ابني اتجوز في السر عشان أنا مش من طبقة الأغنياء…روايات احمد عمار حصرى

يمكن أنا اللي كنت ببرر له كل تصرف، لأن الاعتراف إنه بيقلل مني كان أصعب من إني أقول لنفسي إنه مش واخد باله.
تاني يوم الصبح، بدأت صور الفرح تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي.
فتحت الصور واحدة واحدة.
كان فيه قاعة فخمة، وترابيزة طويلة عليها ورد أبيض، وتورتة كبيرة، وضيوف لابسين أغلى الملابس.
لقيت زملاء ابني وأصحابه، وشركاء والد العروسة في الشغل، وناس كتير عمري ما شفتهم قبل كده.
فضلت أدور وسط الوجوه على مكان كان المفروض يبقى مكاني.
كنت بقول لنفسي إن الموضوع مش مجرد إني ما حضرتش الفرح.
المشكلة إن ابني اختار يخبّي عني أهم يوم في حياته، لأنه شايف إن وجودي ممكن يقلل من صورته قدام الناس.
وفجأة، وقعت عيني على تعليق تحت صورة للعريس والعروسة.
واحد من الحاضرين كاتب
ألف مبروك. زعلت جدًا إن والدة العريس مقدرتش تحضر بسبب مرضها، ربنا يشفيها.
مرضها؟!
أنا كنت بصحتي، ومفيش عندي أي مرض يمنعني من حضور مناسبة.
يعني هو ما اكتفاش إنه ما يعزمنيش، ده سمح للناس يصدقوا إني مريضة، بدل ما يعترف إنه اختار يتجوز من غير أمه عشان مش شايفني مناسبة لمستواه الاجتماعي.
فتحت التعليقات، ولقيت ناس بتدعي لي بالشفاء، وناس بتقول إن ابني ابن أصول لأنه أكيد كان نفسه أمه تكون موجودة، لكن الظروف منعته.
حسيت بۏجع في صدري.
مش لأنهم صدقوا الكذبة، لكن لأن ابني سمح لهم يبنوا صورة جميلة عنه على حساب كرامتي.
كان ممكن يقول الحقيقة.
كان ممكن يقول إنه أخطأ.
لكنه اختار إنه يخليني أنا الغايبة المړيضة، وهو الابن الحزين اللي نفسه أمه تكون معاه.
قفلت الصفحة، وقمت أعمل لنفسي شاي.
كنت محتاجة أهدى، لأن الڠضب ساعات بيخلي الإنسان يتصرف بطريقة يندم عليها.
وبينما أنا قاعدة، وصلتني صورة جديدة.
كانت صورة التورتة.
كبرتها بإصبعي، وفضلت أبص فيها وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
فوق التورتة كان فيه مجسم صغير معمول على شكل بيتي.
نفس شكل التراس، ونفس الباب الأزرق، ونفس تفاصيل البيت اللي أنا وجوزي بنيناه حتة حتة.
حتى الشجرة اللي جنب السور كانت موجودة في المجسم.
كانوا حاطين بيتي فوق تورتة فرحهم، كأنه هدية زواج اتقدمت لهم قدام الناس كلها.
تحت الصورة، كانت والدة العروسة كاتبة
أجمل هدية لأجمل عروسين. ربنا يبارك لكم في بيتكم الجديد، ويجمعكم فيه على الخير والسعادة.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
فضلت أبص للصورة وأنا بحاول أفهم إزاي وصلوا للدرجة دي.
هم ما كانوش بس متوقعين إني أوافق.
هم كانوا متأكدين إني هسكت.
كانوا شايفين إن البيت بقى ملكهم بمجرد ما ابني وعدهم بيه، وإن دوري الوحيد هو إني أوافق على اللي اتقرر من غيري.
وبعدين لاحظت حاجة تانية.
في زاوية الصورة، كان فيه صندوق صغير لونه أزرق، مربوط بشريط أبيض.
وتحته بطاقة مكتوب عليها
مفتاح البيت الجديد.
قعدت على الكرسي.
كنت فاكرة إنهم جهزوا الشنط عشان يقضوا شهر العسل في البيت.
لكن واضح إن الموضوع كان أكبر.
كانوا بيقدموا البيت للناس باعتباره ملكهم بالفعل.
والمصېبة إنهم كانوا عايزينني أشارك في الكذبة دي بالصمت.
بعد الظهر، سمعت خبط على بوابة الجنينة.
كانت جارتي العجوز، عندها 86 سنة، واقفة وفي إيدها دعوة مطبوعة.
دخلتها، وعملت لها شاي، وقعدنا في التراس.
كانت من الناس القليلة اللي عرفت جوزي من أول يوم اشترينا فيه البيت، وكانت بتفتكر كل التفاصيل الصغيرة اللي حصلت خلال السنين.
بصت لي بحزن وقالت
أنا مش عارفة أقول لك إيه يا بنتي. لما وصلني الظرف، افتكرت إنك عارفة كل حاجة.
سألتها
ظرف إيه؟
مدت لي الدعوة.
فتحتها، وبدأت أقرأ.
كان مكتوب فيها إن العريس والعروسة هيرجعوا من شهر العسل، وإن فيه تجمعًا عائليًا في بيت البحر لاستقبالهم والاحتفال ببداية حياتهم الجديدة.
لكن السطر الأخير كان أوضح من أي حاجة تانية
برنامج الاحتفال تسليم مفاتيح البيت الجديد للعروسين.
رفعت عيني وبصيت لجارتي.
مين اللي كتب الكلام ده؟
قالت
الدعوة جاية من أهل العروسة، وابنك كان اسمه مكتوب تحت اسمهم.
رجعت أبص للورقة.
كانوا داعيين 34 شخصًا ييجوا على بيتي، في الجنينة نفسها، عشان يشهدوا لحظة تسليم بيت أنا عمري ما وافقت إني أتنازل عنه.
ما كانوش عاملين حساب إن ممكن أرفض.
ولا حتى خطړ في بالهم إن ليّ رأيًا.
كنت بالنسبة لهم عقبة صغيرة في طريق حفلة كبيرة.
قالت جارتي بصوت واطي
أنا عارفة إنك زعلانة، بس لازم أقول لك حاجة. أنا سمعت والدة العروسة بتتكلم مع واحدة من الضيوف، وكانت بتقول إنك هتكوني موجودة يوم الاحتفال، وإنك هتسلمي المفتاح بنفسك.
سألتها
قالت كده إمتى؟
ردت
من كام يوم. كانت بتقول إنك هتوافقي لما تشوفي إن كل الناس مبسوطة، وإنك مش هتحبي تكسفي ابنك قدام ضيوفه.
حطيت الدعوة على الترابيزة.
فجأة فهمت الخطة كاملة.
هم ما كانوش مستنيين مني موافقة.
هم كانوا معتمدين على خۏفي من كلام الناس.
كانوا عارفين إني بحب ابني، وإن آخر حاجة ممكن أعملها هي إني أحرجه قدام مجموعة من الناس.
وعشان كده، قرروا يجهزوا كل حاجة، ويدعوا الضيوف، ويعلنوا إن البيت ملكه، وبعدها يحطوني قدام الأمر الواقع.
لو وافقت، كسبوا البيت.
ولو رفضت، أكون أنا الأم القاسېة اللي حرمت ابنها من هدية زواجه.
في الحالتين، كانوا متوقعين إني أنا اللي هدفع الثمن.
بصيت لجارتي وقلت
هما فاكرين إني هخاف من كلام الناس أكتر من خۏفي على حقي.
مسكت إيدي وقالت
وإنتِ هتعملي إيه؟
بصيت ناحية الباب الأزرق، وقلت
هعمل اللي كان لازم أعمله من أول مرة سمحت فيها لحد يتعامل معايا كأن رأيي مش مهم.
في نفس الليلة، اتصل ابني مرة تانية.
المرة دي ما بدأش بالصوت العالي.
قال بنبرة هادية مصطنعة
إزيك يا أمي؟





