أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

لأنها ما كانتش تعرف إن بعد تلاتين يوم بالضبط، نفس البيت اللي طردتني منه كان هيبقى سبب أكبر صدمة في حياتها.
أنا اسمي مريم، عندي تلاتة وتلاتين سنة، وكنت طول عمري مقتنعة إن العيلة هي آخر مكان ممكن الواحد يتظلم فيه.
أبويا الله يرحمه كان راجل بسيط، اشتغل سنين طويلة عشان يشتري بيت صغير في منطقة هادية، ويأمّن مستقبلنا أنا وأمي وأخويا كريم. ما كانش غني، لكنه كان عنده مبدأ ما بيتنازلش عنه اللي يحب حد، ما يستغلش حبه ليه.
لما كنت صغيرة، كان دايمًا يقول لي
يا مريم، ساعدي الناس على قد ما تقدري، بس ما تسمحيش لحد يحوّل طيبتك لحق مكتسب.
كنت بهز راسي وأنا مش فاهمة قوي قصده.
بعد ما ماټ، بقيت أفهم كلامه يوم ورا يوم.
أمي، أمينة، اتغيرت بعد ۏفاته. بقت خاېفة من المستقبل، وكل همها إن البيت يفضل موجود وإن كريم ينجح. وأنا ما كنتش بزعل من اهتمامها بيه في البداية. بالعكس، كنت شايفة إن أخويا محتاج حد يسنده، خصوصًا إنه كان أصغر مني وأقل مني في تحمل المسؤولية.
أنا اشتغلت من وأنا في الجامعة، وبعد التخرج دخلت مجال المحاسبة. بدأت بمرتب صغير، وبعد سنين من الشغل والتعب قدرت أعمل لنفسي مبلغ كويس وأأمّن مستقبلي.
ما اتجوزتش بدري، مش لأني ما كانش عندي فرصة، لكن لأني كنت شايلة هم البيت. كنت بساعد أمي في المصاريف، وأدفع فواتير الكهرباء والغاز، وأشتري احتياجات البيت، وأحاول أوفر لكريم فرصة يبدأ حياته من غير ما يفضل مديون لكل الناس.
كريم، على الناحية التانية، كان دايمًا عنده خطة جديدة.
مرة يفتح مشروع ملابس، ومرة يدخل شراكة مع واحد صاحبه، ومرة يشتري بضاعة عشان يبيعها أونلاين. وكل مرة كان المشروع ينتهي بخسارة، وكان يرجع البيت بنفس الجملة
المرة دي الظروف هي اللي وقفت في وشي. المرة الجاية هعوض كل حاجة.
وأمي كانت تصدقه.
لو طلب فلوس، تديله. لو اتأخر في دفع حاجة، تسدد عنه. لو خسر، تقول له إن الحظ ما وقفش معاه. ولو حد حاول ينصحه، تتهمه إنه بيحبطه.
أما أنا، فكنت دايمًا الشخص اللي بيتقال له
إنتِ الكبيرة، استحملي.
كنت أسمعها وأنا بدفع، وأنا بأجل خططي، وأنا برفض أشتري لنفسي حاجات كنت محتاجاها، لأن كريم عنده مشكلة جديدة لازم تتحل.
كنت فاكرة إن كل ده هييجي يوم ويتقدر.
ما كنتش عارفة إن في ناس بتعتبر الټضحية واجبًا، وإن كل مرة بتساعدهم فيها بتقلل قيمة اللي بتعمله في عينيهم.
المصېبة الكبيرة بدأت لما البنك بعت إنذارات لأمي بخصوص البيت.
أبويا كان سايب عليها التزامات قديمة، وبعد ۏفاته حصلت تأخيرات في السداد، وبعدها أمي بدأت تستلف عشان تغطي مصاريف البيت ومصاريف كريم. ومع الوقت، القروض الصغيرة اتجمعت، والفوايد زادت، وبقى البيت مهدد بالحجز والبيع في المزاد.
أول مرة عرفت الحقيقة، كنت راجعة من الشغل، ولقيت أمي قاعدة في الصالة ووشها أصفر، وقدامها مجموعة أوراق.
سألتها
مالك يا ماما؟
حاولت تخبي الورق، لكن إيديها كانت بتترعش.
قعدت جنبها وبدأت أقرأ. كل صفحة كانت أسوأ من اللي قبلها. مواعيد فاتت، ومبالغ متأخرة، وإنذار أخير قبل اتخاذ إجراءات قانونية.
بصيت لها وقلت
إنتِ ليه ما قولتيليش إن الموضوع وصل لكده؟
اڼفجرت في العياط.
كنت خاېفة يا بنتي. كنت خاېفة أخسركم البيت اللي أبوكي تعب عمره كله عشان يبنيه.
حضنتها وقلت
اهدي. هنشوف حل.
في اللحظة دي، دخل كريم. أول ما شاف الورق في إيدي، اتنهد وقال
أنا كنت عارف إن الموضوع هيوصل لكده.
لفيت له بسرعة.
كنت عارف؟ يعني إيه كنت عارف؟
قال وهو بيتجنب عيني
أنا كنت مستلف مبلغ من واحد صاحبي، وأمي استخدمت جزء من الفلوس اللي كانت معاها عشان تسدده. بعد كده حصلت مشاكل، والدنيا دخلت في بعضها.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
إنت أخدت فلوس أمي وهي أصلًا عليها أقساط للبيت؟
رد بعصبية
ما كانش قصدي أضيع البيت! أنا كنت هعوضها.
أمي تدخلت بسرعة
خلاص يا مريم، ما تضغطيش عليه. أخوكي كان بيحاول يحسن ظروفه.
بصيت لها وقلت
ومين كان بيحاول يحسن ظروفك إنتِ؟ مين كان بيدفع المصاريف كل شهر؟ ومين كان فاكر إن فيه بيت لازم يتحافظ عليه؟
ما ردتش.
في الليلة دي ما نمتش.





