الإسورة اللي قلبت عشا الطلاق لچحيم! روايات احمد عمار حصرى

اتفضلي، إحنا مستنيينك.
قعدت في أبعد مكان عنهم، وطلبت مية.
ما كنتش عايزة أشرب أي حاجة ممكن تخليني أفقد هدوئي، لأن إحساسي من أول لحظة إن الليلة دي مش معمولة عشان الوداع.
كانت معمولة عشان يثبتوا لي إنهم انتصروا.
وبالفعل، بعد شوية، حماتي رفعت كوباية الشرب وقالت
حابّة أقول كلمة صغيرة قبل ما نكمل العشا. ساعات في حياتنا بنضطر نقفل أبواب عشان نفتح أبواب تانية، ومش كل نهاية تبقى خسارة. أوقات النهاية بتكون أحسن حاجة حصلت لنا.
كل اللي على الترابيزة هزوا راسهم موافقين.
وبعدين بصت لعشيقة جوزي، وابتسمت لها.
وأوقات ربنا بيبعد عننا ناس عشان يرزقنا بناس أنسب.
حسيت إن الكلام موجه ليا، لكني ما علقتش.
جوزي مسك إيد الست اللي جنبه وقال
المهم إن الواحد في الآخر يعرف هو عايز إيه، ويكون مع الشخص اللي فاهمه بجد.
ضحكات خفيفة طلعت من كذا شخص.
أنا شربت رشفة مية، وحطيت الكوباية على الترابيزة.
كان عندي كلام كتير أقدر أقوله، لكني قررت إنهم مش هيشوفوا دموعي، ولا هديهم فرصة يحوّلوا ۏجعي لحكاية يتسلّوا بيها بعد العشا.
افتكرت أمي وهي على سرير المستشفى، لما مسكت إيدي في يوم كانت تعبانة فيه جدًا، وقالت لي بصوت ضعيف
يا بنتي، أوعي تفتكري إن سكوتك عن الغلط معناه إنك ضعيفة. بس كمان أوعي تسمحي لحد يستغل طيبتك ويخليك تشكي في نفسك. في فرق بين إنك تسامحي، وإنك تسيبي حقك.
ساعتها ما فهمتش ليه قالت الكلام ده بالطريقة دي.
لكن الليلة دي، وأنا قاعدة وسط ناس كانوا بيحتفلوا پانكساري، بدأت أفهم.
حماتي فجأة حطت كوبايتها على الترابيزة، واعتدلت في قعدتها.
قبل الحلو، عندي هدية صغيرة حابة أقدمها.
طلعت علبة قطيفة لونها كحلي من شنطتها.
عشيقة جوزي حطت إيدها على بقها، وقالت
إنتِ بتتكلمي بجد؟
حماتي ضحكت.
افتحيها وشوفي.
لكن بدل ما تديها العلبة، فتحتها بنفسها ورفعتها قدام الموجودين.
كانت جواها إسورة دهب تقيلة، محفور على أطرافها ورق شجر رقيق، وفي نصها قطعة بيضاوية صغيرة.
كل اللي على الترابيزة قربوا يبصوا عليها.
حماتي قالت بفخر
الإسورة دي مش مجرد دهب. دي رمز للوفاء والانتماء للعيلة. طول عمرها بتتقدم للست اللي تثبت إنها تستاهل تكون جزء مننا، وتحافظ على اسم العيلة.
وبعدين قامت من مكانها وراحت وقفت جنب عشيقة جوزي.
وأنا شايفة إن الوقت جه إنها تكون في إيد صاحبتها الجديدة.
قفلت الإسورة حوالين معصمها.
التصفيق بدأ من أول الترابيزة، وبعدها انتشر بين الموجودين.
عشيقة جوزي رفعت إيدها ناحية النور، وفضلت تتأمل لمعان الدهب.
دي أجمل هدية جت لي في حياتي.
حماتي باستها على خدها.
إنتِ تستاهلي أكتر من كده.
جوزي رفع كوباية الشرب وقال
نخب العيلة.
وكلهم كرروا وراه.
إلا أنا.
لأني في اللحظة دي ما كنتش شايفة غير الإسورة.
كنت أعرف شكلها.
أعرف النقوش اللي عليها.
أعرف القطعة البيضاوية اللي في النص.
وكنت متأكدة إن دي مش مجرد إسورة شبه حاجة شفتها قبل كده.
دي كانت إسورة أمي.
أمي كانت عندها مجموعة مجوهرات نادرة، مش لأنها أغلى حاجة في الدنيا، لكن لأن كل قطعة فيها كانت مرتبطة بتاريخ عيلتنا.
جد جدي كان طلب تصميم المجموعة دي سنة 1958، واستعان بصنايعي دهب مشهور وقتها، وكان حريص إن كل قطعة يكون ليها شكل مميز وعلامة خاصة ما تتكررش في أي قطعة تانية.
كان فيه عقد، وحلق، وخاتم، وبروش، والإسورة اللي كانت قدامي دلوقتي.
أمي كانت بتحافظ عليهم كأنهم جزء من روحها. وكانت دايمًا تقول إن قيمة الحاجة مش في تمنها، لكن في الحكاية اللي وراها.
بعد ۏفاتها، وأنا براجع ممتلكاتها مع المحامي المسؤول عن التركة، اكتشفنا إن أربع قطع موجودة، لكن الإسورة اختفت.
دورنا في كل مكان، وراجعنا الأوراق، وسألنا عن كل حاجة ممكن تكون اتنقلت من بيتها، لكن ما وصلناش لأي نتيجة.
وقتها المحامي طمّني وقال إننا ما نستعجلش في الحكم، وإنه هيراجع سجلات الممتلكات وأي مستندات تخص المجموعة.
لكن بعد شهور من البحث، ما كانش عندي أي دليل يثبت إن الإسورة خرجت من البيت بطريقة غير قانونية.
لحد اللحظة دي.
مديت إيدي ناحية الست اللي كانت لابساها، وقلت بهدوء
ممكن أشوف الإسورة عن قرب؟
بصت لي بابتسامة مستفزة، كأنها عارفة إن طلبي هيضايق جوزي.
قالت
طبعًا، اتفضلي.
جوزي ضحك وقال
هو إحنا حتى الهدية مش هنعرف نفرح بيها؟
رديت من غير ما أبص له
أنا طلبت أشوفها بس.
حماتي ضمت دراعاتها وقالت
غريبة أوي إنك مهتمة بيها بالشكل ده. هي مجرد إسورة، مش أكتر.
رفعت عيني ليها.
أحيانًا الحاجات اللي بتبان بسيطة بتكون وراها حكايات كتير.
الابتسامة اللي على وشها اهتزت للحظة، لكنها رجعت بسرعة وقالت
طيب، شوفيها براحتك.
مسكت إيد عشيقة جوزي برفق، وقلّبت الإسورة عشان أبص على الجزء الداخلي منها.
وهناك، تحت القفل مباشرة، لقيت الرقم المحفور.
CM118704
حسيت إن قلبي وقف.
كنت فاكرة الرقم ده حرف حرف.
كان مكتوب في كشف حصر ممتلكات أمي، جنب وصف الإسورة وصورة ليها من الناحيتين.
ما كانش فيه أي احتمال للغلط.
دي هي الإسورة.
الإسورة اللي اختفت من ممتلكات أمي، واللي ما عرفناش مصيرها رغم شهور البحث.
رفعت رأسي ببطء.
حماتي كانت بتراقبني.
جوزي كان لسه بيضحك.
وعشيقته كانت بتتفرج على الإسورة بإعجاب، من غير ما يكون عندها أدنى فكرة عن اللي أنا اكتشفته.
رجعت الإسورة لمكانها، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
شكرًا.
جوزي عقد حواجبه.
بس كده؟ أنا كنت فاكر إنك هتعملي مشكلة.
بصيت له لأول مرة من ساعة ما وصلت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *