى هنا! أنت بتقول إيه؟ ستّوتة؟ الشيخة ستّوتة بتاعة الدجل؟
طارق رد عليها بحماس ولهفة
أيوة هي! أنتي عارفاها؟!
البنت لوت بوزها وقلبت عينيها بملل وقالتله
دي أمي! وهي بقالها يجي سنتين عايزة تجوزني بأي طريقة وتخلص مني.. مكانش عندي فكرة إنها هتوصل بيها الدناءة والخباثة لدرجة إنها تخرب بيت راجل متجوز عشان تدبسه فيا!
وهنا.. كل الخيوط اتجمعت في دماغي وفهمت الملعوب.
الست ستّوتة، ب موهبتها وشغل الدجل والمندل، ضحكت على طارق وغسلت مخه عشان تقنعه إنه يسيب عيلته ويتجوز بنتها البايرة، وفهمته إن ده نصيبه وسعادته عشان تمشي مصلحتها!
بصيت لطارق وقولتله بشماتة وكسرة
في نفس الوقت
شربت المقلب يا طارق.. الست العجوزة دي صاعتك ولعبت بيك عشان مصلحتها وتجوزك بنتها وتخلص منها وتخرب بيتنا!
طارق وشه جاب ألوان، والصدمة والخزي غطوا ملامحه أول ما استوعب الكارثة
لأ! مش ممكن! جيهان!.. دي كانت بتتكلم بثقة أوي.. وكان معاها الورق والكوتشينة والحاجة.. أنا آسف.. أنا حقيقي آسف وغبي.
ورغم اعتذاره وأسفه، الشرخ كان حصل، وحياتنا اتدمرت.
بصيت له وقولت ببرود أنا مروحا بيتي.
ركبت عربيتي ومشيت وأنا مش عارفة أعمل إيه ولا هقول إيه للولاد اللي مستنيين في البيت.. هقولهم أبوكم عقله خف ومشي ورا دجالة؟!
بعدها بشوية، لقيت طارق داخل البيت زي المجنون ووشه مخطوف، وجري عليا في الصالون.
جيهان.. ارجوعي واسمعيني.. الموضوع أكبر من كده.. الست دي قالتلي إني لو فضلت معاكي، تجارتي هتخسر والولاد هيحصلهم مصيبة، وقالتلي إني هجيب النحس والتعاسة للبيت لو استمرينا سوا.. أنا خفت عليكي وعلى العيال ومكنتش عايز ده يبقى واقعنا.. عشان كده سمعت كلامها وهربت!
سألته بمرارة
ومفكرتش تيجي تتكلم معايا الأول؟ مفكرتش تقولي إنك روحتلها وتشركني في خوفك؟ خبيت عليا، وكنت بكل بساطة
مستعد ترمي ٧ سنين جواز وعيال في الزبالة عشان كلام ست بتفتح المندل؟!
قعد يعيط ويقول
أنا صدقتها وغلطت يا جيهان.. أرجوكي اديني فرصة تانية.. أنا شوفت الحقيقة وعرفت إنها كانت بتلعب بيا عشان بنتها.
بعد ساعات من التحايل والرجاء والعياط منه، قلبي حن ووافقت إنه يرجع البيت.. بس بشرط واحد مفيش غيره إنه يتابع مع دكتور نفسي عشان يرجّعله عقله اللي طار ويفوقه من اللي هو فيه.
وافق علطول وقال هعمل كل اللي أنتي عايزاه.
بس الخيانة وهانت العِشرة سابوا جرح غاير في قلبي.. ومبقتش قادرة أبص في وشه زي الأول.
في يوم بالليل، بعد ما رجع من جلسة علاج نفسي طويلة وصعبة، قعد قدامي على ترابيزة المطبخ، وعينيه كلها ندم وكسرة وقال
أنا عمري ما كان قصدي أوجعك أو أكسر بخاطرك.
بصيت له وقولتله
أنا عارفة.. بس الوجع مش في اللي عملته بس، الوجع في إنك هُنت عليك بسرعة، وإن أي حد قدر يلعب بدماغك ويخليك تسيبنا بالسهولة دي.. الأمان والثقة اللي بيننا اتدبحوا يا طارق.
مد إيده على الترابيزة وبيحاول يمسك إيدي وهو بيقول
أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أصالحك وأرجع ثقتك فيا.
بس أنا لحد دلوقتي..
مش عارفة أخد قرار.. الوجع لسه سخن وجديد في قلبي.





