في البيت الأبيض ١ – محمد نور

على مكتب الاستقبال في البيت الأبيض، قالي جوزي إني أفضل ساكتة عشان الليلة دي مهمة قوي. طلعت الظرف بتاعي ومديته للموظفة. بصت عليه وخدت بعضها في سكون، وقربت من جهاز اللاسلكي وهمست وصلت. فرقة لواء أربع نجوم ساب مكانه وسط الكلام وجا عشان يسلم عليّا، وقال إن سيادت الرئيس طلب يبلغوه أول ما أوصل. تلات سنين وجوزي بيناديني ب ملكة الإكسيل والورق. وقفت قدامه وشوفت كل قطرة ډم بتطير من وشه.
الجزء الأول ظرفين
الممر الرخامي كان هادئ لدرجة إني كنت سامعة صوت جهاز المسح الضوئي في إيد الموظفة.
كان جوزي واقف جنبي بلبس الجيش الرسمي، والنياشين محطوطة على صدره بانتظام كأنهم متسطرين لصورة فوتوغرافية. قبلها بعشر دقائق، واحنا في العربية، عدل ياقته قدام المراية وحذرني أحافظ على لساني وماقعدش أهري في كلام فارغ.
فيه لواءات وجנيرالات هنا يا فريدة.
عارفة.
ووزراء.
عارفة.
واحنا طالعين على نقطة تفتيش الجناح الشرقي، قرب من ودني وقال اضحكي بس لما يطلبوا منك ضحكة.
دي الكلمة اللي وقفت في ضلوعي. مش الأمر.. ولا صوته الواطي.. وإنما افتراضه إني جاية معاه كديكور وخلاص.
جوزي هو العقيد أسامة

المنشاوي. وأنا العقيدة فريدة عبد التواب. نفس الرتبة. نفس الجيش. وكل واحد فينا قضى أربع وعشرين سنة خدمة. بس طول التلات سنين اللي اتجوزنا فيها، أسامة كان بيتعامل مع شغلي في اللوجستيات العسكرية كأنه مشوار عبيط على مكاتب إدارية.
في حفلات الشواء، كان بيناديني ملكة جداول البيانات. وفي بيت مامته، كان بيقعد يتريق ويقول إن الجيش أخيرًا وثق فيا وخلاني أمسك الدباسة الكبيرة. ومامته كانت تضحك وتطبطب على دراعه وتقول إنها فرحانة إن فيه واحد فينا على الأقل شغله معروف والناس تفهمه.
كنت بسكت وأخليهم يضحكوا. مكنش ينفع أقولهم شغلي الحقيقي كان إيه. أنا مضية ورق بيمنعني أصلاً. كنت قاعدة في غرف ممنوع يدخلها تليفون، بنخطط لطرق الإخلاء، وننقل الأدوية والوقود والطيارات والناس عبر أماكن معظم المعازيم اللي هنا الليلة دي مايقدرش يطلعوها على الخريطة.
عشان كده فضلت ساكتة. وأسامة قرر إن سكوتي معناه إني مليش أي حاجة تتقال.
لحد ما الدعوات وصلت. دعوته جت الأول. ورق كريمي سميك، واسمه مطبوع بخط عريض. رفعها في المطبخ كأنه واخد وسام، وكلم مامته قبل ما لزقة الظرف تلحق تنشف. يا ماما، إحنا

عازمينا في البيت الأبيض!.. بس الحقيقة مكنش إحنا، كان هو لوحده.
دعوتي أنا جت بعدها بيومين، في ظرف حكومي عادي جداً. تعليمات مختلفة. ووقت وصول مختلف. وسطّر واحد من مكتب البروتوكول في البيت الأبيض خلى إيدي تثبت مطرحها فوق رخامة المطبخ.
حطيت الظرف في درج مكتبي ومنطقتش بحرف واحد.
ليلة التكريم، أسامة دوبك بص عليّا بصة خفيفة لحد ما وصلنا عند الأمن. طلع دعوته بفذلكة وبشوية مظهرة. الموظفة مسحت الكود وابتسمت.
أهلاً بيك يا عقيد أسامة.
هز راسه وهو راضي، كأن المبنى كله جه أكدله كل الأوهام اللي في دماغه عن نفسه.
بعدين لفت ناحيتي. حطيت إيدي في شنطتي وطلعت الظرف بتاعي.
ابتسامة أسامة اتحشرت في بوقه. إيه ده؟
مردتش. اكتفيت إني أبص على جهاز المسح وهو بيعدي فوق الكود المربع الصغير. بيب. الموظفة بصت على الشاشة. وبعدين مسحتها تاني بس ببطء أكتر. ملامح وشها اتغيرت. وطريقة وقفتها اتغيرت. مدت إيديها على جهاز اللاسلكي اللي متثبت في الجاكيت بتاعها.
البروتوكول، نقطة التفتيش رقم واحد، قالت بصوت واطي. هي وصلت.
في الناحية التانية من الممر، لواء بأربع نجوم بطل كلام وسط الجملة. اعتذر

لثنين من اللواءات التانيين ومشي دغري نحيتنا.
أسامة اتحرك جنب بقلق. فريدة، قالها بصوت خاڤت. فيه إيه؟
اللواء وقف قدامي ومد إيده.
العقيدة فريدة عبد التواب. الشرف لينا إننا نقابلك أخيرًا وجهاً لوجه.
كتف أسامة اتخشبوا وبقوا زي الحجر.
سلمت على اللواء. الشرف ليا يا فندم.
سيادة الرئيس طلب مننا نبلغه باللحظة اللي توصلي فيها.
أسامة خد نفس قوي وحاد لدرجة إن الموظفة بصت عليه باستغراب.
جه ظابط بروتوكول وماسك في إيده ملف أسود ضاغط عليه بصدره. ابتسمتلي بحرارة، وبعدين لفت ل جوزي بنفس الأدذ والحذر اللي الناس بتستخدمه لما يجوا يقفلوا باب في وش حد بهدوء.
يا فندم، مكان مقعدك المخصص من الناحية دي.
أسامة خطى خطوة لقدام. مراتي معايا.
العقيدة فريدة ليها مقاعد مخصصة لوحدها يا فندم.
الجملة دي لوحدها عملت اللي تلات سنين من الخناقات معرفوش يعملوه. حطت الحقيقة وسط الأوضة من غير ما حد يعلي صوته.
مشيت ورا اللواء ناحية القاعة الشرقية. عند الباب، الټفت ورايا مرة واحدة. أسامة كان لسه واقف عند نقطة التفتيش، وإيده مرفوعة نص رفعة، كأنه رافض يفهم عشان يمكن ده يمنع اللي بيحصل إنه يحصل بجد.
صفوف من الكراسي الدهبي

كانت مصفوفة جوه القاعة. القادة الكبار وقفوا لما عديت من جنبهم. لواء جوي ابتسم لي كأنه سامع اسمي بقاله شهور.
يعني إنتي موجودة بجد مش أسطورة، قالها بصوت هادئ.
في الأوقات الكويسة بس يا فندم.
ضحك، وشاور لي على الصف الأول.
الرئيس دخل. الكل وقف. السقف اتهز بالتصفيق تحت النجف الفخم. فضلت مكتفة إيدي في حضڼي.
الرئيس بدا كلامه. عن الشغل الهادئ اللي من غير صوت. عن الناس اللي بتخطط لأسوأ يوم في حياة أي بني آدم تاني، عشان اليوم ده ينتهي برجوعهم لبيوتهم بالسلامة. عن الأبطال اللي أسماهم ما بتتصدرش المانشيتات.
أسامة كان قاعد في الصف التامن ورايا. ولأول مرة من تلات سنين، كان قاعد ومركز وبيسمع بجد.
بعدين الرئيس لف ووشه ناحية الصف الأول. بصلي مباشرة. وسكت ثانية واحدة.. قبل ما ينطق اسمي.
الجزء الثاني الاسم على الدرع
الرئيس بصلي مباشرة.
ولثانية واحدة كده، الوقت اتجمد، والقاعة كلها اتلخصت في المسافة اللي بيني وبينه. النجف بقى مدغوش في العينين، وصوت التصفيق هدي وسط حشرجة البدلات العسكرية والفساتين.
بعدين ابتسم.
العقيدة فريدة عبد التواب، قالها بصوت واضح، قضت الست سنين

اللي فاتوا بتحل مشاكل معظم الناس ما يعرفوش أصلاً إنها موجودة.
همهمة هادية مشيت في الجناح الشرقي كله.
ورايا، أسامة اتحرك في كرسيه بقلة صبر.
الرئيس كمل لما مستشفى في منطقة ڼزاع تكون محتاجة إمدادات، لما طريق إخلاء يتغير في لحظة بالليل، لما طيارات لازم يتغير اتجاهها من غير ما نضيع دقيقة واحدة.. العقيدة فريدة بتكون واحدة من الناس اللي بيخلي المستحيل ده يبان كأنه روتين يومي عادي.
حافظت على ثبات وشي، بس إيدي اتشدت جامد في حضڼي.
كان عارف الشغل بجد.
مش النسخة الملمعة المكتوبة في خطاب التكريم. ولا الكلمتين العايمين اللي الناس بتقولهم لما يسألوني بتشتغلي إيه وأرد أقول لوجستيات. كان عارف يعني إيه تصحي الساعة اتنين بالليل عشان كوبري اتقفل على بعد تلات دول. كان عارف أسامي المستشفيات اللي المولدات بتاعتها ينفعش تقف لحظة. كان عارف إن طيارة البضائع ممكن تشيل أدوية أو بطاطين أو مية، بس مش دايماً تقدر تشيل التلاتة مع بعض.. وإن فيه حد لازم ياخد القرار الصعب ده.
الرئيس بص للورقة اللي في إيده.
الليلة دي، إحنا بنكرم الفريق اللي ورا عملية جسر الفانوس، العملية اللي نقلت

