أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

بعد مرور تلاتين يوم على يوم طردي، حصلت المواجهة اللي ما كنتش متوقعاها.
كنت في مكتب المحامي عشان أراجع تطورات الق\ضية، لما وصل إخطار بموعد جلسة متعلقة بالإجراءات القانونية الخاصة بالمطالبة المالية.
أمي كانت موجودة، وكريم كان معاها.
دخلت القاعة وأنا حاسة إن قلبي تقيل. مش عشان خاېفة على حقي، لكن عشان صعب أشوف أمي في موقف زي ده، حتى لو كانت هي اللي وصلت نفسها له.
الإجراءات مشيت بهدوء، وكل طرف قدم المستندات اللي عنده. الاتفاق كان واضحًا، وإثبات الدفع موجودًا، والمراسلات اللي حصلت بعد الطرد كانت موثقة.
الموضوع ما اتحسمش بقرار سحري، وما رجعتش كل فلوسي في لحظة. لكن المسار القانوني بقى واضحًا، وما بقاش ينفع يتعاملوا مع الاتفاق كأنه مجرد كلام بين أفراد العيلة.
بعد الجلسة، أمي وقفت قدامي.
كانت ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين، ووشها شاحب.
قالت
مريم، ممكن نتكلم؟
بصيت للمحامي، فقال لي إنه مستنيني بره.
وقفت مع أمي في مكان هادي.
قالت
أنا كنت فاكرة إنك لما مشيتي هترجعي بعد يومين. كنت فاكرة إنك هتزعلي، وبعدها قلبك هيحن علينا، وإن الموضوع كله هينتهي زي كل مرة.
ما قلتش حاجة.
كملت
لكن لما وصلني الإخطار، ولما شفت الورق قدامي، فهمت إنك المرة دي مش هتتراجعي لمجرد إني أمك.
قلت لها
أنا كنت بتمنى ما نوصلش لكده.
هزت راسها.
وأنا كمان. بس أنا اللي خلتك تحسي إن مفيش حل غير إنك تحمي نفسك بالقانون.
نزلت دموعها.
أنا آسفة يا مريم. مش بس عشان الفلوس. أنا آسفة عشان وقفت قدامك يومها وقلت لك إنك مش من أهل البيت. إنتِ اللي أنقذتي البيت، وأنا كنت أول واحدة المفروض أحافظ على مكانك فيه.
الكلام وجعني، لكنه كان مختلفًا عن كل الاعتذارات اللي سمعتها قبل كده.
ما كانش فيه طلب إنّي أتنازل.
ما كانش فيه تبرير.
ما كانش فيه اتهام إني قاسېة.
كان اعترافًا واضحًا.
قلت لها
أنا مش عايزة أشوفك مکسورة يا ماما. بس أنا كمان اتكسرت يوم ما رميتِ هدومي على السلم. وكنتِ شايفة كل حاجة بعينيك، ومع ذلك ما وقفتيش.
غطت وشها وهي بټعيط.
عارفة.
أنا مش هقدر أرجع أتعامل كأن ده ما حصلش. لكن ممكن نبدأ من جديد، بشرط إن اللي حصل ما يتكررش.
رفعت عينيها.
هعمل اللي أقدر عليه عشان أصلح اللي عملته.
قلت
وأول حاجة، إن الاتفاق يتنفذ. وبعدها نسيب الأيام تثبت إذا كنا نقدر نبقى عيلة من غير ما حد يستغل التاني.
هزت راسها.
ولما مشيت، ما حسيتش إني انتصرت على أمي.
حسيت إني أخيرًا بطلت أخسر نفسي عشان أحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
الأسابيع اللي بعدها ما كانتش سهلة.
أمي بدأت تتعاون مع المحامي في التسوية، وكريم استمر في شغله، وبدأ يسدد المبالغ المتفق عليها على مراحل. بعض الإجراءات احتاجت وقتًا، وبعض التفاصيل اتغيرت بعد مراجعة الالتزامات، لكن المرة دي ما كانش فيه وعود شفوية ولا قرارات متسرعة.
كان فيه ورق واضح، ومواعيد، ومسؤولية.
وأنا بدأت أرجع لحياتي.
رجعت أوفر فلوس، حتى لو بمبالغ صغيرة. بطلت أحط كل خططي على جنب عشان مشكلة جديدة تظهر في بيت أمي. بقيت أزور أمي من وقت للتاني، لكن الزيارات كانت قصيرة في البداية، ومن غير ما أسمح لأي حد يحولها لجلسة ضغط عليّ عشان أدفع أو أتنازل.
في أول زيارة بعد الصلح، عملت أمي الأكل اللي كنت بحبه وأنا صغيرة.
حطت الطبق قدامي وقالت
فاكرة لما كنتِ صغيرة، كنتِ بتزعلي لو ما عملتلكيش الأكلة دي يوم عيد ميلادك؟
ابتسمت رغمًا عني.
فاكرة.
قالت
أنا نفسي الأيام دي ترجع.
بصيت لها وقلت
الذكريات الحلوة موجودة يا ماما. بس إحنا لازم نتعلم نعمل ذكريات جديدة أحسن.
هزت راسها.
في الزيارة دي، ما اتكلمناش عن الفلوس. وما اتكلمناش عن البيت. اتكلمنا عن حاجات بسيطة، وعن الشغل، وعن صحتها، وعن خالتي سعاد.
كانت أول مرة أقعد معاها من غير ما أحس إني داخلة اختبارًا لازم أنجح فيه عشان أستحق حبها.
أما كريم، فكان لسه بيحاول يصلح علاقته بيا. ما بقيناش قريبين زي زمان، لكن لما كان بيتكلم معايا، بقى أقل استعلاءً وأكثر وضوحًا. ما كنتش بعتبر ده دليلًا إن كل شيء اتصلح، لكنه كان خطوة في الاتجاه الصح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *