طول خمس سنين

طول خمس سنين، جوزي كان بينضّف الحمام تلات مرات في اليوم، ومحدش أبدًا كان مسموح له يقرب من بالوعة الحمام.
لحد يوم ما صاحبتي، اللي شغالة طبيبة شرعية، خرجت من الحمام، ووشها متغير، ومسكت دراعي بصوابعها الساقعة وهمستلي
خدي بنتك، وكلمي الشرطة… حالًا.
ماجادلتهاش ولا سألتها تاني. شلت بنتي ومسكت الموبايل…
لأن الحاجة اللي صاحبتي لقتها تحت بالوعة حمام بيتنا كانت مدفونة هناك بقالها ست سنين كاملة.
الجزء الأول
نجلاء، شيلي مريم وماتخليش حد يدخل الحمام. وكلمي الشرطة… دلوقتي!
سمر كانت قابضة على إيدي جامد. صوابعها كانت ساقعة بشكل غريب.
سمر كانت طبيبة شرعية، وصاحبتي من أيام الجامعة. شفتها قبل كده بتتكلم عن شغلها عادي جدًا وهي بتاكل كشري، وشفتها تعدّي نبطشيات طويلة بالساعات، وتدخل أماكن أنا نفسي كنت بتقرف أبص فيها.
عمرها ما كانت بتخاف.
وعشان كده، لما شوفتها يومها واقفة قدامي وشها أبيض وإيديها بتترعش، حسيت إن فيه مصيبة أكبر بكتير من أي حاجة ممكن أتخيلها.
بصيت لها وأنا مش فاهمة
إنتِ لقيتي إيه؟
بصت ناحية الحمام.
بابه كان موارب، والحنفية بتنقط نقطة ورا نقطة.
وقالت بصوت واطي
الأول طلّعي البنت بره.
مريم، بنتي اللي عندها أربع سنين، كانت قاعدة في الصالة بتلعب بالمكعبات ومش حاسة بأي حاجة.
انحنيت وشلتها، ولسه هسأل سمر تاني، سمعنا مفتاح
بيتحط في كالون الباب.
قلبي اتقبض.
جوزي، حسام، كان قايل إنه هيتأخر في الشغل. كان شغال مدير وردية في سوبر ماركت كبير، والمفروض يرجع بعد الساعة سبعة.
لكن الساعة كانت لسه ستة وأربعين دقيقة.
الباب اتفتح.
دخل حسام وهو شايل كيس فيه يوسفي، وبمجرد ما شاف سمر ابتسم وقال
يا أهلاً! إيه ده؟ الدكتورة سمر بنفسها؟ لو أعرف إن عندنا ضيوف كنت جبت حلويات.
كان شكله طبيعي جدًا.
نفس الابتسامة.
نفس نبرة الصوت.
نفس الراجل اللي عشت معاه خمس سنين وأنا فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة.
لحد ما عينه عدّت علينا…
ووقفت للحظة عند باب الحمام.
لحظة واحدة بس.
وبعدين قال
هو ليه نور الحمام مفتوح؟
سمر اتحركت ووقفت قدام باب الحمام، مانعة عنه الطريق.
وقع مني حلق.
حسام بص لها.
ولقيتيه؟
أيوه.
طب الحمد لله.
خد خطوة ناحية الحمام.
سمر ما اتحركتش من مكانها.
في اللحظة دي، افتكرت حاجة عمرها ما كانت شاغلاني.
أنا طول الخمس سنين اللي فاتوا كنت بقول لكل الناس إني اتجوزت راجل مافيش منه.
كان بيطبخ.
وياخد مريم الحضانة ويرجعها.
ولما أبويا دخل المستشفى، وقف جنبه وخدمه أكتر من ناس كتير من قرايبنا.
وعمره ما كان بيتخانق معايا لو رجعت من الصيدلية مهدودة من الشغل.
لكن كان عنده عادة غريبة جدًا.
الحمام.
كان بينضفه تلات مرات كل يوم.
الصبح.
وبعد العشا.
وقبل ما ينام.
وساعات كنت
أصحى بالليل ألاقيه ماسك الممسحة وبيغسل الأرض.
كنت بهزر معاه وأقوله
إنت فاكر نفسك شغال في فندق خمس نجوم؟ ده الحمام هيتلمع أكتر من وشنا كده!
كان يضحك ويقول
سيبيني في هبلي بقى.
وأنا كنت بسيبه فعلًا.
كنت شايفة الموضوع مجرد وسواس نظافة.
لحد ما افتكرت حاجة تانية.
محدش كان بيدخل الحمام ده غيره.
ولا أنا.
ولا أمي.
ولا حتى الست اللي كانت بتيجي تساعدني في تنظيف البيت مرتين في الشهر.
مرة الست دي حاولت تشيل غطا البالوعة عشان تنظف تحته، حسام ظهر من المطبخ في ثواني، وكان متعصب بشكل مبالغ فيه.
قال لها بحدة
الغطا ده محدش يلمسه.
وبعدين لما سألته عن السبب، قال بكل بساطة
المواسير قديمة، ولو اتفتحت ممكن تطلع ريحة وحشة أو يحصل انسداد.
صدقته.
طبعًا صدقته.
أنا طول عمري كنت بصدقه.
سمر كانت لسه واقفة قدام باب الحمام، وفجأة مثلت إنها عندها شغل ضروري.
قبل ما تمشي، قربت مني وفتحت موبايلها قدامي بسرعة.
على الشاشة كانت كاتبة
لقيت جنب البالوعة جزء صغير شبه عظمة. بلغت الوحدة، وفي ناس جاية تفحص المكان. جهزي حاجتك إنتِ ومريم، وأول ما يوصلوا اخرجي.
قريت الرسالة مرتين.
رجعت بصيت لها.
ماعرفتش أقول أي كلمة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، خبط حد على الباب.
فتحت.
كان فيه اتنين ظباط ومعاهم خبير فني.
حسام ما اتوترش.
مازعقش.
ما سألش مين بلغ.
بالعكس…
فتح لهم
الباب وقال بمنتهى الهدوء
اتفضلوا، فتشوا براحتكم. أنا معنديش حاجة أخبيها.
ودخل معاهم ناحية الحمام.
وبعدين قال وهو بيشاور على الأرض
بس خدوا بالكم من البالوعة. المواسير هنا قديمة، ومن كام سنة حصل فيها انسداد، والوصلات بقت ضعيفة.
سمر رفعت عينيها له فجأة.
أنا كمان بصيت له.
لأول مرة، الجملة دي ما طمنتنيش.
خوفتني.
الظباط فضلوا يصوروا المكان ويفحصوا الحمام.
وأنا كنت واقفة في الصالة ومريم متعلقة في رقبتي، وكل ثانية كانت بتعدي وأنا حاسة إن حياتي كلها بتتفك قدامي حتة حتة.
بعد حوالي ساعة، خرجت من البيت وأنا شايلة مريم ورايحة عند أمي.
حسام وقف عند باب الشقة.
قبل ما أمشي، قرب من مريم وعدّل لها الجاكت بإيده، وبعدين رفع عينه وبصلي في ثبات.
وقال
نجلاء… إحنا بقالنا خمس سنين متجوزين. وإنتِ أكتر واحدة في الدنيا عارفة أنا بني آدم إزاي.
باب الأسانسير بدأ يقفل.
فضلت باصة له لآخر لحظة.
ولأول مرة في حياتي…
جالي إحساس مرعب
يمكن عشان أنا مراته، أكون أكتر واحدة ما تعرفش هو مين بجد.
بس اللي ماكنتش أعرفه ساعتها…
إن اللي هتطلعه البالوعة دي من تحت بيتنا، مش بس هيغيّر حياتي.
ده كان هيكشف سر مستخبي من ست سنين.
وساعتها…
هفهم إن الراجل اللي كنت فاكرة إني عشت معاه خمس سنين، كان مخبي عني حياة كاملة.
واللي اتلاقى تحت البالوعة… كان مجرد أول
الخيط.
الجزء الثاني
باب الأسانسير قفل بيني وبين حسام، لكن عيني فضلت متعلقة بوشه لآخر لحظة.
ماعرفتش ليه كلامه وجعني
يمكن لأنه كان بيحاول يطمني.
ويمكن لأن جزء جوايا كان بيقول إن الإنسان البريء مش محتاج يفكرك كل شوية إنه بريء.
وصلت عند أمي وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني.
مريم كانت نامت على كتفي، وأنا حطيتها على السرير وفضلت قاعدة جنبها.
أمي دخلت الأوضة وبصتلي.
مالك يا نجلاء؟ وشك مخطوف كده ليه؟
ماعرفتش أقول لها الحقيقة.
قلت بس
حصلت مشكلة في البيت.
قبل ما تسألني، موبايل سمر رن.
رديت بسرعة.
أيوه يا سمر؟
صمتت ثانيتين.
وبعدين قالت
نجلاء، لازم تهدي.
الجملة دي لوحدها خلت قلبي يقع.
قولي.
العظمة اللي لقيناها… مش عظمة حيوان.
سكت.
كنت مستنية باقي الجملة.
دي عظمة بشرية.
حسيت إن الدنيا اسودت قدامي.
إيه؟
لسه المعمل هيأكد، بس شكلها واضح جدًا. وفي حاجة تانية.
إيه؟
لقينا أكتر من جزء.
إيدي بدأت تترعش.
يعني إيه أكتر من جزء؟
يعني إحنا مش بنتكلم عن حادثة قديمة عادية يا نجلاء.
سكتت شوية وبعدين قالت
الشرطة هتطلب منك تيجي بكرة.
قفلت معاها.
وأنا قاعدة في أوضة أمي، افتكرت فجأة كل مرة حسام كان بيمنعني أقرب من البالوعة.
كل مرة كان بيصر ينضف الحمام بنفسه.
كل مرة كنت أضحك عليه وأقوله إنه موسوس.
كنت فاكرة إن وسواس النظافة هو أغرب حاجة فيه.
طلع العكس تمامًا.
تاني يوم الصبح، الشرطة طلبت مني أروح القسم.
دخلت وأنا متوقعة إنهم هيسألوني عن حسام.
لكن الظابط اللي قابلني كان عنده ملف سميك على المكتب.
قال
مدام نجلاء، محتاجين نسألك عن حاجة حصلت قبل جوازك بحوالي سنة.
استغربت.
قبل جوازي؟
فتح الملف.
وطلع صورة بنت.
بنت صغيرة، يمكن في أوائل العشرينات.
وبصراحة…
وشها كان مألوف.
فضلت أبص للصورة.
مين دي؟
الظابط قال
اسمها آية منصور.
حسيت بقشعريرة.
أنا معرفهاش.
متأكدة؟
أيوه.
قلب صفحة.
آية اختفت من ست سنين.
بلعت ريقي.
وإيه علاقتها بحسام؟
الظابط ما ردش.
حط قدامي صورة تانية.
كانت صورة قديمة لحسام.
لكن مش
حسام اللي أعرفه.
كان أصغر، وشعره مختلف، وواقف جنب آية.
حدفت عيني للصورة مرة تانية.
دي… دي مش ممكن.
قال بهدوء
الصورة دي اتاخدت قبل اختفائها بأسبوعين.
قمت من الكرسي.
حسام كان يعرفها؟
إحنا عايزين نعرف منك.
رجعت قعدت.
وبدأوا يسألوني.
كنت بحاول أفتكر أي حاجة.
وفجأة افتكرت.
قبل ما أتجوز حسام، كان فيه اسم قديم عمره ما كان بيحب يسمعه.
محمود.
كل ما أسأله عن صاحبه القديم ده كان يغير الموضوع.
مرة سألته
هو محمود ده فين؟
قال
سافر.
وبس.
قلت للظابط.
سكت.
وبعدين قال
محمود مش صاحبه.
أمال مين؟
قرب الملف مني.
اسمه الحقيقي مش محمود.
فتح ورقة.
اسمه كريم منصور.
اتسمرت مكاني.
منصور؟
أخو آية.
رجعت عند أمي وأنا مش عارفة أتنفس.
كل حاجة بدأت تتوصل ببعضها.
آية اختفت من ست سنين.
حسام كان يعرفها.
وأخوها اختفى بعدها بفترة.
وبعدها بسنة تقريبًا أنا اتجوزت حسام.
بس كان فيه سؤال واحد بيلف في دماغي
لو
حسام هو اللي قتلهم… ليه خبّى بقاياهم في بيته؟
كان ممكن يدفنهم في أي مكان.
ليه اختار الحمام؟
وليه فضل ينضفه تلات مرات كل يوم؟
الإجابة وصلتني بالليل.
رسالة من رقم غريب.
لو عايزة تعرفي جوزك مخبي إيه، افتحي درج التسريحة اللي على اليمين. الدرج التاني.
قلبي دق بعنف.
فضلت أبص للموبايل.
مين بعت الرسالة؟
وليه دلوقتي؟
أمي كانت في الصالة.
ومريم نايمة.
وأنا كنت خايفة أرجع البيت.
لكن في نفس الوقت…
كان لازم أعرف.
رجعت البيت مع الشرطة.
البيت كان متقفل وممنوع حد يدخله، لكن الظابط سمح لي أدخل آخد حاجات مريم.
طلعت أوضة النوم.
وقفت قدام التسريحة.
الدرج الأول مافيش فيه حاجة.
فتحت التاني.
لقيت صندوق خشب صغير.
فتحته.
جواه صور.
صور آية.
صور كريم.
وصور تانية لناس معرفهمش.
وفي الآخر…
لقيت صورة ليا.
أنا شخصيًا.
الصورة كانت متاخدة من بعيد وأنا داخلة الصيدلية اللي كنت بشتغل فيها قبل الجواز.
إيدي بردت.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
هي لازم تعرف الحقيقة قبل ما تكون هي الضحية اللي بعدها.
وقعت الصورة من إيدي.
في اللحظة دي سمعت صوت من ورايا.
ماكانش المفروض تفتحي الصندوق ده.
اتجمدت.
لفيت.
حسام.
واقف عند باب الأوضة.
وشه ماكانش فيه أي تعبير.
إنت دخلت إزاي؟
ما ردش.
قرب خطوة.
أنا رجعت لورا.
آية كانت مين؟
سكت.
وكريم؟
فضل ساكت.
صرخت
رد عليا!
قال بهدوء غريب
لو قلتلك الحقيقة، مش هتصدقيها.
جرب.
بص للصورة اللي في إيدي.
أنا ماقتلتش آية.
سكت.
ولا كريم.
ضحكت من شدة الخوف.
طب العضم اللي تحت البالوعة جه منين؟
حسام قرب أكتر.
لأن الشخص اللي قتلهم كان عايزني أنا اللي أتحاسب.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربيات شرطة تحت العمارة.
حسام بص ناحية الشباك.
وبعدين قال
اسمعيني يا نجلاء. لو خرجت دلوقتي معاهم، ممكن مريم تتأذي.
اتجمدت.
إنت بتهددني؟
لأ.
قرب مني وهمس
أنا بحذرك.
الشرطة دخلت الشقة.
لكن حسام كان اختفى.
اتفتش البيت كله.
مافيش أثر.
بعدها بساعات، جالي اتصال من سمر.
نجلاء، محتاجة تشوفيني فورًا.
روحت لها.
حطت قدامي نتيجة التحليل.
العظام اللي لقيناها تخص شخصين.
آية وكريم؟
هزت راسها.
لأ.
سكت.
مش هما.
بصيت لها بعدم تصديق.
أمال مين؟
قالت
واحدة ست ورجل.
اتسعت عيني.
يعني آية وكريم لسه ممكن يكونوا عايشين؟
ممكن.
وقبل ما أتكلم، سمر حطت ورقة تانية قدامي.
وفي حاجة أخطر.
بصيت لها.
إيه؟
العظام دي أقدم من اختفاء آية.
يعني البقايا كانت مدفونة تحت بيتنا قبل ما حسام يعرف آية أصلًا.
في الليلة دي، لأول مرة بدأت أشك إن حسام ممكن يكون فعلًا مش القاتل.
لكن ده ماخلانيش أرتاح.
بالعكس.
خلاني أخاف أكتر.
لأن لو حسام مش القاتل…
يبقى مين؟
تاني يوم، الشرطة جابت تسجيلات كاميرات الشارع.
وفي تسجيل حصلت منه المفاجأة.
قبل ما حسام يرجع البيت بيومين، عربية وقفت تحت العمارة الساعة تلاتة الفجر.
نزل
منها رجل.
دخل العمارة.
وبعد عشرين دقيقة خرج.
وشه مش واضح.
لكن العربية كانت مسجلة باسم…
عمي.
أخو أبويا.
أبو مريم.
الراجل اللي كنت طول عمري بعتبره أحن واحد عليا بعد أبويا.
الراجل اللي أول ما سمع بالمشكلة كان أول واحد
ماتخافيش يا بنتي، أنا جنبك.
ماصدقتش.
روحت له بنفسي.
وأول ما شافني، وشه اتغير.
قلت
العربية بتاعتك كانت تحت بيتي.
سكت.
إنت كنت بتعمل إيه هناك؟
ما ردش.
رد عليا!
قعد على الكرسي.
وحط إيده على وشه.
وقال
حسام كان عارف.
عارف إيه؟
رفع عينه.
إن أبوكي ما ماتش موتة طبيعية.
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
إيه؟
قال
أبوكي قبل ما يموت كان بيحقق في شبكة كبيرة لسرقة أدوية من مخازن المستشفيات. وكان فيه ناس كبار متورطين.
وإيه علاقة حسام؟
حسام كان واحد من الناس اللي أبوكي استعان بيهم عشان يجمع أدلة.
سكت.
وآية؟
قال
آية كانت شاهدة.
وكريم؟
كريم كان بيحاول يهربها.
طب مين قتل الناس اللي تحت البالوعة؟
عمي بصلي في عيني.
أنا.
رجعت خطوة.
إنت؟
هز راسه.
بس ماقتلتهمش.
صوته اتكسر.
لقيت الجثث هناك قبل حسام بسنين. كنت فاكر إن اللي عمل كده هيقتلني لو اتكلمت. فساعدت حسام يخبيهم مؤقتًا لحد ما يقدر يجيب الدليل.
مؤقتًا؟
وبعدين حصلت كارثة.
سكت.
حسام اتجوزك.
بصيت له.
وإنتوا خبيتوا عني كل ده؟
قال
لأن اللي ورا الموضوع كان بيراقبك.
رجعت البيت وأنا حاسة إن مخي مش قادر يستوعب.
بس كان فيه حاجة واحدة لسه مش راكبة.
لو حسام كان بيحاول يحميني…
ليه كان بينضف البالوعة تلات مرات كل يوم؟
الإجابة لقيتها في تسجيل صوتي قديم.
الشرطة كانت لقت جهاز تسجيل مخبي جوه ماسورة قديمة.
صوت حسام كان واضح
كل يوم أنضف المكان عشان محدش يشك. البقايا دي لازم تفضل هنا لحد ما نعرف مين اللي حطها.
وصوت رجل تاني رد
ولو مراتك اكتشفت؟
حسام قال
هقول لها الحقيقة.
وإمتى؟
سكت حسام.
وبعدين قال
يوم ما أبقى متأكد إنها مش هتكون الهدف اللي بعدهم.
وقفت التسجيل.
فضلت أبكي.
لأول مرة من يوم ما بدأت الكارثة، فهمت ليه حسام كان مرعوب من إن حد يلمس البالوعة.
ماكانش بيخبي جري.مة.
كان بيخبي دليل جري.مة.
لكن لسه فيه سؤال واحد
مين اللي قتل الرجل والست اللي تحت البيت؟
بعد يومين، الشرطة قبضت على رجل كان شغال زمان في الشركة اللي بتورد الأدوية للمستشفيات.
اسمه عادل.
وفي التحقيق انهار واعترف.
العظام كانت لرجل وامرأة كانوا بيشتغلوا معاه.
قتلهم عشان كانوا ناويين يفضحوا الشبكة.
أما آية وكريم…
كانوا هربوا قبل القبض على باقي أفراد العصابة.
وبعد سنين من البحث، اتعرف مكانهم.
كانوا عايشين في محافظة تانية بأسماء جديدة.
آية كانت هي اللي بعتتلي الرسالة.
هي اللي
كانت عارفة كل حاجة.
وهي اللي رجعت عشان تخرج الحقيقة للنور.
لكن كان فيه آخر سر.
حسام.
لما الشرطة راحت تقبض عليه، ما هربش.
استناهم.
وقال جملة واحدة
دلوقتي أقدر أقول لمراتي كل حاجة.
بعد شهور من التحقيقات، اتكشفت الشبكة كلها.
ناس اتقبض عليها.
ناس اتحاكمت.
واسم أبويا اترد له اعتباره بعد ما اتثبت إنه كان بيحاول يكشف الجري.مة مش جزء منها.
أما حسام…
فطلع براءته من قتل آية وكريم، لكن اتحاسب على إخفاء الأدلة وعدم إبلاغ الشرطة من البداية.
ولما خلصت الق.ضية، جه يقابلني.
كان واقف قدام باب بيت أمي.
ما دخلش.
قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
فضلت ساكتة.
ولا جاي أبررلك إني كذبت عليكي.
بص للأرض.
أنا عارف إن اللي عملته وجعك.
قلت
ليه ماقولتليش؟
رفع عينه.
عشان كنت فاكر إني بحميكي.
ضحكت بحزن.
وإنت كنت شايف إن الكدب حماية؟
ما ردش.
قربت منه.
وقلت
أنت ماكنتش بتحميني يا حسام.
سكت.
أنت كنت بتحرمني من حقي أعرف أنا عايشة فين ومع مين.
عينيه دمعت.
عندك حق.
وبعدها مشي.
من غير ما يطلب فرصة.
ومن غير ما يحاول يقنعني.
وده كان أول موقف منه صدقته فيه فعلًا.
عدت الشقة بعد شهور.
الحمام كان متجدد بالكامل.
البلاط اتغير.
المواسير
اتغيرت.
والبالوعة القديمة اترمت.
وقفت قدامها فترة طويلة.
مريم كانت بتجري في الصالة وتضحك.
سمر كانت واقفة جنبي.
قالت
خلاص يا نجلاء.
بصيت
لها.
خلاص إيه؟
اللي كان مستخبي اتكشف.
بصيت لمريم.
وبعدين للحمام.
وقلت
أيوه.
وأنا بقفل باب الحمام، فهمت حاجة عمري ما كنت هفهمها لو اللي حصل ده ماحصلش.
أحيانًا أخطر الأسرار مش بتكون ورا أبواب مقفولة.
بتكون في أكتر مكان إحنا متعودين نبص عليه كل يوم…
ومابنشوفوش.
بعدها بسنة، كنت قاعدة مع مريم في البلكونة.
جالها جواب.
فتحته.
كان من آية.
كانت عايشة في مدينة بعيدة، وبتبدأ حياتها من جديد.
وفي آخر الرسالة كتبت
لو ماكنش حسام خاف عليكي، ولو ماكنش احتفظ بالدليل، يمكن ماكنتش الحقيقة ظهرت أبدًا.
قريت الجملة أكتر من مرة.
وبصيت لمريم.
وقتها عرفت إن حياتي مع حسام انتهت.
لكن ده مش معناه إن كل اللي عاشناه كان كذبة.
كان فيه خوف.
وكان فيه كذب.
وكان فيه أسرار.
لكن كان فيه كمان رجل قضى خمس سنين بينضف بالوعة كل يوم…
مش لأنه كان بيخبي ج.ثة.
لكن لأنه كان بيحرس آخر دليل يقدر يثبت الحقيقة.
وأنا؟
أنا فضلت فاكرة طول السنين إن أسوأ حاجة ممكن ألاقيها تحت بالوعة بيتنا هي فأر أو
انسداد.
ماكانش في بالي أبدًا…
إن يوم واحد هيخليني أكتشف الحقيقة اللي كانت مدفونة تحت رجلي من ست سنين.
والحمد لله…
إنها طلعت للنور قبل ما تدفن حد تاني معاها.




