عزومة حماتي – محمد نور

ما كان شغال مقاول بناء في شوارع ومناطق مصر العتيقة، وشريف كان قاعد منتبه وبیستمع له باهتمام شديد ما تعودتش أشوفه منه قبل كدة.
بس في لحظة، حصل موقف مش هنساه عمري كله.
أبويا رفع كوباية المية بتاعته وقال بصوت هادي
أنا كنت محتاج الجمعة دي واللقمة دي تلمنا كلنا.. مش عشان اللحمة الغالية ولا عشان الفلوس، بس عشان كان نفسي أقعد قاعدة حلوة مع بنتي وجوزها.
شريف بطل أكل في لحظته.
معلش يا عم سيد، أنا كنت عارف اتفاقنا من الأول، وبكل أمانة بوظت كل حاجة ودماغكم لوحدكم.
أبويا ابتسم وهز راسه
المهم إنك فهمت واستوعبت.. وإنك تعرف إن وقتي أنا كمان له تمن وقيمة، حتى لو بيتي بسيط ومفيش على ترابيزتي مفارش غالية.
الكلام ده خلاني دمعت وعيني اتملت دموع فرح.
طول السنين اللي فاتت، كنت بشופ إزاي شريف بيتعامل مع ارتباطاته بأهلي كإنها حاجة ثانوية جداً ممكن تتكنسل في أي ثانية.
لو أمه طلبت منه طلب، الدنيا كلها تقف.
لو أبويا عزّمنا، عادي نقدر نأجلها لأي وقت فاضي تاني.
شريف قرب مني بهدوء ومد إيده مسك إيدي بحنان.
سامحيني يا مريهان.. حقك

عليا.
ما سحبتش إيدي منه.
بس في نفس الوقت، ما قلتلوش إنسى وكل حاجة بقت تمام.
لأن السماح الحقيقي مش معناه إننا نرجع نفتح صفحة جديدة وننسى اللي حصل وكأن شيئاً لم يكن.
في نفس اليوم بالليل، رجعنا مع بعض على شقتنا في المقطم.
في الطريق، كنا ساكتين ومفيش كلام كتير.
أول ما دخلنا الشقة، شريف فتح تطبيق البنك على موبايله وقعد قدامي ووراني ډخله الحقيقي بالظبط.
كان بيقبض حوالي تسعتاشر ألف جنيه في الشهر.
وأنا كنت بعمل حوالي أربعة وعشرين ألف جنيه، وإن كان الرقم بيزيد أو يقل حسب مواسم الشغل والمناسبات.
راجعنا المصاريف كلها سوا، واتفقنا إنه هيدفع ثمانية آلاف جنيه كل شهر للمصاريف المشتركة للبيت وأنا هكمل الباقي على حسب احتياجاتنا، وفتحنا حصالة توفير صغيرة للظروف والطارئ.
والأهم من ده كله، إنا فتحنا باب المصاريف واتفقنا إن مفيش مليم يطلع من ورا التاني تاني أبداً.
شريف وضح لي إنه مش ناوي يقطع صلته بأمه نهائي، وأنا أصلاً مكنتش طالبة منه كدة.
إنك تساعد أمك وتكون بار بيها ده مش غلط قلت له الغلط الوحيد هو إنك تعمل ده على

حساب بيتك ومراتك ومن ورا ضهرها.
وثاني يوم الصبح.. حماتي ظهرت فجأة عندنا في الشقة.
ولا حتى خبطت بأدب كالعادة.
دبدبت على الباب پعنف كأنها جاية تحصيل ديون قديمة.
شريف فتح لها الباب.
أنا لازمة أتكلم معاك يا ابني.
دخلت من غير ما تبص في وشي حتى.
أنا فكرت كويس في اللي حصل قالتها وهي رافعة مناخيرها مريهان لازمة تيجي تعتذر لي حالاً عن قلة الذوق والمهزلة بتاعة إمبارح.
كنت واقفة في المطبخ بعمل كوباية قهوة.
طلعت بالكنكة وحطيتها على الترابيزة بهدوء.
يا حاجة نعمات، أنا زعلانة إن الضيوف اتضايقوا واتفاجئوا.. بس والله ما هعتذر عن إني خدت حق شقاي وتعبي اللي دفعته بفلوسي.
إنتي بدل ما تتكسفي على دمك، غيرتي اللحمة وحطيتي أكل كلاب وفراخ مېتة؟!
رقاب وعضم فراخ كان مخصص للكلاب البلدي اللي أبويا بيرعاها في الشارع. وابنك هو اللي ما كلفش خاطره يبص في الكولمان أصلاً، لأنه كان واثق إنه ماشي يسرق مجهود غيره عيني عينك.
حماتي ضغطت على شفايفها پغضب أعمى.
ستات الزمن ده بقوا قمة في قلة الأدب والعجرفة!
شريف وقف في نص الطرقة واتدخل بكل حزم
لا يا أمي.. مريهان ما غلطتش، وإنتي كمان لازم تعتذري.
لفت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *