حماتى جت تعيش معانا

حماتى جت تعيش معانا وفى أول يوم جت خلتني أطبخ لها بعد عشر ساعات شغل، وأخدت أوضة نومي، وحاولت تربي بنتي بطريقتها… لكنها ارتكبت غلطة واحدة بس… إنها فتحت ملف مكانش المفروض تشوفه أبدًا……….
أول ما جوزي أحمد قال إنه هيجيب أمه تعيش معانا ويخدمها بنفسه، بصلي بثقة وقال
متقلقيش يا ياسمين… والله مش هتتعبي بسببها، وكل حاجة أنا هشيلها.
وقتها صدقته.
لكن حماتي حتى قبل ما تقعد وترتاح في البيت، أول كلمة قالتها كانت
يا مرات ابني… اعمليلنا الليلة صينية محشي.
على السفرة كنا خمسة.
حماتي قاعدة على أول الكرسي.
أحمد قاعد على شمالها.
أخته منى قاعدة على يمينها.
وبنتي ليان، عندها خمس سنين، قاعدة جنبي، والطبق اللي قدامها فاضي.
أما أنا…
فكنت واقفة في المطبخ بقالي عشر دقايق.
آخر صينية فراخ في الفرن لسه طالعة، ولسه حتى مقلعتش المريلة.
حماتي ما كملتش نص دقيقة من ساعة ما دخلت الشقة، ولسه حتى ما غيرتش الشبشب، وطلبت المحشي بكل بساطة.
أحمد رفع عينه وبصلي، وكانت نظرة كلها رجاء…
كأنه بيقولي
عشان خاطري… استحملي.
قلت بهدوء
يا ماما… المحشي عايز تجهيز، ولسه مفيش ورق عنب ولا كرنب، ولا حتى رز متبل جاهز.
حماتي حطت الشنطة البلاستيك اللي كانت شايلاها على الترابيزة وقالت بمنتهى الهدوء
السوبر ماركت اللي تحت البيت فيه كل حاجة.
اعمليه طازة… يبقى أحلى.
أحمد طول الطريق وهو بيحكيلي إن محدش بيعمل محشي زيك.
أحمد رد بسرعة
أيوة يا أمي… ياسمين محشيها أحسن من المطاعم.
إنتِ اقعدي ارتاحي، وأنا هنزل أجيب الطلبات.
أول ما قام من مكانه، الكرسي احتك بالأرض وطلع صوت مزعج.
مسكت إيده بسرعة وقلت بصوت واطي
أنا راجعة من الشغل الساعة سبعة وأربعين دقيقة…
حتى ملحقتش آخد نفسي.
قال وهو بيطبطب على ضهري
ده محشي بس…
ساعة إلا ربع ويكون خلص.
دي أول مرة أمي تيجي عندنا… استحملي شوية.
منى، أخته، كانت قاعدة ورجل على رجل، ماسكة الموبايل وبتتفرج على فيديوهات قصيرة، ومن غير حتى ما ترفع راسها قالت
يا مرات أخويا…
اعملي المحشي صغير شوية…
أسنان ماما تعبانة.
فضلت واقفة مكاني.
حماتي بصتلي وقالت بنبرة

أعلى
إيه؟
مش عاجبك الكلام؟
في الصالة كانت لسه أربع شكاير كبار متحطين على الأرض.
واضح إنها جابت نص بيتها من البلد.
الصبح أحمد راح جابها من المحطة.
والعصر أخد إذن من الشغل عشان يرتب أوضتها.
وقبلها كلمني وقال
أمي بسيطة جدًا…
متشغليش بالك.
وأول حاجة اتشغلت بيها…
كانت صينية المحشي.
ليان شدت هدومي وقالت
ماما…
أنا جعانة.
نزلت لمستواها وقلت
حاضر يا حبيبتي.
وسبت إيد أحمد، وروحت لبست الجزمة.
قلت
هنزل أجيب الطلبات.
أحمد ابتسم وهو بيبص لأمه وقال
مش قولتلك يا أمي…
ياسمين بنت أصول.
ما رديتش.
وأنا بقفل باب الشقة، سمعت صوت حماتي من جوه
هاتيلنا كمان نص كيلو لحمة زيادة… وشوية سمنة بلدي.
نزلت بالأسانسير.
وسندت ضهري على الحيطة وقفلت عيني ثواني.
الموبايل رن.
مدير الشركة باعت في جروب الشغل
بكرة الساعة تسعة مراجعة المشروع…
الكل يحضر بدري نص ساعة.
رديت
تمام.
السوبر ماركت كان قرب يقفل.
اشتريت كل اللي طلبوه.
ورجعت.
وأنا داخلة الشقة، لقيت حماتي ماسكة الريموت وبتقلب في القنوات.
أول ما شافت الأكياس قالت
جبتي لحمة قليلة…
هتكفي كام فرد؟
أحمد دخل يساعدني.
أنا بغسل ورق العنب، وهو بيغسل الرز ويجهز اللحمة.
وفجأة قال
أمي هتقعد فترة بسيطة بس.
سألته
يعني قد إيه؟
قال
لحد ما تتعود.
فضلت ألف المحشي واحدة واحدة.
وهو واقف جنبي قال
بصي…
أمي لسانها سريع بس قلبها أبيض.
استحمليها شوية.
قلت
أنا بكرة عندي شغل.
قال
عارف.
بالليل تعمليلها الأكل، وبالنهار هي تدبر نفسها.
بصيتله وسألته
وأختك؟
لسه قاعدة من غير شغل…
ما تعرفش تطبخ؟
قال متردد
منى جاية توصل ماما بس…
وهترجع بعد يومين.
ما علقتش.
بعد ساعات، السفرة اتمليت بالمحشي.
حماتي خدت أول واحدة، فتحتها تشوف الحشو، وداقتها.
وقالت
ماشي…
حلو.
بس لسه أقل من محشي بلدنا.
والتسوية زيادة شوية.
منى ضحكت وقالت
أنا عاجبني.
حماتي ردت
هو أنا ممنوع أقول رأيي؟
إحنا أهل.
أنا كنت بحط المحشي في طبق بنتي عشان يبرد.
أحمد قام عمل لأمه كباية شاي.
قالت
هات علبة الشاي الغالي اللي عندكم.
استغرب وسألها
من إمتى وإنتي بقيتي بتحبي الشاي؟
قالت
النهارده مزاجي

رايق.
جاب العلبة الجديدة، وعملها شاي.
بصتلي وقالت
اعملي لنفسك كباية.
قلت
لو شربت شاي بالليل مش هعرف أنام.
ردت باستهزاء
صغيرة ولسه جسمك تعبان كده؟
بعدين لما يجيلكم ضيوف…
هتستقبليهم إزاي؟
سكت.
بنتي قالت
ماما… عايزة أشرب.
قمت جبتلها مية.
وأنا راجعة سمعت حماتي بتقول
الشقة دي صغيرة قوي.
تلات أوض في بلدنا أوسع من دي.
منى قالت
دي في القاهرة يا ماما…
ثمنها بالملايين.
ردت
بالملايين ويعيشوا في علبة كبريت؟
ابني خريج هندسة…
وده آخره؟
أحمد سكت.
حتى ما رفعش عينه.
حماتي شربت رشفة شاي وقالت
حلو…
بس خفيف.
وبعدين قالتلي فجأة
بكرة الصبح عايزة عيش بلدي سخن وفول.
إنتي بتصحى الساعة كام؟
قلت
ستة وخمسين.
قالت
كويس.
أنا هصحى أفطر.
قلت
أنا بكون خارجة الشغل.
قالت
اصحي بدري نص ساعة.
اعملي الفطار وبعدها انزلي.
هي هتاخد منك إيه؟
أحمد بصلي.
وأنا بصيتله.
ما نطقش.
خلصت أكلي، وقمت أشيل طبقي.
حماتي خبطت بإيدها على الترابيزة وقالت
إنتي رايحة فين؟
أنا لسه مخلصتش.
قلت
بشيل طبقي.
قالت
يعني كل واحد يشيل لنفسه؟
إنتي مش فاهمة يعني إيه عيلة؟
أحمد قال
اقعدي يا ياسمين…
استني لما ماما تخلص.
ما قعدتش.
دخلت المطبخ وفتحت الحنفية على الآخر.
صوت المية غطى على كل حاجة.
ليان دخلت ورايا وقالت
ماما…
إنتي زعلانة؟
ابتسمت بالعافية وقلت
لا يا حبيبتي…
بغسل المواعين بس.
سألتني
تيتا مش بتحبنا؟
وقفت، وبصيت في عينيها.
قلت
تيتا لسه جديدة علينا…
بس.
قالت
هي بتخليكي تطبخي طول الوقت.
قلت
دي حاجات الكبار…
إنتِ متفكريش فيها.
هزت راسها وخرجت.
وقفت قدام الحوض دقيقتين.
والبخار مغطي وشي كله.
الموبايل رن تاني.
مديري باعتلي رسالة خاصة
ياسمين…
إنتي اللي هتقدمي المشروع بكرة.
تمام؟
كتبت
تمام.
مسحتها.
كتبت
أكيد.
ومسحتها.
وفي الآخر رديت بكلمة واحدة
حاضر.
لما خرجت من المطبخ، حماتي كانت خلصت أكل.
وقالت
شبعت.
يا أحمد… شيل السفرة.
أنا تعبانة من السفر.
قال
حاضر يا أمي.
وقام يشيل.
أما منى…
فقامت دخلت أوضة الضيوف وقفلت الباب بعنف.
حماتي اتحركت نحية أوضة نومي أنا وأحمد.
وبعدين لفت وقالت
بالمناسبة…
أنا

ما بعرفش أنام على المراتب الطرية.
غيروا السرير بتاعي.
أوضة النوم الرئيسية…
كانت أوضتنا.
أما أوضة بنتنا…
فكانت صغيرة.
والأوضة اللي أحمد جهزها لأمه كانت أوضة المكتب القديمة، فيها سرير قابل للطي.
قلت
يا ماما…
دي أوضتك اللي جهزناهالك.
قالت
صغيرة وضلمة.
أنا هنام هنا.
الأوضة دي فيها شمس.
وخبطت على باب أوضة نومنا.
وأضافت
إنتوا شباب…
ناموا في أي حتة.
أما أنا عايزة الأوضة دي.
وخلي ياسمين تفضي الدولاب…
هدومي كتير.
أحمد طلع من المطبخ وقال
بس يا أمي…
ده دولاب ياسمين.
قالت بمنتهى الحسم
تنقل هدومها أي مكان.
فيه مكان.
وبعدين بصتله وقالت
إنت راجل…
متلمسش هدوم مراتك.
هي اللي ترتبها.
أحمد بصلي بنفس النظرة القديمة…
عشان خاطري.
فضلت ساكتة.
حماتي بصت حوالين الأوضة وقالت
وما ترموش مرقة المحشي…
بكرة نعمل بيها أكل.
ودخلت الأوضة.
وسابت الباب مفتوح.
أحمد خرج من المطبخ وقال بصوت واطي
أنا هرتب الدولاب…
إنتِ متشغليش بالك.
أمي كده…
بعدين هتتعود.
قلت
يعني هتنام في أوضتنا؟
قال
هي بتحب النور…
إحنا هننام في الأوضة الصغيرة كام يوم.
قلت
وليان؟
قال
تنام مع منى الليلة.
بصيتله.
وقلت
إنت قلتلي النهارده الصبح إيه؟
قلتلي أمي بسيطة ومش هتتعبك.
سكت.
وبعدين قال
دي أمي.
عندها تلاتة وستين سنة.
ربتنا لوحدها بعد وفاة أبويا.
استحمليها.
قلت
أنا ما قولتش إنها متنامش في أوضة كويسة.
قال
ضهرها تعبان.
قلت
يبقى ننقل المرتبة.
قال
ما تنفعش.
قلت
تمام.
خليها تنام في أوضتنا.
وإحنا ننام في الأوضة الصغيرة.
لكن…
أنا مش هفضي الدولاب.
بكرة لازم أصحى بدري للشغل.
قال
أنا هفضيه.
قلت
ولو صحيت الصبح ملقيتش هدومي…
ألبس إيه؟
مسك راسه بإيده وقال بتعب
هو إنتِ مش ممكن…
تتعاوني شوية؟
أحمد فضل واقف قدامي مستني مني أرد.
لكن المرة دي…
أنا ما اتكلمتش.
لفيت وفتحت الدولاب، طلعت شنطة هدومي الصغيرة، وحطيت فيها طقم واحد بس ألبسه تاني يوم في الشغل، وقفلتها.
أحمد استغرب.
بتعملي إيه؟
قلت بهدوء
بحضر هدومي عشان الصبح.
قال
طب ما أنا هرتبلك كل حاجة.
بصيتله لأول مرة من ساعة ما أمه دخلت البيت.
أنا مش خايفة

على هدومي يا أحمد…
أنا خايفة على حياتي كلها.
سكت.
ولأول مرة… معرفش يرد.
…
الساعة كانت قربت على اتناشر بالليل.
ليان نامت على الكنبة وهي مستنية ندخل أوضتنا.
شلتها بين إيديا، ولسه هوديها أوضتها، لقيت حماتي خارجة من أوضة النوم الرئيسية.
كانت لابسة بيجامة جديدة، وماسكة مخدة كبيرة.
بصتلي وقالت
البنت هتنام مع عمتها.
إنتي وأحمد ناموا في الأوضة الصغيرة.
وبالمرة بكرة شيلي التسريحة دي من هنا…
أنا محتاجة مكان أحط فيه الكريمات بتاعتي.
قلت
التسريحة دي بتاعتي.
ردت بمنتهى البرود
ما أنا مش باخدها معايا.
هستخدمها وأنا قاعدة هنا.
ولما أمشي ابقي رجعيها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بس المرة دي…
كانت ابتسامة من النوع اللي بيخوف.
قلت
حاضر.
دخلت أوضة بنتي.
حطيتها على السرير، وغطيتها.
ومن غير ما أقول كلمة، خرجت.
…
الصبح…
الساعة كانت ستة إلا عشرة.
صحيت على صوت خبط جامد.
يا ياسمين…
يا ياسمين…
قومي.
فتحت الباب.
لقيت حماتي واقفة.
قالت
الساعة بقت ستة.
الفول اتحط؟
العيش جالك؟
الشاي اتعمل؟
قلت وأنا لسه نص نايمة
لسه فاضل خمسين دقيقة على معاد شغلي.
قالت
ما أنا عارفة.
عشان كده صحيتك بدري.
ابتسمت.
حاضر.
قفلت الباب في هدوء.
ودخلت الحمام.
بعد عشر دقايق خرجت لابسة هدومي.
مسكت الشنطة.
وطلعت.
حماتي نادت
رايحة فين؟
قلت
الشغل.
اتكلمت بعصبية
والفطار؟
قلت
أنا مفطرتش أصلاً.
قالت
وأنا؟
بصيتلها بثبات.
أحمد موجود.
وسبتها ونزلت.
…
بعد أقل من خمس دقايق…
الموبايل رن.
أحمد.
طنشته.
بعدها بدقيقة.
اتصل تاني.
طنشته.
وصلت الشركة.
ولسه قاعدة على مكتبي.
الموبايل رن للمرة التالتة.
رديت.
أحمد قال بعصبية لأول مرة
هو إنتي سيبتي أمي من غير فطار؟
قلت
أيوة.
إزاي تعملي كده؟
بنفس الطريقة اللي إنت سيبتني بيها امبارح واقفة في المطبخ بعد عشر ساعات شغل.
سكت.
قلت
أحمد…
أمك قالت إنها جاية تعيش مرتاحة.
وأنا كمان إنسانة.
مش شغالة عند حد.
وقلتله
لو كنت عايز واحدة تخدم أمك أربع وعشرين ساعة…
كان لازم تتفق معايا قبل الجواز.
وقبل ما يرد…
قفلت المكالمة.
…
الساعة اتنين الضهر.
رجعتلي رسالة منه.
أنا آسف.
مردتش.
بعدها بنص ساعة.
هجيب لأمي أكل من بره.
مردتش.
وبعدها بساعة.
تعالي بدري النهارده نتكلم.
برضه مردتش.
…
رجعت البيت الساعة سبعة.
أول ما فتحت الباب…
اتفاجئت.
الريحة كانت ريحة طبيخ.
دخلت المطبخ.
لقيت أحمد واقف بالمريلة.

بيعمل مكرونة وبانيه.
حماتي قاعدة على السفرة مكشرة.
أول ما شافتني قالت
هو ابني بقى يطبخ؟
أحمد رد وهو بيقلب الأكل
أيوة يا أمي.
لحد ما نتفق على نظام يريح الكل.
قالت
مراتك علمتك تعاند أمك؟
وقف أحمد.
وبص لأمه.
وقال بهدوء
لا.
أنا اللي اتأخرت في فهم إن ياسمين بترجع من الشغل تعبانة زَيّي بالظبط.
وساب المعلقة.
وكمل
البيت ده مش بيت أمي…
ولا بيت مراتي.
البيت ده بيتنا كلنا.
واللي يقدر يعمل حاجة يعملها.
واللي ميقدرش…
محدش يجبره.
حماتي ضربت كف بكف.
وقالت
يعني أنا أبقى غريبة؟
قال
لا يا أمي.
إنتِ على راسنا.
بس ياسمين كمان على راسي.
وأنا مش هسمح إنها تتحمل كل حاجة لوحدها.
ساد الصمت.
لأول مرة…
حماتي ما لقتش رد.
أما أنا…
فحسيت إن أحمد أخيرًا بدأ يبقى زوج…
مش مجرد ابن بيحاول يرضي أمه على حساب بيته.
لكن جوايا…
كنت عارفة إن اللي حصل النهارده…
كان مجرد بداية.
وإن الحرب الحقيقية…
لسه ما بدأتش.
تاني يوم الصبح…
أول مرة من ساعة ما حماتي دخلت البيت، صحيت على ريحة قهوة.
بصيت في الساعة.
ستة ونص.
استغربت.
خرجت من الأوضة بهدوء.
لقيت أحمد واقف في المطبخ، لابس المريلة، وبيحضر الفطار.
بيض مسلوق.
وجبنة.
وفول.
وكوباية شاي لأمه.
أول ما شافني ابتسم وقال
نامي كمان عشر دقايق… أنا خلصت كل حاجة.
قبل ما أرد…
خرجت حماتي من أوضة النوم الرئيسية.
بصت للسفرة، وبعدين بصت لابنها.
وقالت بضيق
يعني بقى مراتك قاعدة وإنت اللي واقف تطبخ؟
أحمد رد بهدوء
ياسمين عندها شغل يا أمي.
وأنا كمان عندي إيدين.
قالت وهي تقعد على الكرسي
طول عمر الست هي اللي تخدم جوزها.
قال
وطول عمر أبويا الله يرحمه كان بيساعدك.
سكتت فجأة.
واضح إن الجملة لمست حاجة جواها.
لكن بعد ثواني قالت
الزمن اتغير.
قال أحمد
أهو إحنا كمان اتغيرنا.
…
وصلت الشغل، لكن طول اليوم كنت حاسة إن فيه حاجة هتحصل.
وفعلًا…
الساعة تلاتة العصر.
ليان خرجت من الحضانة.
المربية اتصلت بيا.
مدام ياسمين… حضرتك تعرفي إن جدة

ليان جات أخدتها؟
قلبي وقع.
قلت بسرعة
مين؟
قالت
قالت إنها جدتها.
اتصلت بأحمد فورًا.
رد بعد أول رنة.
أيوة؟
قلت بعصبية
أمك راحت أخدت ليان من غير ما تقولنا؟
اتنهد وقال
أيوة… قالتلي الصبح إنها عايزة تتعرف على حفيدتها أكتر.
قلت
وإنت وافقت؟
دي جدتها يا ياسمين.
قفلت السكة.
وأول مرة أحس إن أعصابي هتنهار.
…
رجعت البيت جري.
أول ما فتحت الباب…
سمعت صوت ضحك ليان.
دخلت.
لقيت بنتي لابسة فستان قديم واسع عليها.
وشعرها متضفر بطريقة غريبة.
وأدامها طبق كبير مليان سمنة وعسل.
حماتي قالت بابتسامة
بصي حفيدتي بقت شبه بنات بلدنا.
ليان أول ما شافتني جريت حضنتني.
وقالت بصوت منخفض
ماما…
تيتا قالتلي البنطلون وحش للبنات.
وقالتلي لما أكبر هسيب الشغل وأطبخ لجوزي.
بصيت ناحية حماتي.
قلت
مين قال الكلام ده؟
قالت بمنتهى الثقة
أنا.
هي فيها إيه؟
البنت لازم تتربى.
قلت بهدوء وأنا بمسك إيد ليان
تربية بنتي مسؤوليتي.
قالت
وأنا جدتها.
قلت
وجدتها ليها كل الاحترام…
لكن مش من حقها تزرع فيها أفكار من غير إذني.
حماتي خبطت بإيدها على الترابيزة.
يعني أنا بقيت معرفش أربي؟
في اللحظة دي…
دخل أحمد.
بص علينا.
وحس إن الجو مش طبيعي.
حماتي سبقته بالكلام.
شوف مراتك بتكلمني إزاي.
أحمد بصلي.
ثم بص لبنته.
وقال
ليان…
إيه الفستان ده؟
قالت ببراءة
تيتا قالت البناطيل عيب.
أحمد لف ناحية أمه.
ولأول مرة…
صوته كان حاد.
يا أمي…
أنا وياسمين اللي بنربي بنتنا.
أي نصيحة منك فوق راسنا…
لكن مفيش حد يغير طريقة تربيتها من غير ما يرجعلنا.
حماتي قامت واقفة.
يعني أنا ماليش كلمة في بيت ابني؟
قال أحمد
ليكي كل الاحترام…
لكن القرار الأخير ليا أنا وياسمين.
…
حماتي دخلت أوضتها وزقت الباب بعنف.
وأول ما اختفت…
أحمد قعد على الكنبة، وحط راسه بين إيديه.
قال بصوت متعب
أنا حاسس إني بتقطع بينكم.
قعدت قدامه.
وقلت بهدوء
لا يا أحمد…
إنت مش بتتقطع بينا.
إنت بس لأول مرة مطلوب منك تختار الصح.
وساعتها..

.
رفع عينه وبصلي.
لكن قبل ما ينطق…
سمعنا صوت درج الدولاب بيتفتح من أوضة النوم الرئيسية.
وبعدها بثواني…
خرجت حماتي وهي ماسكة ملف أزرق كان مستخبي في درج الكومود.
بصت لأحمد وقالت باستغراب
هو إيه الورق ده؟
وليه مكتوب عليه…
عقد شقة بالتقسيط باسم ياسمين فقط؟
وفي اللحظة دي…
لون وش أحمد اتغير تمامًا…
أحمد اتجمد مكانه.
بص للملف اللي في إيد أمه، وبعدها بصلي.
أما أنا…
فقمت من مكاني بهدوء، ومشيت ناحيتها.
قلت
ممكن الملف يا ماما؟
حماتي شدته ناحيتها وقالت
لأ.
أنا عايزة أفهم الأول.
إيه يعني شقة باسمك لوحدك؟
هو ابني ناقصه إيه؟
قلت بهدوء
ده ملف خاص بيا.
ردت بسرعة
وإحنا بقينا أغراب؟
مدت إيدها وفتحت الملف.
وأخرجت أول ورقة.
بدأت تقرأ بصوت عالي
عقد حجز وحدة سكنية…
وسكتت لحظة.
بعدها بصت لأحمد وقالت
يعني مراتك بتخبي عنك شقة؟
أنا كنت فاكرة إنها بنت أصول.
طلعت بتأمن نفسها منك!
أحمد أخد الملف من إيدها بسرعة.
قلب الورق كله.
وبعدين رفع عينه وبصلي.
إنتِ فعلًا اشتريتي شقة؟
قلت
أيوة.
وإزاي معرفش؟
لأن دي فلوسي.
وساعتها…
الصالة كلها سكتت.
حتى ليان بطلت تلعب.
حماتي ضحكت بسخرية.
فلوسها؟
هو فيه ست متجوزة يبقى عندها أسرار؟
قلت وأنا ببص في عينيها
دي مكافأة شغلي، وقرض باسمي أنا.
