باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

الرقم اللي قلب حياة الكل
فضلت باصة للورقة اللي قدامي، وكأني خايفة ألمسها فتختفي، أو أكتشف إن الأمل اللي بدأ يتحرك جوايا بعد أربع سنين من السجن مش حقيقي.
رفعت عيني للست العجوزة وقلت لها
هو مين الشخص ده؟ وإزاي عرفتيه؟ وإيه اللي يخلي جوزي وأختي يخافوا منه؟
قعدت قصادي، وشبكت إيديها فوق الترابيزة، وبصتلي بنظرة مختلفة عن أي نظرة شفتها منها قبل كده.
قالت بهدوء
مش هقدر أحكيلك كل حاجة دلوقتي، لأن فيه حاجات لازم تسمعيها من صاحبها. لكن قبل ما تتصلي، عايزاكي تفهمي حاجة واحدة. الشخص اللي هتكلميه مش هيقدر يرجعلك سنين عمرك اللي ضاعت، ومش هيقدر يمسح اللي حصل جوا السجن. لكنه ممكن يساعدك تعرفي الحقيقة اللي اتدفنت، بشرط إنك تكوني مستعدة تسمعيها للآخر.
بصيت للرقم مرة تانية.
طب ما تقوليلّي اسمه على الأقل.
هزت راسها وقالت
لو قلتلك اسمه، ممكن تتسرعي وتحكمي عليه من غير ما تسمعيه. اتصلي بيه، ولما يرد، قولي له إنك بنت الراجل اللي أسس شركة توزيع الأدوية، وإنك خرجتي من السجن بعد أربع سنين. لو قفل السكة في وشك، يبقى أنا غلطانة. ولو طلب منك تقابليه، اسمعيه كويس قبل ما تثقي فيه.
اترددت.
أربع سنين وأنا بدفع تمن ثقة اديتها للناس الغلط. أربع سنين وأنا بقول لنفسي إن اللي حصل علّمني ما أصدقش حد بسهولة.
لكن الست دي كانت أول إنسانة فتحتلي باب بيتها من غير ما تطلب مني أثبت إني أستحق أقعد فيه.
فقررت أديها ثقة واحدة أخيرة.
طلعت موبايلي القديم، اللي اشتريته من فلوس أول أسبوع شغل، وكتبت الرقم.
فضلت باصة للشاشة ثواني طويلة قبل ما أضغط اتصال.
رن مرة.
واتنين.
وتلاتة.
كنت خلاص هقفل، لما سمعت صوت راجل كبير في السن، صوته خشن لكنه واضح.
ألو؟
بلعت ريقي وقلت
مساء الخير. حضرتك ما تعرفنيش، لكن فيه ست كبيرة ادتني رقمك، وقالتلي إنك ممكن تعرف الحقيقة عن قض\ية اتسجنت بسببها أربع سنين.
سكت الراجل.
قلت بسرعة
أنا كنت صاحبة شركة لتوزيع الأدوية، واتحكم عليّ في قض\ية نصب واحتيال. جوزي وأختي شهدوا ضدي، وبعدها استولوا على شركتي وبيتي. الست قالتلي إنهم كانوا يتمنوا إني ما أوصلش لحضرتك.
سمعت صوت نفس طويل في الطرف التاني.
وبعدين قال جملة خلت إيدي تتجمد حوالين الموبايل
إنتِ خرجتي من السجن إمتى؟
من حوالي أسبوعين.
ومعاكي نسخة من الحكم؟
أيوه، ومعايا ورق الق\ضية اللي قدرت أحتفظ بيه.
سكت لحظة، وبعدها سألني
وإنتِ لسه فاكرة اسم الموظف اللي كان مسؤول عن مراجعة حسابات الشركة قبل ما تتحبسي؟
فكرت شوية، وبعدين قلت له الاسم.
الراجل ما ردش على طول.
سمعته بيقلب ورق، وبعدها قال بصوت اتغير تمامًا
اسمعيني كويس. ما تتصليش بجوزك، وما تروحيش للشركة، وما تقابليش أختك لوحدك. بكرة الساعة عشرة الصبح، هتلاقيني مستنيكي في المكتب اللي هبعتلك عنوانه. وهاتي معاكي كل ورقة تخص الق\ضية.
سألته بقلق
بس حضرتك مين؟
رد عليّ
أنا الراجل اللي حاول يحذرك قبل ما تدخلي السجن، وإنتِ ما وصلّكيش تحذيري.
وقفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل، وببص للست العجوزة.
هو مين؟
قالت وهي بتلم الأطباق
بكرة هتعرفي.
الليلة دي ما نمتش.
رجعت لأوضتي، وفتحت الشنطة اللي كنت محتفظة فيها بكل ورقة خرجت بيها من السجن.
كان معايا صورة من الحكم، ونسخة من عقد تأسيس الشركة، وشوية خطابات قديمة، وصورة البطاقة الضريبية الأصلية اللي كنت مخبياها في ملف صغير قبل القبض عليّ.
كنت محتفظة بالحاجات دي مش لأني كنت متوقعة أرجع حقي، لكن لأني كنت رافضة أصدق إن حياتي كلها ممكن تتحول لرقم في ملف ق\ضية.
قعدت أراجع الورق ورقة ورقة.
وفجأة، افتكرت حاجة.
قبل القبض عليّ بشهرين تقريبًا، كان فيه راجل جه الشركة وطلب يقابلني. قال إنه مسؤول مراجعة مالية، وإن فيه اختلافات في بعض التحويلات البنكية.
كنت وقتها غرقانة في متابعة علاج حماتي، والشغل متراكم عليّ، وجوزي قاللي إنه هيتعامل مع الموضوع.
بعدها بأيام، الراجل ده بعتلي رسالة على الإيميل، بيطلب فيها مقابلة عاجلة.
أنا ما شفتش الرسالة غير بعد القبض عليّ، لما المحامية حاولت تراجع بريدي الإلكتروني.
لكن الرسالة كانت اختفت.
وقتها افتكرت إن ده مجرد خلل في الحساب.
دلوقتي، بدأت أشك إن الموضوع ما كانش صدفة.
فتحت الملف القديم، وفضلت أدور على أي حاجة ممكن تدلني على اسم الراجل أو عنوانه.
لقيت إيصال صغير، مكتوب عليه تاريخ الزيارة ورقم داخلي للشركة.
ما كانش دليل كافي على أي حاجة، لكنه أكدلي إن ذاكرتي ما خانتنيش.
الشخص اللي كلمني كان عنده سبب حقيقي يعرف اللي حصل.
تاني يوم، لبست أبسط هدوم عندي، وخدت الشنطة اللي فيها الأوراق، وخرجت من البيت بدري.
الست العجوزة وقفت عند الباب قبل ما أمشي.
قالتلي
خلي بالك من نفسك. وأهم حاجة، ما تخليش غضبك يخليكي تتصرفي من غير تفكير.
بصيت لها وقلت
أنا مش عايزة أنتقم. أنا عايزة أعرف إزاي الناس اللي كنت باعتبرهم عيلتي قدروا يعملوا فيا كده.
مسكت إيدي وقالت
ساعات الحقيقة بتكون أقسى من الخيانة نفسها. لكن مهما كانت، ما تسمحيش ليها تحوّلك لنسخة من الناس اللي ظلموكي.
الجملة فضلت ترن في ودني طول الطريق.
وصلت للمكتب قبل الموعد بعشر دقايق.
كان مكتب محاماة قديم في عمارة هادية، بعيد عن مكاتب الشركات الكبيرة اللي كنت بروحها زمان.
دخلت، وطلبت أقابل صاحب المكتب.
السكرتيرة بصتلي، وبعدها قالت
حضرتك صاحبة الشركة القديمة؟
قلبي دق بسرعة.