أكتر من تمان آلاف شخص وإمدادات طبية حرجة عبر أربع دول في خلال اتنين وسبعين ساعة.
القاعة بقت أهدا وأهدا.
العملية دي عمرها ما اتعرفت ولا أتقال عنها كلمة للعلن. كنا بنسميها مناورة طوارئ، أو تدريبات روتبنية، أو تعديلات نقل ملهاش دعوة ببعضها. الناس اللي استفادوا منها كانوا محتاجين الكتمان أكتر ما هما محتاجين التصفيق.
أسامة كان عارف إني برة البيت معظم الاتنين وسبعين ساعة دول. وكان بيشتكي إني مستحيل أترد عليّا في التليفون.
دلوقتي قاعد ورايا، بيسمع اسم العملية لأول مرة في حياته.
الرئيس رجع بصلي تاني.
العقيدة فريدة هي اللي صممت النظام اللي سمح لكل قطاع في الخدمة إنه يتواصل ويتكيف ويتحرك بدقة عالية. مأسألتش مين بكرة هياخد اللقطة أو الشرف، كان سؤالها الوحيد إيه اللي هينقذ أكبر عدد من الأرواح؟
التصفيق بدأ قبل ما يخلص جملته.
ما كانش تصفيق عالي في الأول. بدأ بالراحه من الصف الأول، وبعدين انتشر في القاعة كلها لحد ما جدران المكان بقت كأنها بتتأثر وبتتنفس معاه.
وقفت لأن كل اللي حوليّ وقفوا.
لللحظة، مكنتش شايفه أسامة. مكنتش شايفه غير اللواء اللي سلم عليّا على الباب، والجنرال اللي قال لي إنتي موجودة بجد، وموظفة

البروتوكول اللي كانت بتبتسم براحة واضحة.
بعدين الرئيس نزل من على المنصة.
مساعد من البيت الأبيض قرب وهو شايل صندوق خشب صغير. الرئيس فتحه وطلع منه ميدالية دهب صغيرة متعلقة في شريط أزرق غامق.
دي وسام الاستحقاق الرئاسي للخدمة المتميزة، قالها الرئيس. والليلة دي يا عقيدة فريدة، ليا الشرف إني أقدمهولك بنفسي.
زوري اتقفل.
كنت متوقعة تكريم، الظرف كان مالي إيدي بكده. بس مكنتش متوقعة الوسام ده بالذات.
آخر مرة أخدت فيها تكريم، أسامة كان واقف جنبي في قاعة فندق وبيتريق ويقول إن الجيش بيديني حتة حديدة بتلمع عشان أبطل أجيب ملفات معايا البيت. ضحكت ساعتها، لأن البديل كان إني أشرح له ليه تريقته دي وجعتني.
دلوقتي الرئيس بيحط الشريط حوالين رقبتي.
شكراً على خدمتك، قالها بصوت واطي.
شكراً يا سيادة الرئيس.
سلم عليّا، وبعدين قرب مني شوية.
فريقك هنا، همس. مستنيين اللحظة دي من زمان عشان يشوفوها.
بصيت ناحية الحيطة الجانبية.
تلاتة كانوا واقفين مع بعض جنُب الشبابيك الطويلة الرائد شاهيناز، نائبتي في العمليات؛ والنقيب كريم، اللي سهر مرة ليلة كاملة يعيد بناء نموذج التوجيه كله؛ والأستاذة رضوى، أخصائية

النقل المدنية اللي شعرها أبيض وماشية بجيوب مليانة بونبوني نعناع.
كانوا بيصفقوا ودموعهم نازلة.
الأستاذة رضوى حطت إيدها على قلبها.
ابتسمت لهم، والابتسامة دي كانت هتدمر ثباتي وتخليني أعيط.
الرئيس رجع للمنصة. قعدت ببطء، وأنا حاسة بتقُل الوسام على البدلة العسكرية.
في الصف التامن ورايا، أسامة ما صفقش.
مش عشان كان زعلان. على الأقل كنت بأقنع نفسي إن ده مش السبب.
كان مبلم ومبحلق في الوسام.
التكريم استمر. أسامة تانية اتنادت. قائد بحري أخد ثناء عشان نسق عمليات الإغاثة في إعصار. ونقيبة تمريض أتكرمت عشان عدلت نظام نقل المرضى. كل قصة كان فيها نفس الخيط الهادي شغل اتعمل من غير ما حد يتأكد إن فيه حد هيلاحظه أساساً.
كنت بأسع، بس جزء مني كان صاحي ومشغول بأسامة.
لما التصفيق خلص والضيوف بدأوا يتحركوا ناحية البوفيه والحيّز الاجتماعي، هو ملقربش في الأول. الناس هي اللي جِت لي.
شاهيناز حضنتني بحذر عشان الوسام.
كنتي مخبية الموضوع ده!
أنا خبيت الدعوة بس.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *