ابني اتجوز في السر عشان أنا مش من طبقة الأغنياء…روايات احمد عمار حصرى

تقدر تصلح اللي حصل، لكن مش بأنك تاخد البيت. تصلحه بأنك تقول الحقيقة، وتعتذر عن الكذب، وتتعلم إن الحب مش معناه إنك تملك كل حاجة تخص اللي بيحبك.
مراته مسحت دموعها، وقالت
أنا كنت فاكرة إنك موافقة يا ماما. والله ما كنت أعرف إنك رافضة.
بصيت لها وقلت
أنا مش هحكم عليكِ من كلامه وحده. لكن من النهارده، أي حاجة تخص بيتي أو حياتي، هتسمعوها مني أنا.
هزت رأسها، وبعدها مشيت معاه.
ما طلبتش منه يرجع المفتاح القديم، لأنه كان بالفعل بقى بلا قيمة بعد تغيير الأقفال.
وما طلبتش منه يعتذر قدام الناس.
كان عليه هو يقرر إذا كان مستعدًا يتحمل مسؤولية أفعاله، أو هيفضل يدور على شخص تاني يحمل عنه العواقب.
عدت للصالة، وقعدت في المكان اللي كنت بقعد فيه أنا وجوزي.
البيت كان هادي تاني.
على الترابيزة، كانت الدعوة المطبوعة لسه موجودة.
خدتها، وقطعتها نصين، وحطيتها في سلة الورق.
وبعدين مسكت صورة جوزي، وقلت له
أنا ما كنتش عايزة أوصل الأمور لكده. كنت عايزة ابننا يفرح، ويبدأ حياته، ويكون عنده بيت يفتخر بيه. لكني ما كنتش عايزة ده يحصل على حسابي.
رجعت الصورة مكانها.
في الأيام اللي بعدها، ابني ما اتصلش.
سمعت من جارتي إنه رجع هو ومراته يقعدوا مؤقتًا في شقة مفروشة، وإنه اضطر يواجه أهل مراته بالحقيقة.
ما سألتش عن التفاصيل، وما حاولتش أعرف إذا كان اعتذر لهم أو لأ.
كنت عايزة أدي نفسي فرصة أهدى، وأسيبه هو كمان يواجه نتيجة قراراته.
بعد أسبوع، وصلتني رسالة منه
يا أمي، أنا آسف إني ما عزمتكيش على الفرح، وآسف إني قلت للناس إنك مريضة. أنا غلطت لما وعدتهم بالبيت من غير إذنك. مش عارف إذا كنتِ هتسامحيني، لكن أنا محتاج أتكلم معاكي.
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
ما حسيتش إن كل حاجة اتصلحت فجأة، لكن لأول مرة من بداية المشكلة، شفت اعترافًا واضحًا بالخطأ بدل ما أسمع تبريرات.
رديت عليه
أنا مستعدة أسمعك، لكن لازم تفهم إن المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي ما كانت من غير ما نتعلم من اللي حصل.
اتفقنا نتقابل في شقتي.
لما جه، كان لوحده.
قعد قدامي، وفضل ساكت شوية، وبعدين قال
أنا كنت خاېف أهل مراتي يشوفوني أقل منهم. كنت عايز أثبت لهم إني قادر أوفر لها حياة فخمة، وإن عندي بيت على البحر زي الناس اللي بيتعاملوا معاهم.
سألته
وعشان تثبت لهم إنك غني، كان لازم تخلي أمك تبان فقيرة ومريضة؟
نزل عينيه.
قال
أنا ما فكرتش في الموضوع بالطريقة دي.
قلت له
دي هي المشكلة. إنت فكرت في صورتك قدامهم، وما فكرتش في صورتي أنا قدام نفسي.
فضل ساكت.
وبعدين قال
أنا عارف إن البيت مش حقي دلوقتي، ومش هطلب منك المفتاح تاني. بس كنت فاكر إنك هتوافقي في الآخر.
قلت له
أنا طول عمري بساعدك، وده خلاك تفتكر إني مش ممكن أقول لك لا. لكن الحب مش معناه إن مفيش حدود. أنا ممكن أساعدك، وممكن أرفض، وفي الحالتين أفضل أمك.
بص لي بعينين مليانين دموع.
قال
أنا آسف يا أمي.
المرة دي، ما قاطعتوش، وما حاولتش أهون عليه الغلط قبل ما يكمل.
سيبته يقول كل اللي كان محتاج يقوله.
وبعد ما خلص، قلت له
أنا بحبك، وده مش هيتغير. لكن بيت البحر مش هدية زواج، ومش هتنازل عنه عشان أثبت لك إني بحبك. لو احتجت مساعدة في بداية حياتك، نقدر نتكلم عن حاجة أقدر عليها وبموافقتي. لكن مش هسمح إن حد يقرر عني تاني.
هز رأسه.
ما طلبش مني أغير رأيي.
ولأول مرة من شهور طويلة، حسيت إنه بيسمعني فعلًا.
بعد اللقاء ده، الأمور ما رجعتش مثالية في يوم وليلة.
كان فيه چرح محتاج وقت، وثقة محتاجة تتبني من جديد.
أنا ما وافقتش إن ابني ومراته يسكنوا في بيت البحر، لكني ما منعتوش من زيارتي، ولا قطعت علاقتي بيه.
فضلت أتعامل معاه كابني، لكن من غير ما أتنازل عن حقي كل مرة عشان أتجنب زعله.
وبعد فترة، سمعت إنه بدأ يدور على شقة مناسبة بميزانيته، وإنه ومراته اتفقوا إنهم ما يوعدوش بعض ولا أي حد بحاجة قبل ما يتأكدوا إنهم يقدروا ينفذوها.
أما بيت البحر، ففضل زي ما هو.
الباب الأزرق، والتراس الخشبي، والشجرة اللي زرعناها أنا وجوزي من سنين.
وفي أول يوم أحد بعد كل اللي حصل، روحت البيت لوحدي.
فتحت الشبابيك، وعملت قهوة، وقعدت في التراس.
كان البحر هادي، والهوا بارد، والشمس بتغيب ببطء.
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة، وطلعت صورة صغيرة لجوزي كنت حطاها في شنطتي.
قلت له
فاكر لما قلت لي إن البيت ده لازم يفضل واقف حتى بعد ما نمشي؟ أنا بحاول أحافظ عليه، وبحاول كمان أحافظ على ابننا من إنه يفتكر إن الحب معناه إن كل حاجة متاحة له.
فضلت قاعدة لحد ما الشمس اختفت.
وقبل ما أقوم، بصيت للباب الأزرق، وابتسمت.
ما كنتش سعيدة إن ابني اتوجع أو اتحرج.
كنت سعيدة إني أخيرًا فهمت إن الأمومة مش معناها إن الأم تتنازل عن نفسها لحد ما تختفي.
أنا أقدر أحب ابني، وأسامحه، وأفتح له قلبي، من غير ما أفتح له باب بيتي بالقوة.
وأقدر أكون أمه، من غير ما أكون ضحېة لقراراته.
في اليوم اللي اتجوز فيه من غير ما يعزمني، كنت فاكرة إنه اختار زوجته وأهلها بدلًا مني.
لكن الحقيقة كانت أقسى وأوضح.
هو اختار صورته قدام الناس، حتى لو اضطر يشوه صورتي أنا.
وفي اليوم اللي قفلت فيه باب بيت البحر، ما كنتش بطرده من حياتي.
كنت بقفل الباب قدام فكرة واحدة بس إن حقي ممكن يضيع لمجرد إن اللي عايزه هو ابني.
لأن البيت اللي اتبنى بتعب السنين، والفلوس اللي اتجمعت بالحرمان، والذكريات اللي اتكتبت على حيطانه، مش هدية يقدر حد يقدمها باسم غيره.
والأم اللي ضحت بعمرها عشان ابنها يقف على رجليه، من حقها تقول لا من غير ما تتحول في عينه لعدوة.
أما ابني، فكان قدامه عمر كامل يتعلم فيه إن الغنى الحقيقي مش في بيت على البحر، ولا في فرح يحضره 46 شخصًا من أصحاب النفوذ.
الغنى الحقيقي إنك تقدر تبص في عين أمك من غير ما تخجل من نفسك.
وإنك لما توعد حد بحاجة، تكون صاحب الحق فيها.
وإنك ما تستخدمش حب الناس ليك عشان تجبرهم يتنازلوا عن كرامتهم.
ومن يومها، فضلت محتفظة بالمفتاح الأزرق في درج مكتبي، مش عشان أمنع ابني من الدخول، لكن عشان أفتكر إن الباب اللي لازم أحافظ عليه قبل باب البيت، هو باب كرامتي.
روايات_احمد_عمار حصري





