بعد طلاقى روايات احمد عمار حصرى

دخلت حفلة طليقي بالظرف اللي أنهى غرور العيلة كلها واللي حصل بعدها محدش كان يتخيله!
الساعة كانت ستة ونص المغرب، وأنا قاعدة في أوضة فندق هادية، قدامي ظرف أبيض، وموبايل بيرن كل شوية من غير ما أرد.
بره الشباك، القاهرة كانت بتستعد لليلة عادية، عربيات بتجري في الشوارع، ناس راجعة من شغلها، ومحلات بتنور واجهاتها، لكن بالنسبة لي، الليلة دي ماكانتش عادية أبدًا.
دي كانت الليلة اللي استنيتها سنتين كاملين.
سنتين من السكوت، والمراقبة، وجمع المستندات، وتسجيل كل تحويل بنكي مشپوه، وكل ورقة اتوقعت باسمي من غير علمي، وكل محاولة من حماتي إنها تحولني من زوجة ليها حقوق لشخص مالوش أي قيمة في العيلة.
حطيت إيدي على الظرف، وافتكرت آخر مرة وقفت فيها في الفيلا.
كنت وقتها شايلة شنط هدومي، وبحاول أستوعب إن الراجل اللي عشت معاه سبع سنين، واللي كنت فاكرة إني هكبر معاه، واقف ساكت وهو بيتفرج على أمه وهي بترميني بره البيت.
لكن النهارده، أنا مش الست اللي خرجت من الفيلا مکسورة.
أنا كنت راجعة بمستندات، ومحامي، وحقيقة محدش فيهم كان مستعد يسمعها.
رن الموبايل تاني.
المرة دي كان المحامي بتاعي، الأستاذ محمود الشافعي.
رديت.
قال من غير مقدمات
إنتِ جاهزة؟
بصيت للساعة وقلت
جاهزة من سنتين يا أستاذ محمود.
سكت لحظة، وبعدين قال
عايزك تفتكري حاجة مهمة. إحنا مش رايحين نعمل ڤضيحة، ولا ننتقم لمجرد الاڼتقام. كل اللي هنعمله إننا هنكشف الحقيقة، وهنسيب القانون ياخد مجراه.
قلتله
أنا مش رايحة أفضح حد. أنا رايحة أرجع حقي.
رد بثقة
وده بالضبط اللي هيحصل. بس في مفاجأة أخيرة لازم تعرفيها قبل ما تتحركي.
قلبي دق بسرعة.
سألته
مفاجأة إيه؟
قال
راجعنا آخر المستندات اللي وصلت النهارده. فيه تحويل مالي كبير اتعمل من حساب الشركة قبل الطلاق بيومين، والتحويل ده مرتبط مباشرة بتجهيزات الحفلة اللي حماتك عاملاها.
اعتدلت في قعدتي.
يعني إيه؟
يعني إن الحفلة اللي تكلفتها المعلنة تمنميت ألف دولار، مش كلها مدفوعة من فلوسهم الخاصة زي ما بيقولوا. فيه جزء كبير من الفلوس دي خرج من حساب شركة ليكي فيها حقوق مالية موثقة، والتحويل اتعمل من غير الموافقات المطلوبة.
فضلت ساكتة وأنا بحاول أستوعب.
كنت أعرف إنهم بيتصرفوا في أموال الشركة بشكل مريب، لكن ماكنتش متخيلة إنهم هيستخدموا جزء منها في حفلة للاحتفال بطردي من حياتهم!
سألته
إحنا متأكدين من الكلام ده؟
رد
المستندات موجودة، والتحويلات متتبعة، وكل حاجة هتتقدم للجهات المختصة. بس مهم جدًا ماتتهميش حد بحاجة قبل ما التحقيق يخلص.
قلتله
أنا مش هتكلم غير باللي معايا.
قال
تمام. هقابلك قدام الفيلا الساعة تمانية. وخلي الظرف معاكي.
قفلت المكالمة، وفتحت الظرف للمرة الأخيرة.
كان جواه نسخة من عقد ملكية الفيلا، ومستندات تأسيس شركة عائلية، وكشوف حسابات، وإقرارات موقعة، وخطاب قانوني بيحدد حقوقي المالية، بالإضافة إلى إخطار رسمي متعلق باستخدام العقار.
لكن أهم ورقة كانت في آخر الظرف.
ورقة صغيرة، عليها توقيع والد طليقي قبل ۏفاته.
الورقة اللي حماتي حاولت بكل الطرق تخليها تختفي.
الورقة اللي بسببها، الفيلا اللي عاشت فيها العيلة سنين طويلة، ماكانتش ملك حماتي وحدها، ولا ملك ابنها زي ما كانوا بيقولوا للناس.
كان ليا فيها حق قانوني موثق، وحق تاني مرتبط بشروط واضحة في عقد الشركة والعقار.
والليلة دي، كنت هحط الحقيقة قدامهم كلهم.
قبل الساعة تمانية، الفيلا كانت منورة كأنها قصر ملكي.
الحديقة اتغطت بالزهور البيضاء، وعلى المدخل صف طويل من العربيات الفخمة. عمال التنظيم بيتحركوا بسرعة، والكاميرات بتصور كل تفصيلة، والموسيقى طالعة من جوه القاعة الكبيرة.
على البوابة، كانت فيه لوحة ضخمة مكتوب عليها
بداية جديدة لعيلة أقوى.
وتحتها اسم طليقي، كريم، واسم زوجته الجديدة، نادين.
نادين!
الست اللي كانت حماتي بتقول إنها مجرد مستشارة تسويق.
الست اللي كانت بتظهر في اجتماعات الشركة بحجة الشغل، وتقعد جنب كريم لساعات، بينما أنا كنت في البيت بحاول أتعافى من آخر تجربة إجهاض.
النهارده، كانت واقفة في قلب الحفلة بفستان أبيض مائل للفضي، إيدها على بطنها، وابتسامتها واسعة قدام الكاميرات.
أما كريم، فكان لابس بدلة سودا، وساعة تمنها ممكن تساوي مرتب موظف لسنين.
واقف جنبها، بيستقبل التهاني، وبيضحك، وكأنه أخيرًا وصل للحياة اللي كان بيحلم بيها.
حماتي، سعاد هانم، كانت في قمة سعادتها.
بتتنقل بين الضيوف، تعرفهم على نادين باعتبارها الزوجة اللي هتكمل اسم العيلة، وتحكي عن فرحتها بالحفيد اللي جاي.
وفي كل مرة حد يسألها عني، كانت ترفع حاجبها وتقول
الموضوع انتهى من غير مشاكل. كل واحد راح لحاله، وربنا يوفق الجميع.
لكن الحقيقة إن الموضوع ماكانش انتهى.
هو بس كان لسه ماوصلش للحظة اللي هتظهر فيها الحقيقة.
في الساعة تمانية إلا خمس دقايق، وصلت بعربيتي قدام الفيلا.
كنت لابسة فستان أسود بسيط، وشعري مرفوع، وفي إيدي شنطة صغيرة، جواها الظرف والمستندات الأصلية.
ماكانش هدفي أبهر حد بلبسي.
كنت عايزة كل اللي موجودين يشوفوا الفرق بين واحدة داخلة تستعرض ثروتها، وواحدة داخلة وهي عارفة إن معاها الحقيقة.
الأمن وقفني عند البوابة.
واحد منهم قرب وقال بأدب
حضرتك معاكي دعوة؟
بصيتله وقلت
لا، بس أنا صاحبة حق في المكان ده، وجاية أقابل الأستاذ كريم وسعاد هانم.
بص على اسمي في بطاقتي، واتردد.
ممكن أستأذن حضرتك تستني هنا؟
قلت
طبعًا. بس من فضلك بلغهم إن صاحبة المستندات الأصلية وصلت.
اتغيرت ملامحه شوية.
دخل يكلم حد من المنظمين، وبعد أقل من دقيقة رجع.
اتفضلي يا فندم.
عديت البوابة، ومشيت في الممر الطويل اللي كنت بمشي فيه كل يوم تقريبًا لمدة سبع سنين.
كل شجرة كانت بتفكرني بحاجة.
هنا كنت بقف أستنى كريم لما يرجع من الشغل.
وهنا كنت بلعب مع أولاد أختي في الأعياد.
وهنا، جنب النافورة، قعدت ليلة كاملة أبكي بعد ما الدكتور قال لي إن الحمل ماكملش.
وفي كل مرة كنت بفتكر فيها اللحظات دي، كنت بسأل نفسي إزاي مكان كان المفروض يبقى بيتي، اتحول لمكان بحس فيه إني غريبة؟
لكن وأنا داخلة النهارده، ماحسيتش بالغربة.
حسيت إني راجعة أواجه الحقيقة.
وصلت لباب القاعة.
كان مفتوح، والموسيقى شغالة، والناس بتضحك، والكاميرات بتصور.
دخلت بهدوء.
في البداية، محدش خد باله.
كنت ماشية ناحية الترابيزة الرئيسية، والظرف في إيدي، لحد ما واحدة من قريبات كريم شافتني.
ابتسامتها اختفت.
همست للي جنبها.
التانية بصتلي، وبعدها الراجل اللي واقف معاها.
وفي ثواني، الخبر انتشر وسط القاعة.
دي مرات كريم السابقة!
هي إزاي دخلت؟
مش دي اللي اتطلقت الصبح؟
سعاد هانم كانت واقفة جنب المسرح، ولما شافتني، اتجمدت مكانها.
الابتسامة اللي كانت مرسومة على وشها اختفت تدريجيًا.
أما كريم، فكان بيتكلم مع واحد من شركاء الشركة، ولما لف وشافني، الكوباية اللي في إيده اتهزت، ونقط منها شوية على بدلته.
نادين لاحظت تغير وشه.
سألته
في إيه يا كريم؟





