أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

قلت
المسامحة حاجة، وحقوق الناس حاجة تانية. ممكن أسامحك يومًا ما، لكن ده مش معناه إنك ما تتحملش مسؤولية اللي عملته.
قام من مكانه ومشي للأوضة، وسابنا أنا وأمي لوحدنا.
أمي كانت بټعيط بصمت.
قمت من مكاني وقلت لها
أنا هسيب لك فرصة تتكلمي مع المحامي وتقدمي اقتراحًا واضحًا. لكن مش هقدر أعيش هنا تاني، ومش هقبل إن أي حد يطردني أو يهددني عشان أطلب حقي.
قبل ما أمشي، قالت
يعني حتى لو رجعت البيت، مش هترجعي تعيشي معايا؟
بصيت لها، وحسيت بۏجع كبير.
أنا مش

عايزة بيت يفضل مفتوح ليا بشرط أسكت عن حقي. أنا عايزة علاقة أكون فيها بنتك، مش مجرد حد بيتطلب منه يدفع.
ومشيت.
خلال الأيام اللي بعدها، المحامي راجع الاقتراحات المتاحة، وبدأ التواصل الرسمي بين الطرفين. اتضح إن الحل مش هيكون بكلمتين أو بوعد شفهي، وإن أي تسوية لازم تتوثق وتراعي حقوق كل الأطراف.
أنا ما طلبتش إن أمي تخرج من بيتها، ولا سعيت إني أخد البيت لنفسي. كل اللي طلبته كان تنفيذ الاتفاق واسترداد المبلغ وفق الإجراءات القانونية.
كريم حاول يتواصل معايا أكتر من مرة. مرة يعتذر، ومرة يلومني، ومرة يقول إن الناس كلها شايفاني قاسېة.
لكن مع الوقت، بدأت أسمع أخبارًا مختلفة.
المشروع اللي كان بيقول إنه هيبدأه ما بدأش أصلًا.
الأثاث الجديد اللي كان عايز يشتريه ما اشتراهوش.
وبعض أصحابه اللي كان بيحاول يبان قدامهم ناجحًا بدأوا يبعدوا عنه لما عرفوا إنه مش قادر يسدد ديونه.
لأول مرة، بقى مضطر يواجه نتيجة اختياراته بنفسه.
ما فرحتش بتعبه، لكني كمان ما جريتش عشان أنقذه.
كنت عارفة إن لو دفعت عنه مرة تانية، هيرجع لنفس الدائرة، وهيفضل مقتنعًا إن فيه حد هيلم كل حاجة وراه مهما عمل.
بعد فترة، كريم طلب يقابلني في مكتب المحامي.
وافقت.
دخل المكتب وهو باين عليه الإرهاق. قعد قدامي، وفضل ساكتًا شوية، وبعدها قال
أنا عارف إنك مش هتصدقي أي كلام أقوله.
قلت
ده صحيح.
هز راسه.
أنا استغليتك يا مريم. كنت عارف إنك هتساعدي أمي، وكنت معتمد على إنك مش هتسيبي البيت يضيع. ولما الأزمة اتحلت، اتعاملت كأن اللي عملتيه واجب عليكِ.
ما قاطعتوش.
كمل
ولما أمي قررت تطردك، أنا ما وقفتش جنبك. بالعكس، ساعدتها. كنت فاكر إنك هتزعلي يومين وبعدين ترجعي، وإنك مش هتقدري تسيبي أمك تواجه أي مشكلة.
بص للأرض.
أنا غلطان.
لأول مرة، ما حاولش يبرر اللي حصل بالظروف أو الحظ أو إن محدش غصبه.
قلت له
إنت عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش الفلوس. أنا كنت مستعدة أستنى، لو كنتوا احترمتوا الاتفاق. اللي وجعني إنك كنت عارف إني ضحيت بكل حاجة، ومع ذلك وقفت تتفرج وأنا بطرد من البيت.
رفع عينيه، وكانت عينيه حمرا.
أنا آسف.
قلت
الاعتذار بداية، مش نهاية. لو عايز تصلح اللي حصل، لازم تبدأ تتحمل مسؤوليتك. مش مطلوب مني أنقذك كل مرة.
هز راسه.
أنا بدأت أشتغل. شغل عادي، مش مشروع كبير ولا كلام. وهبدأ أسدد المبلغ على قد ما أقدر، وفق الاتفاق.
قلت
كل ده لازم يتوثق، ويتراجع مع المحامي. مش عشان أعاقبك، لكن عشان ما نرجعش لنفس النقطة.
قال
موافق.
وقّعنا محضرًا يثبت ما تم الاتفاق عليه في إطار التسوية القانونية، وفق مراجعة المحامي. ما كانش ده معناه إن كل المبلغ رجع في يوم وليلة، لكنه كان أول تصرف جاد من كريم بدل الوعود.
ولأول مرة، حسيت إن فيه فرقًا بين شخص بيقول إنه ندمان عشان خسر مصلحته، وشخص بدأ يفهم إنه أذى غيره فعلًا.
أما أمي، فكان أصعب عليها إنها تواجه الحقيقة.
هي كانت متعودة تشوف نفسها أمًا ضحت عشان أولادها، ومش قادرة تتقبل إنها في لحظة خوف وأنانية ظلمت بنتها اللي وقفت جنبها.
بعد أسابيع، بعتت لي رسالة طويلة.
قالت فيها إنها كانت خاېفة من الوحدة، وإنها كانت شايفة إن كريم محتاج البيت أكتر مني، وإنها صدقت إنه هيقدر يسدد كل حاجة. واعترفت إنها كانت بتعاملني على إني الأقوى، وإنها كانت بتفترض إني هقدر أتحمل أي شيء لمجرد إني ما كنتش بشتكي كتير.
وختمت الرسالة بجملة
أنا عارفة إن الكلام مش هيصلح اللي حصل، بس نفسي تديني فرصة أكون أمك من جديد.
قريت الرسالة أكتر من مرة.
كنت نفسي أرجع طفلة صغيرة، وأروح لها وأحضنها من غير ما أفكر في العقود والديون والوعود. لكني كنت عارفة إن الرجوع من غير حدود هيخلينا نكرر نفس الغلطة.
اتصلت بيها، وقلت
يا ماما، أنا مش عايزة أخسرك. بس مش هقدر أرجع لنفس العلاقة اللي كنت فيها. لازم نكون صريحين مع بعض، ولازم كل واحد يتحمل مسؤولية قراراته.
قالت بصوت ضعيف
أنا فاهمة.
قلت
والبيت مش موضوعي. أنا مش عايزة آخده منك. لكن الفلوس حقي، والاتفاق لازم يتنفذ. ده مش عقاپ، ده حق.
ردت
أنا موافقة.
سألتها
وموافقة لأنك مقتنعة، ولا عشان خاېفة تخسري البيت؟
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت
كنت هقول لك زمان إني موافقة عشان ما أخسرش البيت. لكن الحقيقة إني خاېفة أخسرك إنتِ كمان. وأنا عارفة إن أنا اللي دفعتك تبعدي.
ما قدرتش أمنع دموعي.
لأني كنت مستنية منها تسمعني من غير ما أحارب عشان ده يحصل.
قلت لها
أنا مش همنع نفسي عنك، لكن محتاجة وقت. والثقة هترجع بالأفعال، مش بالكلام.
قالت
هستنى.
ولأول مرة، ما طلبتش مني أرجع البيت، ولا طلبت مني أسحب الإجراءات، ولا حاولت تخليني أحس بالذنب.
كانت مجرد بداية صغيرة، لكنها كانت بداية حقيقية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *