باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

سألتني
وإنتِ فرحانة؟
بصيت حواليا، وقلت
فرحانة إني بقيت قادرة أبدأ من جديد. بس لسه فيه حاجات بتوجعني.
قالت
خلي الوجع يعلّمك، لكن ما تخليهوش يحكم حياتك.
سكت شوية، وبعدها قلتلها
أنا عمري ما هنسى إنك أول واحدة سمعت حكايتي من غير ما تحكم عليّ.
ردت بهدوء
أنا ما عملتش حاجة كبيرة. أنا بس ما حكمتش عليكي من ورقة.
حسيت إن عيني بتدمع.
قلت
بالنسبة لي، دي كانت أكبر حاجة.
بعد ما قفلت، فضلت قاعدة شوية.
كنت فاكرة إن أكبر خسارة في حياتي هي الشركة والبيت والسنين اللي ضاعت.
لكن مع الوقت، فهمت إن الخسارة الأكبر كانت إني صدقت إن الغدر اللي اتعرضتله معناه إني ما استحقش أثق في أي إنسان تاني.
الست العجوزة ما رجعتليش الماضي.
لكنها ساعدتني أشوف إن الماضي مش لازم يفضل يقرر مستقبلي.
بعد فترة، رجعت لها البيت في زيارة، ومعايا هدية بسيطة.
فتحتلي الباب، وبصت للعلبة اللي في إيدي.
قالت
إيه ده؟
قلت
حاجة بسيطة، عشان أشكرك.
ابتسمت وقالت
أنا ما شغلتكيش عشان تدفعيلي تمن مساعدتي.
رديت
وأنا مش جايّة أدفع تمن حاجة. أنا جايّة أقولك إنك كنتِ سببًا في إني ما استسلمش.
دخلت، وقعدنا في نفس المكان اللي حكيتلها فيه قصتي أول مرة.
الترابيزة كانت زي ما هي، والشباك مفتوح، والنور داخل على الأرض.
طلعت من شنطتي نسخة من أول مستند رسمي أكد براءتي، وحطيتها قدامها.
بصت للورقة، وبعدها رفعت
عينيّ.
قالت
كنتِ متأكدة إنك هتوصلي لليوم ده؟
هزيت راسي.
لأ. كان فيه أيام كتير كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت. بس كل ما كنت ألاقي دليل جديد، كنت أقول لنفسي إني لازم أكمل خطوة كمان.
مسكت الورقة، وفضلت تتأملها.
وبعدين قالت
تعرفي إيه أهم حاجة في اللي حصل؟
قلت
إيه؟
إنك ما رجعتيش حقك بس. إنتِ كمان ما سمحتيش للظلم يغيّر ضميرك.
سكت.
لأنها كانت عارفة إن ده كان أصعب جزء.
كان ممكن أستخدم أي معلومة عندي عشان أفضح أختي حتى لو ما كانتش صحيحة، أو أتهم جوزي بحاجات ما عنديش دليل عليها، أو أستغل غضبي عشان أدمّر كل حد وقف في طريقي.
لكن لو كنت عملت كده، كنت هبقى بكرر نفس الغلط اللي اتعرضتله.
أنا كنت عايزة حقي، مش عايزة أعيش بقية عمري أسيرة للانتقام.
بعد الزيارة، رجعت مكتبي.
على الحيطة ورا مكتبي، علقت نسخة من أول عقد تأسيس للشركة الجديدة.
ما علقتوش عشان أفتكر الفلوس اللي خسرتها.
علقته عشان أفتكر إن البداية مش معناها إن الطريق هيكون سهل، وإن النجاح مش مجرد امتلاك شركة أو بيت.
النجاح الحقيقي كان إني أقدر أبدأ من جديد بعد ما اتسلب مني كل شيء، من غير ما أضطر أكذب على نفسي أو أتنازل عن كرامتي.
وفي درج المكتب، احتفظت بالورقة القديمة اللي عليها رقم التليفون.
الورقة اللي الست العجوزة ادتهالي في اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن حياتي انتهت.
كل ما كنت أشوفها، أفتكر إن الحقيقة ممكن تتأخر، وإن العدالة ممكن تحتاج وقتًا طويلًا، وإن فيه ناس بتختار الغدر حتى لو كانوا أقرب الناس لينا.
لكن كنت أفتكر كمان إن الإنسان مش لازم يفضل محبوسًا في اللحظة اللي اتظلم فيها.
أنا خرجت من السجن بعد أربع سنين، لكن حريتي الحقيقية بدأت يوم ما بطلت أستنى اعتراف جوزي، أو ندم أختي، أو كلمة من أي حد تثبتلي إني أستحق أعيش.
رجعت حقي من خلال الأدلة والقانون، وبدأت حياتي من خلال شغلي واختياراتي.
أما هما، فكان لازم يواجهوا نتائج أفعالهم، كل واحد بحسب ما ثبت عليه.
وفي النهاية، فهمت إن أقوى رد على اللي سرقوا منك حياتك مش إنك تسرق منهم حياتهم.
أقوى رد إنك تسترد حياتك إنت، وتبنيها من جديد، وتخليهم يعرفوا إن اللي كسروه فيك ما كانش نهايتك.
لأنهم قدروا ياخدوا بيتي، وشركتي، وأربع سنين من عمري… لكنهم ما قدروش ياخدوا مني حقي في إني أبدأ من جديد.





