باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

أيوه.
قامت من مكانها وفتحتلي باب أوضة في آخر الطرقة.
دخلت.
كان فيه راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، ولابس نضارة سميكة. قدامه ملفات كتير، وعلى الحيطة صور لشركات ومؤسسات كان بيتعامل معاها.
أول ما شافني، قام وقف.
ما مدش إيده يصافحني، وما قالش كلام مواساة.
بس بصلي طويلًا، وبعدها قال
أنا آسف إني ما قدرتش أمنع اللي حصل.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قعدت قدامه وقلت
حضرتك مين؟
فتح درج مكتبه، وطلع بطاقة قديمة.
كان اسمه مكتوب عليها، وتحت الاسم صفته الوظيفية السابقة مراجع حسابات ومستشار مالي.
قال
أنا اللي كنت مسؤول عن مراجعة الحسابات في شركتك قبل ما تبدأ الق\ضية. وقبل ما يلفقوا ليكي التهمة، اكتشفت تحويلات مالية مش طبيعية، وطلبت أقابلك. لكن جوزك قاللي إنك مسافرة، وإنه مفوض بالتعامل معايا.
قلت بسرعة
أنا ما كنتش مسافرة!
هز راسه.
عارف. اكتشفت ده بعدين. حاولت أوصلك على رقمك القديم، لكن موبايلك كان مقفول. بعدها عرفت إنك اتقبض عليكي.
حسيت بوجع قديم بيرجع يضغط على صدري.
طب ليه ما شهدتش معايا؟
نزل عينيه للأوراق اللي قدامه.
شهدت. وقدمت مذكرة فيها ملاحظات على الحسابات. لكن المذكرة ما دخلتش ضمن المستندات اللي اتعرضت على المحكمة بالشكل اللي قدمتها بيه، وبعض الملفات الأصلية اختفت من الشركة قبل ما أقدر أسلمها للجهة المختصة. ولما حاولت أتابع الموضوع، اتقاللي إن الق\ضية اتحسمت وإن مفيش جديد.
بصيتله بصدمة.
يعني كان فيه حد عارف إن الحسابات فيها تلاعب، ومع ذلك اتحكم عليّ؟
رد بحذر
اللي أقدر أقوله إن فيه مستندات مهمة ما اتراجعتش بالشكل الكافي. أما ليه، فده محتاج تحقيق رسمي، مش مجرد اتهامات.
فتح ملف كبير قدامه.
أنا فضلت أحتفظ بنسخ من المستندات اللي راجعتها قبل الق\ضية. ما كنتش قادر أستخدمها لوحدي، لأن جزء منها محتاج يتقارن بالسجلات البنكية والعقود الأصلية. لكن بعد ما سمعت إنك خرجتي، قررت أرجع أحاول أوصل للحقيقة.
مد إيده وطلع مجموعة أوراق.
كانت كشوف حسابات، وصور عقود، وجداول تحويلات.
بصيت لأول صفحة، وبعدها للتانية.
كل الأرقام تقريبًا كنت أعرفها.
دي حسابات شركتي.
وده توقيع جوزي.
وده ختم الشركة.
لكن فيه حاجة غريبة.
قلتله
التحويلات دي كانت بتظهر في التقارير اللي كنت براجعها، لكن بأسماء مختلفة. أنا كنت فاكرة إن الفلوس بتتحول لموردين وشركات نقل أدوية.
أشار لصفحة قدامه.
بصي على أسماء المستفيدين، وعلى تواريخ التحويلات.
بدأت أراجع التواريخ.
كل تحويل كان بيحصل بعد ما أوافق على صرف دفعة لمورد، لكن قيمة التحويل الفعلية كانت بتختلف عن القيمة المسجلة في دفاتر الشركة.
الفرق كان بيتوزع على حسابات تانية.
وبعض الحسابات كانت مرتبطة بشركة جديدة اتأسست قبل القبض عليّ بشهور.
اسمها قريب من اسم شركتي الأصلية، لكن المالك المسجل فيها ما كانش أنا.
كان جوزي.
والمديرة التنفيذية كانت أختي.
حسيت إن معدتي بتتقبض.
قلت
يعني هما ما سرقوش الشركة بس، هما كانوا بيجهزوا شركة بديلة من قبل ما يدخلوني السجن؟
الراجل رد
المستندات بتشير إن الشركة الجديدة بدأت نشاطها قبل محاكمتك. لكن لازم نثبت علاقة التحويلات بيها، ونحدد مين أصدر التعليمات ومين استفاد منها.
فتحت صفحة تانية، ولقيت توقيع باسمي على مستند موافقة مالية.
بصيت للتوقيع طويلًا.
كان شبه توقيعي فعلًا، لكن فيه اختلاف بسيط في آخر حرف.
قلتله
أنا ما وقعتش الورقة دي.
رد
ده محتاج فحص فني للتوقيع. ما ينفعش نعتمد على انطباعنا وحده.
لأول مرة من أربع سنين، حسيت إن حد بيتعامل مع كلامي باعتباره ادعاء لازم يتثبت، مش كذبة لازم أعاقب عليها.
لكن قبل ما أفرح، الراجل قال جملة رجعتني للأرض
فيه مشكلة أكبر.
رفعت عيني.
إيه هي؟
طلع ورقة من آخر الملف.
بعض التحويلات اللي اتنفذت باسمك كانت بتتم من خلال حساب شخصي، مش حساب الشركة.
قلت باستغراب
حساب مين؟
حط الورقة قدامي.
كان اسم أختي.
فضلت باصة للاسم، مش قادرة أستوعب.
أختي ما كانتش مجرد شاهدة زور.
كان فيه حسابات مرتبطة بيها، وفلوس دخلت وخرجت خلال الفترة اللي اتسرقت فيها أموال الشركة.
لكن الراجل حذرني
ده ما يثبتش لوحده إنها كانت صاحبة الخطة كلها. ممكن تكون شريكة، وممكن تكون فيه تفاصيل تانية. إحنا محتاجين نعرف مين كان بيدير الحسابات، ومين كان عنده صلاحية الوصول للمستندات.
سألته
وإيه علاقة الشخص اللي رقمه معاك بالموضوع؟
سكت شوية، وبعدها قال
الشخص ده كان شريكك الأول في تأسيس الشركة.
اتسعت عينيّ.
أنا ما كانش عندي شريك غيري في الشركة وقت التأسيس.
أو على الأقل، ده اللي كنت فاكرة.
قبل سنين، لما بدأت المشروع، كنت محتاجة تمويل بسيط أقدر أشتري بيه أول شحنة أدوية، وأستأجر مخزن صغير، وأتعاقد مع سواقين يوصلوا الطلبات للصيدليات.
أبويا كان مات، وأمي كانت باعت جزء من ميراثها عشان تساعدني.
لكن الفلوس ما كانتش كفاية.
في الوقت ده، قابلت راجل أعمال كبير من خلال أحد الموردين. عرض يساعدني في بداية المشروع، ووقّعنا اتفاق تمويل، مقابل نسبة من الأرباح لمدة محددة.
بعد ما الشركة وقفت على رجليها، سددت التمويل بالكامل، واعتبرت علاقتنا انتهت.
ما كنتش أعرف إن فيه بند في الاتفاق بيدي له حق الاطلاع على بعض السجلات المالية خلال مدة التمويل، وإنه احتفظ بنسخ من مستندات التأسيس.
قلت للمراجع
أنا فاكرة الاتفاق ده، لكن ما أعرفش هو ليه ممكن يساعدني دلوقتي.
رد
لأنه كان عنده حق قانوني في مراجعة السجلات، وكان فيه ملحق للعقد بيوضح آلية حل النزاعات لو ظهرت مخالفات مالية. والأهم إنه كان يعرف إنك مش بتديري الحسابات بنفسك في آخر فترة قبل الق\ضية.
سألته
طب هو فين دلوقتي؟
قال
في القاهرة. عنده مكتب استشارات، ولسه محتفظ بنسخ من العقود القديمة.
حسيت إن الدنيا بدأت تتجمع قدامي، لكني ما كنتش عايزة أبني أمل جديد على مجرد احتمالات.
قلتله
أنا مش عايزة حد يوعدني إنه هيرجعلي كل حاجة. أنا عايزة أعرف إذا كان عندي دليل حقيقي، ولا هفضل طول عمري أحارب كلام بكلام.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
وده بالضبط اللي لازم تعمليه. ما تدخليش المعركة عشان تثبتي إنك مظلومة بالكلام. ادخليها ومعاكي ورق ما يقدروش ينكروه بسهولة.
في نفس اليوم، قابلت شريك التمويل القديم.
كان راجل هادي، بيتكلم قليل، وبيختار كلماته بعناية.
أول ما دخلت مكتبه، بصلي وقال
كنت مستني اليوم اللي تقدري فيه تيجي بنفسك.
قعدت قدامه وقلت





