باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

ما ردتش.
قلت بصوت أعلى
حتى لما وقفتِ قدام المحكمة، وحلفتِ إنك عارفة إني عملت الحاجات دي؟
بدأت تعيط.
هو قاللي إن لو الحقيقة ظهرت، الشركة هتضيع، وإننا كلنا هنتحبس. وقاللي إنك هتقدري تدافعي عن نفسك، وإن الموضوع مش هيطول.
بصيتلها وأنا حاسة إن كل كلمة بتسحب مني جزءًا من الصبر اللي فضلت أبنيه طول أربع سنين.
يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط، ومع ذلك سيبتيني أتحبس؟
قالت
أنا ما كنتش أعرف إن الحكم هيبقى بالسجن كل المدة دي.
ضحكت بمرارة.
يعني لو كنت اتحبست سنة واحدة، كان الموضوع هيبقى مقبول عندك؟
غطت وشها بإيديها.
ما رديتش عليها.
بعد شوية، طلعت من شنطتها ظرفًا صغيرًا، وحطته على المكتب.
قالت
فيه نسخة من رسالة جوزك. كان باعتها لي قبل المحاكمة. كنت محتفظة بيها، وما قدرتش أتخلص منها.
المحامية فتحت الظرف، وبدأت تقرأ.
كانت الرسالة بتتكلم عن ضرورة توحيد أقوالنا بخصوص التحويلات المالية، وعدم ذكر بعض المعاملات اللي تمت قبل تأسيس الشركة الجديدة.
وفي آخر الرسالة، كانت فيه جملة واضحة لو اتفقنا على الرواية نفسها، محدش هيقدر يثبت إننا كنا عارفين.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
سألت أختي
إنتِ احتفظتي بالرسالة ليه؟
قالت بصوت مكسور
عشان كنت خايفة إنه في يوم يخليني أنا كمان أتحمل كل المسؤولية.
بصيتلها طويلًا.
حتى وهي بتساعدني، كانت بتحمي نفسها.
ما احتفظتش بالرسالة عشان تنقذني، ولا عشان تقول الحقيقة.
احتفظت بيها عشان يكون معاها س\لاح لو جوزي قرر يتخلى عنها.
ومع ذلك، كانت الرسالة دليلًا محتاجين نفحصه ونتحقق من صحته، مش مجرد ورقة نعتبرها نهاية الق\ضية.
المحامية سألتها إذا كانت مستعدة تقدم الرسالة رسميًا، وتشرح مصدرها، وتجاوب عن الأسئلة المتعلقة بشهادتها السابقة.
أختي سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت
لو عملت كده، ممكن أخسر كل حاجة.
بصيتلها وقلت
أنا خسرت أربع سنين من عمري، وبيتي، وشركتي، وسمعتي. ما تطلبيش مني أحميكي من نتيجة اختياراتك.
فضلت باصة ليّ، وبعدها وقعت على إقرار باستعدادها لتقديم المستندات، على أن يتم كل شيء من خلال الإجراءات القانونية.
قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت
إنتِ عمرك ما هتسامحيني، صح؟
رديت عليها
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك في يوم ولا لأ. لكن حتى لو سامحتك، ده مش معناه إنك ما تتحمليش مسؤولية اللي عملتيه.
وخرجت.
بعدها بأيام، جوزي عرف إننا بدأنا نراجع الق\ضية.
ما عرفتش مين اللي بلغه، لكني عرفت إنه عرف لما وصلتني رسالة من رقم مجهول.
إنتِ فاكرة إنك تقدري ترجعي اللي راح؟ انسي. كل ورقة معاكي ليها تفسير، وكل حد هيساعدك هيتراجع أول ما يعرف الحقيقة.
قريت الرسالة مرتين.
زمان، كانت رسالة زي دي كفيلة تخليني أقضي الليل كله وأنا خايفة.
دلوقتي، أخدتها للمحامية، واحتفظنا بنسخة منها ضمن سجل الوقائع اللي بنوثقها.
قالتلي
ما ترديش عليه. أي تهديد أو محاولة ضغط لازم تتوثق، لكن ما نفترضش هوية المرسل قبل ما نتحقق.
بعد يومين، وصلنا إخطار إن فيه جلسة محددة للنظر في طلبنا المتعلق بالمستندات الجديدة.
ما كانش معناه إن الحكم اتلغى، ولا إن الق\ضية انتهت.
لكنه كان أول باب رسمي اتفتح بعد أربع سنين من الصمت.
وفي نفس الأسبوع، بدأت إجراءات فحص بعض المستندات والتوقيعات، ومخاطبة الجهات المختصة للحصول على سجلات مالية من مصادرها الأصلية.
كان كل شيء بطيئًا.
كل ورقة محتاجة مراجعة، وكل ادعاء محتاج دليل، وكل شخص له علاقة بالموضوع كان لازم تتحدد مسؤوليته على أساس الوقائع، مش على أساس غضبي منه.
لكن وسط كل ده، حصلت مفاجأة ما كنتش متوقعاها.
المراجع المالي القديم اتصل بالمحامية، وقال إنه افتكر ملفًا آخر كان محتفظًا بيه خارج أرشيف الشركة.
الملف ده كان فيه نسخة من تقرير داخلي أُعد قبل القبض عليّ بأيام.
التقرير ما كانش بيثبت وحده مين سرق الفلوس، لكنه كان بيوضح إن فيه اعتراضًا مكتوبًا على بعض التحويلات، وإن الاعتراض اتبعت للإدارة قبل تقديم المستندات اللي اتبنى عليها جزء من الاتهام.
والأهم إن نسخة التقرير كان عليها تاريخ استلام واضح، وتوقيع الموظف اللي تسلمه.
لما شفت التقرير، افتكرت اليوم اللي كنت فيه في المستشفى جنب حماتي.
في اليوم ده، جوزي اتصل بيا وقال إن فيه أوراق مستعجلة محتاجة توقيع، وإنه هيبعتها مع موظف.
كنت مرهقة، وقلتله إني مش هقدر أراجع أي حاجة قبل ما أرجع الشركة.
رد عليّ إنه مش هيوقع أي مستند باسمي، وإنه هينتظرني.
وقتها، صدقته.
لكن التقرير كان بيشير إلى إن بعض الإجراءات استمرت رغم الاعتراض المكتوب.
ما قدرتش أعرف كل التفاصيل من الورق وحده، لكن لأول مرة بقى عندنا خط زمني واضح للأحداث، ومجموعة مستندات ممكن تتراجع مع بعض بدل ما كل ورقة تفضل لوحدها.
المحامية قالت
دلوقتي عندنا أساس أقوى نطلب بيه فحصًا شاملًا، لكن لازم نفضل دقيقين. مش كل اختلاف يثبت تزوير، ومش كل تحويل يثبت سرقة. اللي هيحسم الأمر هو التحقق الرسمي وربط المستندات ببعضها.
وافقت.
أنا ما كنتش عايزة أطلع بريئة في عيني نفسي بس.
كنت عايزة الحقيقة تتثبت بالطريقة اللي ما تسيبش مجال لحد يجي بعد سنين ويقول إن كل ده كان مجرد انتقام شخصي.
بعد حوالي شهر، اتحدد موعد جلسة لمراجعة الطلبات والمستندات الجديدة.
في اليوم ده، لبست بدلة بسيطة، وربطت شعري، وخدت ملفًا مرتبًا بعناية.
وأنا داخلة المبنى، شفت جوزي واقف بعيد، بيتكلم مع محاميه.
كان شكله زي ما هو.
نفس طريقة الوقوف، ونفس الثقة اللي كان بيبص بيها للناس، كأنه دايمًا عارف إن الكلمة الأخيرة هتكون ليه.
لما شافني، سكت لحظة.
وبعدين قرب مني.
قال بصوت واطي
إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه.
بصيتله وقلت
يمكن. عشان كده أنا هنا عشان الحقيقة تتراجع قدام الناس اللي شغلهم يعرفوا الصح من الغلط.
ابتسم ابتسامة باردة.
إنتِ فاكرة إن كام ورقة هيغيروا اللي حصل؟
رديت
أنا ما بقيتش محتاجة أقنعك بأي حاجة.
حاول يقرب خطوة، لكن المحامية وقفت بيننا وطلبت منه يلتزم بالإجراءات.
دخلنا القاعة.
ما كانش فيه مشهد درامي، ولا حد اعترف فجأة بكل حاجة.
كان فيه قاضي بيسمع، ومحامين بيقدموا طلبات، وأوراق بتتراجع، واعتراضات بتتسجل.
اتعرضت المستندات الجديدة، واتقدمت طلبات لفحص التوقيعات ومراجعة سجلات التحويلات، والتحقق من المراسلات المالية.
محامي جوزي اعترض على بعض الأوراق، وقال إن بعضها صور غير كافية لإثبات أي مخالفة.
المحامية ردت إننا بنطلب التحقق من الأصول ومصادرها، وإن الهدف مش إصدار حكم مسبق، لكن التأكد من سلامة الأدلة اللي اتبنى عليها الحكم السابق.
القاضي سأل عن المستندات اللي اتقدمت قبل كده، وعن سبب عدم ظهور بعض المرفقات في الملف الأصلي.
ما كانش فيه إجابة فورية لكل سؤال.
لكن اتقررت إجراءات إضافية لفحص نقاط محددة، واتطلبت مستندات من الجهات المعنية.
خرجت من القاعة وأنا مش عارفة النتيجة هتكون إيه.
لكن كان فيه فرق كبير بين خروجي من المحكمة أول مرة وخروجي منها اليوم ده.
المرة الأولى، كنت محاصرة باتهامات ما قدرتش أرد عليها.
المرة دي، كان فيه أسئلة رسمية اتطرحت، ومستندات محتاجة إجابات، ووقائع ما ينفعش تتقفل بمجرد إن حد ينكرها.
في الأسابيع اللي بعدها، بدأت نتائج الفحص توصل بالتدريج.
تقرير فني أشار إلى وجود اختلافات تستحق التحقيق في بعض التوقيعات المنسوبة ليّ.
ومراجعة الحسابات أظهرت تحويلات مرتبطة بالشركة الجديدة، لكن تحديد المسؤولية عن كل عملية كان محتاج ربطها بالتعليمات والسجلات الأصلية.
كمان، اتراجع سجل المراسلات اللي احتفظ بيه شريك التمويل القديم، واتأكد إن بعض الاعتراضات المالية اتبعت قبل القبض عليّ، وإن فيه طلبات مراجعة ما ظهرتش ضمن الأوراق اللي كنت أعرفها وقت المحاكمة.
كل نتيجة كانت بتفتح سؤالًا جديدًا.
وكل سؤال كان محتاج إجابة موثقة.
وفي الوقت ده، أختي طلبت تقابلني مرة تانية.
المحامية سألتها إذا كان عندها مستندات إضافية، ولما أكدت إن عندها، اتحدد لقاء رسمي.
المرة دي، جابت دفترًا قديمًا كانت محتفظة بيه من أيام شغلها في الشركة.
قالت إنها كانت بتكتب فيه مواعيد الاجتماعات، والملاحظات اللي بتسمعها من جوزي، وبعض التعليمات اللي كانت بتوصلها بخصوص تحويل الملفات بين الشركة القديمة والجديدة.
ما كانش الدفتر سجلًا محاسبيًا رسميًا، ولا كان دليلًا كافيًا وحده.
لكنه احتوى على تواريخ وأسماء شركات وأرقام فواتير، تطابقت بعض منها مع مستندات تانية.
ولما اتسألت عن سبب احتفاظها بالدفتر، قالت إنها كانت بتسجل كل حاجة لأنها خافت في مرحلة ما إن جوزي ينكر إنه طلب منها تنفيذ بعض التعليمات.
سألتها
وإنتِ ما خفتيش إن أنا أتحبس؟
ما قدرتش تبصلي.
قالت
كنت بقول لنفسي إنك هتعرفي تدافعي عن نفسك، وإن الموضوع هينتهي بسرعة. وبعدها لما صدر الحكم، خوفت أعترف إني كنت عارفة حاجات ممكن تغير اللي حصل.
قلت
يعني كنتِ بتأجلي الحقيقة عشان تحمي نفسك.
هزت راسها وهي بتعيط.
أيوه.
ما حاولتش تبرر أكتر.
ولأول مرة، ما قالتش إن جوزي أجبرها، ولا إنها ما كانتش فاهمة.
قالت إنها اختارت السكوت، وإن سكوتها ساعد في ضياع حقي.
كان الاعتراف ده مؤلمًا، لكنه كان مختلفًا عن كل الكلام اللي سمعته منها قبل كده.
المحامية استلمت الدفتر، واتوثق مصدره، واتقدمت طلبات لفحص المعلومات الواردة فيه ومقارنتها بالسجلات الرسمية.
وبكده، ما بقاش الموضوع قائمًا على كلامي ضد كلامهم.
بقى فيه مجموعة أدلة محتاجة تتفحص مع بعض.
في يوم من الأيام، وأنا راجعة من المكتب، لقيت الست العجوزة قاعدة في الصالة، وقدامها كوب شاي.
أول ما شافتني، سألتني
أخبار الق\ضية إيه؟
قعدت جنبها وقلت
لسه الطريق طويل. فيه مستندات اتفحصت، وفيه حاجات ظهرت محتاجة تحقيق أكتر. بس على الأقل، بقى فيه حد بيسأل عن الأسئلة اللي محدش سألها وقتها.
ابتسمت.
وإنتِ حاسة بإيه؟
فكرت شوية.
كنت متوقعة إني لما أبدأ أشوف الحقيقة بتظهر، هحس بالفرح.
لكن اللي حسيت بيه كان خليطًا من الغضب والحزن والراحة.
قلت لها
حاسة إني رجعت أتنفس، بس كل ما أفتكر الأربع سنين، بحس إني لسه جوه السجن.
هزت راسها وقالت
ده طبيعي. إنك تخرجي من باب السجن مش معناه إن كل اللي جواكي يخرج في نفس اليوم. إنتِ محتاجة وقت، ومش مطلوب منك تتظاهري إنك بقيتي كويسة لمجرد إن فيه أمل.
بصيتلها وقلت
أنا مش عارفة هقدر أرجع أعيش زي الأول ولا لأ.
قالت
ومين قالك إن المطلوب ترجعي زي الأول؟ إنتِ مش مطالبة ترجعي نفس الإنسانة اللي دخلت السجن. إنتِ تقدري تبني حياة جديدة، وتاخدي حقك، وتفضلي إنسانة كويسة في نفس الوقت.
الكلام ده فضل معايا.
لأن جزءًا مني كان عايز يسترد كل حاجة، حتى لو اضطر يكسّر الدنيا كلها.
لكن جزءًا تاني كان عارف إن الانتقام لو بقى هو الهدف الوحيد، هيفضل رابطني بالناس اللي سرقوا عمري.
بعد عدة شهور من الإجراءات والمراجعات، وصلت الق\ضية لمرحلة مختلفة.
التقارير الفنية، والسجلات المالية، والمراسلات القديمة، والدفتر اللي قدمته أختي، اتراجعت مع بعض.
بعض المستندات اتأكدت صحتها، وبعض الادعاءات احتاجت أدلة إضافية، وبعض النقاط اللي اتقالت في التحقيق الأول ظهرت فيها تناقضات جوهرية.
والأهم إن التحقيق الإضافي كشف إن فيه معاملات مالية نُسبت إليّ من خلال مستندات كانت محل فحص، وإن بعض الأموال انتقلت إلى الشركة الجديدة من خلال عمليات محتاجة تفسيرًا ومساءلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *