أمي طردتني من البيت روايات احمد عمار

لأن الثقة ما بترجعش في يوم، ومش كل اعتذار لازم ينتهي بحضن ومسامحة كاملة.
أحيانًا، أحسن حاجة نقدر نعملها لبعض هي إننا نسيب مساحة للوقت، ونخلي الأفعال هي اللي تتكلم.
بعد شهور، قدرت أرجع لخطة شراء شقة باسمي.
ما كانتش الشقة اللي كنت بحلم بيها في البداية، لكنها كانت مناسبة لظروفي، وفي منطقة هادية، وقريبة من شغلي. لما وقفت أول مرة في الصالة الفاضية، والشمس داخلة من الشباك، حسيت بإحساس غريب.
ما كانش إحساس انتصار على أمي أو كريم.
كان إحساس إن حياتي رجعت ملكي.
حطيت شنطتي على الأرض، وطلعت من جيبي صورة صغيرة لأبويا. حطيتها على رف جنب الشباك، وقعدت قدامها.
افتكرت كلامه القديم
ساعدي الناس على قد ما تقدري، بس ما تسمحيش لحد يحوّل طيبتك لحق مكتسب.
ابتسمت وقلت بصوت واطي
فهمت يا بابا. اتأخرت، بس فهمت.
في نفس الأسبوع، أمي زارتني لأول مرة في شقتي.
وقفت عند الباب، وبصت حواليها بإعجاب.
ما شاء الله يا مريم. ربنا يبارك لك فيها.
دخلت، وقعدت على الكنبة الجديدة، وبعد شوية قالت
أنا فخورة بيكي.
الكلمة كانت بسيطة، لكني كنت محتاجاها من زمان.
ما اندفعتش أحضنها، وما نسيتش اللي حصل، لكني ابتسمت وقلت
ربنا يخليكي يا ماما.
قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وسألتني
هو أنا ممكن أجيلك تاني؟
بصيت لها.
طبعًا. ده بيتك، بس الأهم إننا لما نيجي لبعض، نيجي بحب واحترام، مش بطلبات وعتاب.
هزت راسها.
عندك حق.
ومشيت.
بعد ما الباب اتقفل، فضلت واقفة شوية. كان فيه جزء مني لسه موجوعًا، وجزء تاني كان سعيدًا إن العلاقة ما انتهتش بالكامل.
لكن الأهم إني ما بقيتش محتاجة أختار بين إني أحب أمي وإني أحترم نفسي.
اكتشفت إن الاتنين ممكن يعيشوا مع بعض، طالما الحب مش معناه التنازل عن الكرامة.
في يوم جمعة، بعد فترة من الهدوء، اتجمعت العيلة عند خالتي سعاد. أمي كانت موجودة، وكريم جه بعد شغله. ما كنتش متحمسة أروح في البداية، لكن خالتي أصرت، وقالت إننا محتاجين نقعد مع بعض من غير ما نتكلم عن المشاكل القديمة.
قعدنا على السفرة، واتكلمنا عن حاجات عادية. بعد الأكل، أمي طلبت من الكل يستنى شوية.
بصت لي، وبعدها لكريم، وقالت
أنا عايزة أقول حاجة قدامكم.
قلبي انقبض، لأني خفت إنها ترجع تفتح الموضوع بطريقة تضغط عليّ.
لكنها خدت نفسًا عميقًا وقالت
أنا ظلمت مريم. لما البيت كان هيتحجز، هي دفعت كل اللي قدرت عليه عشان تنقذنا. ولما الأزمة خلصت، أنا نسيت فضلها، وبدل ما أحافظ عليها، طردتها من بيتي.
الصالة سكتت.
أمي كملت، وصوتها كان بيرتعش
أنا كنت بقول لنفسي إنها قوية، وإنها هتستحمل. وكنت بدي كريم أعذارًا كل مرة، وبطلب من مريم تضحي كل مرة. ولما طلبت حقها، اعتبرتها بتهاجمنا. أنا كنت غلطانة.
كريم نزل عينيه للأرض.
أمي بصت له وقالت
وإنت كمان غلطت. مش معنى إن أختك قادرة تساعد إنك تعتمد عليها طول الوقت. ومش معنى إنها أكبر منك إنها لازم تشيل نتيجة قراراتك.
رفع كريم عينيه، وكان واضحًا إنه مش مرتاح للكلام، لكنه ما اعترضش.
أمي رجعت بصت لي.
أنا مش بقول الكلام ده عشان ترجعي زي الأول، ولا عشان تتنازلي عن حقك. أنا بقول الكلام ده عشان ما ينفعش أعيش وأنا ببرر لنفسي اللي عملته فيكي.
ما عرفت أتكلم للحظات.
كنت طول عمري أتمنى إنها تعترف قدام الناس إنها ظلمتني، مش عشان أشمت فيها، لكن عشان ما أكونش مضطرة طول الوقت أدافع عن نفسي ضد رواية بتخليني أنا الغلطانة.
خالتي مسحت دموعها وقالت
ربنا يصلح الحال بينكم.
كريم اتكلم أخيرًا.
وأنا كمان عايز أعتذر. أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تنقذيني مهما حصل. ولما لقيتك بتحطي حدودًا، اعتبرت ده قسۏة. الحقيقة إني كنت متعود أخد منك من غير ما أفكر إنتِ بتدفعي تمن إيه.
بص لي.
أنا مش طالب منك تنسي اللي حصل، بس عايزك تعرفي إني بدأت أفهم.
قلت له
أنا مش مستنية إنك تبقى شخصًا تاني في يوم وليلة. أنا مستنية إنك تبقى مسؤولًا عن نفسك، وإنك تحترم حقي حتى لو مش عاجبك.
قال
هحاول.
رديت
ما تحاولش عشان ترضيني. اعمل كده عشان ده الصح.
سكتنا شوية.
وبعدين أمي مدت إيدها ومسكت إيدي.
المرة دي، ما طلبتش مني أتنازل عن حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *