أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

قعدت أراجع حساباتي وأفكر في كل حاجة ممكن أعملها. كان عندي مدخرات جمعتها على مدار سنين، وكنت مخططة أشتري شقة صغيرة باسمي، وأبدأ حياة مستقلة، ويمكن بعد كده أتجوز وأكون أسرة.
لكن البيت كان على وشك الضياع، وأمي كانت پتنهار قدامي.
الصبح اتصلت بالبنك، وطلبت كشف كامل بالمبالغ المستحقة والإجراءات المطلوبة لتسوية الدين. وبعد كذا مكالمة ومقابلة، عرفت إن الموضوع ممكن يتلحق لو اتدفع مبلغ كبير خلال فترة قصيرة، مع تسوية باقي الالتزامات وفق اتفاق رسمي.
المبلغ كان ضخمًا حوالي تمانية ملايين جنيه.
ده كان تقريبًا كل اللي جمعته في حياتي، بالإضافة لجزء كنت مضطرة أستلفه من استثماراتي وأسيّلها بسرعة.
لما قلت لأمي إني ممكن أدفع، مسكت إيدي وباستها وهي بټعيط.
ربنا يخليكي ليا يا مريم. إنتِ بنتي وسندي، ومش هنسى اللي عملتيه طول عمري.
كريم كمان قرب مني وقال
والله هعوضك. أول ما الدنيا تظبط معايا، هرد لك كل جنيه. اعتبريني أخوكي مش حد غريب.
بصيت له وقلت
أنا مش عايزة منك وعود. أنا عايزة المرة دي تبقى آخر مرة أدفع فيها تمن قراراتك.
هز راسه بسرعة.
آخر مرة، وعد.
كنت عارفة إن كلامه سهل، لكني كنت مستعدة أديهم فرصة أخيرة.
مع ذلك، المرة دي قررت ما أعتمدش على الوعود وحدها.
اتصلت بمحامٍ اسمه الأستاذ محمود، كان زميلًا لوالدي قديمًا، وشرحت له الموقف. قلت له إني مستعدة أساعد أمي في تسوية الدين، لكني مش عايزة بعد كده ألاقي نفسي خسړت كل فلوسي من غير أي ضمان.
قابلنا أمي وكريم في مكتبه. شرح لهم إن المبلغ اللي هدفعه مش هدية، وإنه لازم يبقى فيه اتفاق واضح يثبت قيمة المبلغ وطريقة استرداده، ويضمن حقي لو قرروا ينكروا الاتفاق بعد كده.
أمي اتضايقت في البداية.
إيه الكلام ده يا أستاذ محمود؟ دي بنتي! هو إحنا هنكتب عقود بين الأم وبنتها؟
المحامي رد بهدوء
يا مدام أمينة، الورق مش معناه إن مفيش ثقة. الورق بيحافظ على حقوق الكل، وبيمنع الخلافات بعدين.
أنا مسكت إيدها وقلت
يا ماما، أنا مش بعمل كده عشان أشك فيكي. أنا بعمله عشان الفلوس دي هي كل مستقبلي، ولو حصل أي خلاف، ما نخسرش بعض.
كريم دخل على الخط وقال
أنا موافق. خلصونا بس من موضوع البنك.
وبعد مراجعة التفاصيل، اتكتب اتفاق قانوني واضح، واتوثقت المستندات اللازمة لضمان حقي في المبلغ، بما فيها الإجراءات المتفق عليها لو ما تمش السداد. أمي وقعت، وكريم وقع بصفته طرفًا ملتزمًا بما وافق عليه، وكل واحد استلم نسخة.
المحامي قرأ البنود عليهم واحدة واحدة.
ولما وصل للبند الخاص بالتعويض واسترداد المبلغ في حالة الإخلال بالاتفاق، سأل أمي
حضرتك فاهمة إن التوقيع ده معناه إن مريم مش بتتنازل عن حقها في الفلوس؟
ردت وهي مستعجلة
فاهمة يا أستاذ محمود. المهم نلحق البيت.
أما كريم فقال
أنا مش هخليها تحتاج للورق ده أصلًا.
وقّعنا.
بعدها دفعت المبلغ المطلوب لتسوية المديونية، وتمت الإجراءات اللي أوقفت الحجز وفق الاتفاق مع الجهة الدائنة. البيت اتنفس من جديد، وأمي قدرت تنام وهي مطمنة إنه مش هيتباع في المزاد.
يوم ما خلصنا الإجراءات، أمي عملت لي أكلة بحبها من وأنا صغيرة، وقعدت قدامي وهي بتقول
إنتِ أنقذتي البيت يا بنتي. أبوكي لو كان عايش، كان فخور بيكي.
الكلام ده لمس قلبي.
رجعت البيت يومها وأنا مقتنعة إني عملت الصح.
حتى لو فلوسي اتأخرت في الرجوع، كنت شايفة إن أمي تستاهل الفرصة، وإن كريم ممكن يتغير لو حس أخيرًا بحجم المسؤولية اللي عليه.
لكن أول علامة إن كل حاجة مشيت في الاتجاه الغلط ظهرت بعد أسابيع قليلة.
بعد ما أزمة البنك اتحلت، كنت متوقعة إننا نبدأ حياة مختلفة.
قلت لنفسي إن أمي هتقلل مصاريفها، وإن كريم هيشتغل بجد ويساعد في سداد المبلغ، وإن البيت هيبقى مكانًا أقدر أرجع له من غير ما أحس إني مجرد خزنة مفتوحة.
لكن اللي حصل كان العكس.
كريم بدأ يتكلم عن تجديد البيت، وشراء أثاث جديد، وتغيير ديكورات الصالة. ولما سألته عن السداد، قال إنه محتاج يستقر الأول.
قلت له
تستقر إزاي وإنت عليك التزام بالملايين؟
رد بثقة
يا مريم، ما تبقيش مادية كده. أنا لما أبدأ شغلي الجديد هجيب أضعاف المبلغ.
شغلك الجديد إيه؟
لسه بدرس كذا فكرة.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
يعني لسه ما عندكش شغل، لكن عندك فلوس للتجديد؟
اتضايق وقال
إنتِ كل كلامك بقى فلوس. هو إحنا هنعيش العمر كله تحت رحمتك؟
الجملة وجعتني، لكني تماسكت.
أنا ما طلبتش منكم تعيشوا تحت رحمتي. أنا بطلب إنكم تلتزموا باتفاقكم.
دخلت أمي وقالت
يا بنتي، ما تزنقيهوش. هو أخوكي، وإنتِ عارفة ظروفه.
قلت لها
وأنا ظروفي إيه يا ماما؟ أنا دفعت كل اللي جمعته. أجّلت شقتي، وبعت استثماراتي، واستلفت عشان أنقذ البيت. مش من حقي أعرف هترجع لي فلوسي إمتى؟
ردت بضيق
ما حدش قال لك تعملي كل ده. إنتِ اللي أخدتي القرار.
في اللحظة دي، حسيت إن الكلام اللي سمعته منها يوم توقيع الاتفاق بدأ يظهر على حقيقته.
وقت الخطړ، كنت بنتها وسندها.
بعد ما الخطړ راح، بقيت واحدة هي اللي اختارت تساعد، وبالتالي مش من حقها تشتكي.
بدأت أطلب منهم الالتزام بالاتفاق المكتوب. كنت بتكلم بهدوء، وبديهم وقتًا معقولًا، لكن كل مرة كانت الإجابة تتغير.
مرة يقولوا إن الفلوس مش متاحة.
ومرة يقولوا إن كريم بيجهز مشروعًا.
ومرة أمي تقول إنها مش قادرة تتحمل أي ضغط، وإن الكلام عن الفلوس بيتعبها.
وفي كل مرة، كنت أرجع خطوة لورا عشان ما أزعّلهاش.
لحد ما اكتشفت إنهم فهموا سكوتي على إنه تنازل.
في يوم، رجعت من الشغل ولقيت كريم قاعد مع أمي في الصالة، وقدامهم كتالوجات أثاث وصور لشقق فخمة.
سألتهم
في إيه؟
كريم ابتسم وقال
بنفكر نغير شوية حاجات في البيت.
حطيت شنطتي على الكرسي.
مش إحنا اتفقنا إن الأولوية لسداد المبلغ؟
أمي ردت
إنتِ لسه هتفتحي الموضوع ده؟
بصيت لها.
أيوه يا ماما، لأن مفيش حاجة اتغيرت. عدى وقت، ومفيش أي دفعة اتردت.
كريم رمى الكتالوج على الترابيزة.
هو إنتِ فاكرة إنك لما دفعتي الفلوس بقيتي صاحبة البيت؟
اتجمدت مكاني.
أنا ما قلتش كده.
أمال إيه؟ كل شوية عقد واتفاق وفلوس! البيت ده بيت أمي، وهي اللي تقرر هتعمل فيه إيه.
قلت له
البيت بيت أمي، وأنا ما طلبتش يبقى ملكي. لكن فيه اتفاق بيننا، وإنت مضيت عليه بإيدك.
ضحك بسخرية.
عقد؟ إنتِ بجد فاكرة إنك هتقدري تنفذي الكلام ده على أخوكي؟





