أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

أمي بصت لي وقالت
أنا تعبت من طريقتك يا مريم. من يوم ما دفعتِ الفلوس وإنتِ محسسانا إننا مديونين لك.
قلت لها بصوت هادي
لأنكم فعلًا مديونين لي، يا ماما. مش عيب إن حد يبقى عليه دين، العيب إنه ينكره.
وشها اتغير.
إنتِ بتقولي إيه؟
بقول الحقيقة.
قامت من مكانها.
الحقيقة إنك بقيتي قاسېة، ومش فارق معاكي غير الفلوس. أنا أمك، وكان المفروض تساعديني من غير ما تفضلي تفكريني.
لأول مرة، ما حاولتش أبرر نفسي.
قلت لها
أنا ساعدتك فعلًا. دفعت مبلغ عمري كله عشان البيت ما يضيعش منك. لكن إنتِ عايزاني أساعد من غير ما يبقى ليا حق، وأدي من غير ما أسأل، وأضحي بمستقبلي عشان محدش يضطر يتحمل نتيجة قراراته.
كريم قام واقفًا.
خلاص، طالما مش عاجبك الوضع، محدش ماسكك هنا.
بصيت له، وبعدها لأمي.
إنتوا عايزيني أمشي؟
أمي سكتت ثواني، وبعدين قالت
يمكن ده أحسن للجميع. إنتِ بقيتي بتعملي مشاكل في البيت.
ما كنتش مصدقة إن الكلام ده بيطلع من الست اللي كنت فاكرة إني مستعدة أخسر الدنيا كلها عشانها.
قلت لها
طب والفلوس؟
ردت بحدة
مش هنتكلم في الفلوس دلوقتي.
والاتفاق؟
أنا مش هعيش تحت ټهديد عقد كل يوم.
في اللحظة دي فهمت إنهم مش بس مش ناويين يسددوا، لكنهم كمان شايفين إن وجودي نفسه بقى عبئًا، لأن كل ما يشوفوني بيفتكروا إن عليهم التزامًا.
سكت، ودخلت أوضتي.
ما كنتش عايزة أعمل مشكلة، ولا كنت عايزة أسمع كلامًا أكتر يوجعني. قلت لنفسي إني هديهم فرصة أخيرة، وهتكلم مع أمي تاني لما تهدى.
لكن الفرصة الأخيرة ما جاتش.
بعد يومين، رجعت من الشغل، ولقيت شنطًا كبيرة في الصالة، وراجلين بينقلوا قطع أثاث. سألت أمي عن اللي بيحصل.
قالت وهي بتشاور على الأوضة
كريم هينقل أوضته هنا، وإنتِ هتنقلي حاجتك للأوضة الصغيرة اللي فوق.
قلت لها
ليه؟
ردت
عشان هو محتاج مساحة. وعايزين نرتب البيت من جديد.
بصيت لكريم، لقيته بيبتسم.
قلت له
إنت بتغير أوضتك ولا بتغير مكانك في البيت كله؟
رد
أنا ابن البيت، ومن حقي أستقر فيه.
وأنا بنت البيت برضه.
أمي قالت ببرود
إنتِ تقدري تعيشي لوحدك. كريم لسه محتاجنا.
الجملة كانت كافية عشان أفهم إن كل التضحيات اللي عملتها ما غيرتش مكانتي في نظرهم.
أنا كنت الشخص اللي يعتمدوا عليه لما يحتاجوا إنقاذًا.
لكن لما الإنقاذ يتم، يرجع كل شيء زي ما كان كريم في المقدمة، وأنا مطالبة بالاستحمال.
حاولت أتكلم مع أمي لوحدنا.
دخلت المطبخ وقلت لها
يا ماما، أنا مش عايزة أخسر علاقتي بيكي. خلينا نرجع للاتفاق ونحط جدولًا واضحًا للسداد، وأنا مش هتدخل في أي حاجة تانية.
ردت من غير ما تبص لي
إنتِ مصممة تحولي كل حاجة لخناقة.
مش خناقة. ده حقي.
لفت ناحيتي فجأة.
حقك؟ هو إنتِ فاكرة إن ليكي حق علينا؟ ده بيت أبوكي، وأنا عشت فيه عمري كله، وإنتِ بنتي. يعني كل اللي فيه كان هيبقى ليكي يومًا ما.
قلت
بس أنا ما دفعتش الفلوس عشان ورث. أنا دفعتها عشان أنقذك من الحجز، وباتفاق مكتوب.
ردت
وأنا ما طلبتش منك تدفعي.
الجملة دي نزلت عليّ كأن حد ضړبني على وشي.
ما كملتش النقاش.
رجعت أوضتي، وقفلت الباب، وقعدت على السرير.
لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت اللي قضيت عمري بحاول أحافظ عليه ما بقاش بيتي، وإن الناس اللي كنت بحاول أحميهم مستعدين يحمّلوني مسؤولية كل حاجة، حتى لما أكون أنا اللي دفعت الثمن.
بعدها بأسبوع، حصلت المواجهة اللي ما كنتش متخيلة إنها هتحصل أبدًا.
كنت راجعة متأخرة، وسمعت صوت أمي من أول السلم. كانت بتتكلم مع كريم عن ترتيب الأوض، وإنه لازم ياخد المساحة الأكبر عشان يقدر يستقبل أصحابه ويبدأ حياته الجديدة.
لما دخلت، أمي قالت من غير مقدمات
إحنا قررنا إنك تنقلي حاجتك وتسيبي البيت.
حطيت مفاتيحي على الترابيزة.
يعني إيه أسيب البيت؟
قالت
يعني تدوري على مكان تعيشي فيه. أنا عايزة أعيش في هدوء، ومش عايزة كل يوم أسمع كلامًا عن الفلوس.
قلت
أنا مش بعمل مشاكل. أنا بطلب حقي.
كريم تدخل
يا مريم، كفاية بقى. إنتِ عايزة تفضلي تتحكمي فينا لحد إمتى؟
بصيت له وقلت
أنا بتحكم فيكم؟ أنا دفعت ملايين عشان أنقذ البيت، وإنت لحد النهارده ما دفعتش جنيهًا واحدًا. وبالرغم من كده، إنت اللي بتتكلم عن التحكم؟
رد بعصبية
ما هو إنتِ اللي قررتي تدفعي! محدش غصبك.
أمي هزت راسها موافقة.
بالضبط. إنتِ اللي اخترتي. ما ينفعش تفضلي تعايرينا.
حسيت إن كل كلمة بتطلع منهم بتمسح سنة من عمري قضيتها وأنا بحاول أكون بنت كويسة وأخت مسؤولة.
قلت لأمي
أنا ما عايرتكيش يومًا. حتى لما كنت بضغط على نفسي عشان أساعدك، كنت بقول لنفسي إنك أمي، وإن اللي بعمله ده واجب الحب. لكن إنتِ دلوقتي بتقولي لي إن مساعدتي كانت اختياري، وإن ده معناه إني ما ليش حق أطلب فلوسي.
ردت
أيوه، وإنتِ مش هتعيشي هنا وتفضلي تفتحي الموضوع.
بصيت لها للمرة الأخيرة وسألت
إنتِ متأكدة إن ده قرارك؟
قالت
أيوه.
وكريم موافق؟
رد هو بنفسه
طبعًا. البيت محتاج ناس تقدر تعيش فيه من غير مشاكل.
في اللحظة دي، ما بقيش عندي أي سبب أحاول أقنعهم.
دخلت أوضتي، وبدأت أحط هدومي في الشنط. كنت بلم حاجتي وأنا بفتكر أبويا، وافتكر إزاي كان بيقول لي إن الطيبة لازم يبقى معاها حدود.
كنت فاكرة إن وضع الحدود معناه إني أحمي نفسي من الغرباء.
ما كنتش أعرف إني هحتاج أحمي نفسي من أقرب الناس ليا.
لما خرجت بالشنط، أمي كانت واقفة عند الباب، وكريم جنبها.
قلت لها
أنا ماشية يا ماما. بس عايزاكي تعرفي إن اللي حصل ده مش بسبب الفلوس. اللي كسرني إنك اعتبرتي وجودي مشكلة بعد ما خلصت المهمة اللي كنتِ محتاجاني عشانها.
قالت بحدة
ما تلعبيش دور الضحېة. محدش طلب منك تضحي.
نزلت بعيني للأرض لحظة، وبعدها رفعتها لها.
عندك حق في حاجة واحدة محدش طلب مني أضحي. أنا عملت ده بحب. لكن اللي عملته بحب ما يديكيش الحق إنك تنكري اتفاقك معايا.
وبعدها نزلت السلم.
في آخر لحظة، سمعت كريم بيقول
وأخيرًا هنرتاح من حكاية الفلوس دي.
وقفت ثانيتين، لكني ما رجعتش.
لأني لو رجعت وقتها، كنت هسمع كلامًا أكتر يجرحني، ويمكن أضعف وأطلب منهم فرصة جديدة.
وأنا كنت تعبت من طلب مكان في بيت المفروض إن لي فيه مكانًا من غير ما أطلب.
أول ليلة بعد ما مشيت، نمت في شقة مفروشة صغيرة. حطيت شنطي جنب الحيطة، وقعدت على طرف السرير أبص للسقف.
ما كانش عندي غير مبلغ محدود، لأن أغلب مدخراتي راحت في تسوية الدين. كنت محتاجة أرجع أرتب حياتي من الصفر تقريبًا.
ومع ذلك، الغريب إني حسيت براحة وسط الۏجع.
ما كانش فيه حد بيطلب مني فلوس.
ما كانش فيه حد بيقول لي استحملي عشان أخوكي.