ولا أحمد دفع فيها جنيه.
أحمد قال بهدوء
ليه مخبيّة عني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأن كل مرة كنت بقولك عايزة أأمن مستقبل ليان…
كنت بتقول
إحنا عندنا الشقة دي.
ولما كنت بقولك لازم يبقى عندي حاجة باسمي…
كنت بتضحك.
فبطلت أتكلم.
وعملت اللي أنا شايفاه صح.
أحمد نزل عينه للأرض.
واضح إنه افتكر كل مرة قال فيها نفس الكلام.
لكن حماتي كانت لسه مصرة.
قالت
يبقى تبيعيها.
وتحطي الفلوس في بيت جوزك.
ضحكت.
أول مرة أضحك من قلبي.
قلت
بيت جوزي؟
يا ماما…
أنا كل شهر بدفع نص قسط الشقة اللي إحنا قاعدين فيها.
وبدفع حضانة ليان.
وبدفع فاتورة الإنترنت.
وكمان بجيب طلبات البيت.
فأي بيت حضرتك تقصدي؟
حماتي بصت

ناحية أحمد.
واضح إنها أول مرة تسمع الكلام ده.
قالت باستغراب
مش إنت اللي بتصرف على البيت؟
أحمد اتردد.
ولأول مرة…
ما عرفش يكذب.
قال بصوت واطي
ياسمين بتشارك معايا في كل حاجة.
قلت بهدوء
مش بشارك.
إحنا الاتنين اللي بنصرف.
حماتي وشها اتغير.
قالت
يعني ابني مش راجل كفاية؟
أحمد رفع صوته لأول مرة.
كفاية يا أمي!
الصالة كلها سكتت.
حتى أنا اتفاجئت.
قال وهو بيبصلها أنا عمري ما اشتكيت.
ولا عمري حسيت إن مراتي قصرت.
إنتِ ليه مصممة تحسسيها إنها غريبة؟
حماتي عيونها دمعت.
لكنها قالت بعناد
أنا خايفة عليك.
قال أحمد
وأنا كبرت يا أمي.
وساب الملف على الترابيزة.
…
بعد العشا…
ليان كانت نامت.
وأحمد قعد في البلكونة لوحده.
طلعتله بكوباية قهوة.
قال من غير ما يبصلي
كنت فاكر نفسي بعمل الصح.
قلت
كنت بتحاول ترضي الكل.
وده مستحيل.
سكت شوية.
وبعدين قال
لو قلتلك إني هطلب من أمي ترجع البلد…
هتسامحيني؟
بصيتله.
قلت
المشكلة مش إنها ترجع.
المشكلة إنها لو فضلت…
لازم تعرف إن البيت ده ليه أصحاب.
واحترامهم مش اختيار.
هز راسه.
وقال
بكرة هتكلم معاها.
…
لكن تاني يوم الصبح…
قبل ما أحمد يصحى…
جرس الباب رن.
فتحت.
اتفاجئت براجل وست كبار في السن واقفين قدام الباب.
الست أول ما شافت حماتي خارجة من الأوضة، جريت عليها وحضنتها.
وقالت بلهفة
أهو لقيناكي!
إحنا قلقنا عليكي.
حماتي ارتبكت.
وقالت بسرعة
إنتوا جيتوا ليه؟
الراجل

رد وهو بيبص لأحمد
إحنا جيرانها من البلد…
وجايين نقولكم الحقيقة اللي هي مخبياها منكم بقالها شهور.
وفي اللحظة دي…
حماتي شحب وشها فجأة، وصرخت
اسكت… ولا كلمة!
الصالة كلها سكتت.
حتى أحمد وقف مكانه وهو باصص للراجل باستغراب.
قال
خير يا عمي… اتفضلوا.
دخل الراجل هو والست، وقعدوا على الكنبة.
حماتي كانت واقفة، وشها أصفر، وإيديها بتترعش.
قالت بعصبية
ملوش لازمة الكلام ده… يلا نمشي.
الراجل بص لها بحزن وقال
يا أم أحمد…
إحنا مش جايين نفضحك.
إحنا جايين ننقذ بيت ابنك قبل ما يضيع.
أحمد قرب منه وقال
أنا مش فاهم حاجة.
قال الراجل
قبل ما تيجي القاهرة، أمك باعت البيت اللي في البلد.
أحمد ابتسم وقال
أيوه… قالتلي إنها باعته عشان تعيش معايا.
الراجل هز راسه.
لا.
البيت اتباع فعلًا…
لكن الفلوس مش معاها.
أحمد عقد حواجبه.
يعني إيه؟
الست الكبيرة اتكلمت لأول مرة.
أختك منى هي اللي أخدت الفلوس كلها.
الصالة سكتت.
حماتي صرخت
كدب!
قالت الست
كدب؟
طب

قولي لابنك إن منى جوزها خسر في تجارة، وكان عليه ديون كبيرة.
وأنتِ بعتي البيت كله عشان تسددي ديونه.
وأخفيتي الحقيقة عن أحمد.
حماتي بصت في الأرض.
ما أنكرتش.
أحمد قرب منها خطوة.
الكلام ده صحيح؟
سكتت.
كرر السؤال بصوت أعلى
صحيح؟
بعد ثواني طويلة…
هزت راسها.
أيوه.
أحمد اتصدم.
يعني البيت اللي كنتي بتقولي إنه هيبقى ليا…
اتباع؟
قالت وهي بتمسح دموعها
أختك كانت هتضيع يا ابني.
كان لازم أنقذها.
قال
وأنقذتيها بفلوس عمرك كله؟
وبعدين جيتي تعيشي عندي؟
قالت
إنت ابني…
مش هتسيبني.
هنا…
اتدخلت لأول مرة.
قلت بهدوء
يا ماما…
لو كنتي دخلتي البيت ده من أول يوم وقلتي الحقيقة…
كنا كلنا وقفنا جنبك.
لكن إنتِ دخلتي وكأن البيت بقى ملكك.
وأنا بقيت الخدامة.
دموعها نزلت أكتر.
لكنها ما ردتش.
في اللحظة دي…
باب أوضة الضيوف اتفتح.
منى كانت واقفة.
واضح إنها سمعت كل حاجة.
قالت بعصبية
خلاص بقى…
إيه يعني؟
البيت اتباع عشاني.
وأنا أخت أحمد.
هو كان هيبخل

عليا؟
أحمد لف ناحيتها ببطء.
يعني إنتِ كنتي عارفة؟
قالت بمنتهى البرود
طبعًا.
قال
وسكتي؟
أيوة.
إيه المشكلة؟
إنت شغال وعندك شقة.
وأنا كنت هتطلق.
كان لازم ماما تساعدني.
أحمد ضحك…
بس كانت ضحكة كلها وجع.
قال
يعني باعتوا تعب أبويا…
وبعدين جيتوا هنا تحاسبوا مراتي على كباية شاي؟
وتاخدوا أوضة نومها؟
وتقولولها تقوم بدري تعمل فطار؟
منى قالت
بلاش تكبر الموضوع.
فجأة…
أحمد ضرب بإيده على الترابيزة.
الصوت كان عالي لدرجة إن ليان صحيت من النوم وخرجت تجري وهي خايفة.
أنا حضنتها بسرعة.
وأحمد قال بصوت عمره ما علي
الموضوع كبير.
كبير جدًا.
وبص لأمه وقال
أول ما دخلتي البيت…
كان المفروض أحمي مراتي.
مش أسيبها لوحدها.
وبص لأخته.
وإنتِ…
من النهارده…
مفيش جنيه هيدخل جيبك مني.
ولا هتعيشي على حساب بيتي.
منى شهقت.
يعني هتطردنا؟
قال أحمد بهدوء شديد
لا.
أنا هرجع لكل واحد حقه.
أمي ليها مكان في قلبي.
لكن مش على حساب مراتي وبنتي.
وساعتها…
حماتي انفجرت

في البكاء.
وقعدت على الأرض وهي بتقول
أنا اللي خربت كل حاجة…
أنا كنت فاكرة إن أحمد هيفضل يسمع كلامي طول عمره…
لكن واضح إنه بقى راجل…
ولأول مرة…
اختار بيته قبل أي حد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *