ابني اتجوز في السر عشان أنا مش من طبقة الأغنياء…روايات احمد عمار حصرى

والنهارده، لأول مرة، حسيت إن البيت اللي محتاج أراجعه مش شركة التأمين.
كان بيتي أنا.
اشتريت بيت البحر أنا وجوزي لما كان ابننا عنده 3 سنين.
وقتها البيت كان قديم ومتهالك، الحيطان مليانة رطوبة، والشبابيك مکسورة، والتراس بيتهز مع الهوا في أيام النوات.
ما كانش فيه حد شايف إن المكان يستاهل الفلوس اللي طلبها صاحبه، لكن جوزي كان عنده نظرة مختلفة.
وقف في الجنينة، وبص ناحية البحر، وقال لي
شايفة المكان ده؟ يوم ما نصلحه، هنقعد هنا وإحنا كبار، ونسمع صوت الموج بدل دوشة المدينة.
ضحكت وقلت له
هنصلحه بإيه؟ ده محتاج عمر تاني!
رد وهو بيبتسم
بإيدينا. واحدة واحدة.
وفعلًا، قضينا 6 مواسم كاملة بنصلحه.
هو كان يصلح العروق الخشبية ويغير الأجزاء التالفة، وأنا كنت أمسك الحسابات وأصنفر الأبواب وأجهز الأكل على وابور صغير لحد ما نخلص المطبخ.
ابني الصغير كان يجري حوالينا، يناول أبوه المسامير، ويقف يتفرج عليه وهو بيشتغل.
وفي يوم، لما خلصنا دهان الباب، اختار جوزي اللون الأزرق.
قال لي
اللون ده هيفضل فاكرنا بالبحر حتى وإحنا قافلين الباب.
ومن يومها بقى الباب الأزرق علامة البيت.
حتى مفتاحي كان معلّمه بنفس اللون، عشان أعرف أميّزه وسط باقي المفاتيح.
ولما ابني كبر، بقينا نقضي إجازاتنا هناك.
كان يجري على الشط، ويبني قلاع من الرمل، ويرجع البيت برجليه المليانة رمل، وأبوه يزعق له هزارًا، وبعدها يشيله ويغسله بنفسه.
كل سنة في عيد ميلاده كنت أقول له
في يوم من الأيام، البيت ده هيبقى بتاعك يا حبيبي.
كنت أقصد إني عايزاه يبقى عنده مستقبل آمن، ومكان يرجع له مهما الدنيا اتغيرت.
ماكنتش أقصد إني هتنازل عن حقي في البيت وأنا لسه عايشة، ولا إن قراري مش مهم بمجرد ما يقرر يتجوز.
بعد ۏفاة أبوه، البيت بقى أغلى عندي من أي وقت فات.
كنت بروح أقعد فيه لما أحتاج أهدى، وأفتكر الأيام اللي كنا فيها أسرة واحدة.
كنت بقعد في التراس، أشرب الشاي، وأتكلم مع جوزي في سري، وأحكيله عن ابنه اللي كبر وبقى راجل.
كنت فاكرة إني ربيته على الأصول، وإنه مهما اتغيرت حياته، عمره ما هينسى مين اللي وقفت جنبه لما ما كانش معاه حاجة.
لكن الظاهر إن الفلوس والمظاهر كانوا بيغيروا حاجات جواه وأنا مش واخدة بالي.
بعد المكالمة بساعتين، ركبت عربيتي وسقت ناحية بيت البحر.
كنت محتاجة أشوف بعيني هو عمل إيه، لأن إحساسي كان بيقول لي إن الموضوع أكبر من مجرد طلب مفتاح.
أول ما وصلت، لاحظت إن بوابة الجنينة مش مقفولة كويس.
فتحتها ودخلت.
لقيت أربع شنط سفر كبيرة لونها كحلي جنب السلم، وست كراتين متكومة ناحية الحيطة.
على الشنط والكراتين ملصقات جديدة، مكتوب عليها أسماء العريس والعروسة، وكأنهم نقلوا حاجتهم كلها للمكان.
دخلت البيت، فكانت الصدمة التانية مستنياني.
لقيت روب حريمي مش بتاعي متعلق ورا باب أوضتي.
أما الروب بتاعي، اللي جوزي كان جايبهولي هدية في عيد جوازنا الأخير، فلقيته متطبق ومحطوط في دولاب صغير في الطرقة.
مشيت ناحية الرف اللي بحط عليه صورة جوزي.
الصورة اختفت.
فضلت أدور عليها، لحد ما لقيتها مقلوبة على وشها جوه درج، وتحتها منيوهات مطاعم بتوصل أكل للبيت.
مسكت الصورة بإيدي، ومسحت التراب عنها بكم البلوزة.
فضلت أبص لوش جوزي، وقلت بصوت واطي
إنت لو كنت موجود، كنت هتقبل اللي بيحصل ده؟
طبعًا ما سمعتش رد.
لكن الذكريات رجعت لي كأنها حصلت امبارح.
افتكرت إزاي كان بيقف قدام ابنه ويعلمه إن احترام الكبير مش ضعف، وإن الفلوس عمرها ما تدي الإنسان حق إنه يهين حد.
رجعت الصورة مكانها، ووقفت في نص الصالة.
كان واضح إن ابني دخل البيت قبل كده، وبدأ يجهزه لنفسه ولزوجته.
غيّر ترتيب بعض الحاجات، ونقل حاجاتي من أماكنها، وترك شنط السفر والكراتين كأن البيت استلم بالفعل سكانه الجدد.
والأغرب إنه ما طلبش مني إذنًا قبل ما يعمل أي حاجة.
هو كان معاه مفتاح احتياطي للطوارئ، وأنا اللي اديتهوله بنفسي.
لكن المفتاح اللي اديتهوله عشان يدخل لو حصل لي ظرف، استخدمه عشان يجهز بيتًا لحياته الجديدة من غير ما يكلمني.
وقفت قدام باب الأوضة، وأخدت نفسًا طويلًا.
كان عندي اختيارين.
إما أعيط وأتصل بيه وأرجوه يفتكر إني أمه، أو أتصرف باعتباري صاحبة البيت، وأحط حدودًا واضحة.
اختارت إيدي الموبايل.
اتصلت بفني أقفال أعرفه من سنين، وطلبت منه ييجي يغير الكوالين.
لما وصل، طلب يشوف إثبات هويتي وأوراق الملكية قبل ما يبدأ.
راجع الأوراق، وبعدها بدأ شغله.
غيرت قفل الباب الرئيسي، وقفل الباب الجانبي، وراجعت كل المداخل اللي ممكن حد يدخل منها.
وأثناء ما هو بيشتغل، بدأت أشيل الشنط والكراتين من جوه البيت وأحطها في مكان آمن في الجراج.
صورت كل حاجة بالموبايل، كرتونة كرتونة وشنطة شنطة، عشان يبقى عندي دليل إن ممتلكاتهم موجودة وسليمة.
ما كنتش عايزة أؤذيهم، ولا أضيّع لهم حاجة.
كنت بس عايزة أوضح إن وجود حاجتهم في بيتي مش معناه إنهم بقوا أصحاب البيت.
بعد ما الفني خلص، دفعت له حسابه، ووقفت قدام الباب الأزرق.
المفتاح الجديد كان في إيدي.
لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إنني مش محتاجة أستأذن حد عشان أحافظ على حقي.
بعت لابني رسالة
يا ابني، حاجتك وحاجة مراتك موجودة وسليمة في الجراج، واتصورت بالكامل. البيت ملكي، ومفيش اتفاق بيني وبينك على إنك تسكن فيه. مش هسمح باستخدامه أو اعتباره ملكًا ليكم من غير موافقتي. لما ترجعوا، نتكلم بهدوء ونشوف هنعمل إيه بخصوص حاجتكم.
ضغطت إرسال.
وما كتبتش كلمة زيادة.





