باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

حضرتك كنت تعرف إن جوزي وأختي سرقوا الشركة؟
رد من غير تردد
كنت أعرف إن فيه حاجة غلط. لكن ما كنتش أعرف كل التفاصيل، وما كانش عندي دليل كافي أتهم بيه حد.
قلت بغضب
طب ليه ما عملتش حاجة؟
تنهد وقال
حاولت. لما وصلتني أول ملاحظة عن التحويلات، طلبت مراجعة إضافية. لكن قبل ما المراجعة تكتمل، اتقاللي إنك وافقتي على كل العمليات، وإن فيه نزاع داخلي بينك وبين جوزك. بعدها وصلني خبر القبض عليكي. وقتها بدأت أشك إن الموضوع أكبر من مجرد مخالفات حسابية.
سألته
وإيه اللي معاك؟
فتح خزانة حديدية، وطلع ملفًا قديمًا.
كان فيه أصل اتفاق التمويل، وملحق العقد، ونسخ من تقارير مالية، ومراسلات بينه وبين الإدارة المالية في الشركة.
بدأت أراجع الأوراق.
وفي واحدة من المراسلات، لقيت رسالة من جوزي بيطلب فيها تعديل بيانات جهة الاستلام في بعض التحويلات.
الرسالة كانت مؤرخة قبل القبض عليّ بشهر.
وفي آخرها، كان كاتب إن التعديلات تمت بموافقتي الشفهية.
لكن التوقيع الإلكتروني المستخدم في المراسلة كان صادرًا من حساب جوزي، مش حسابي.
قلت وأنا بحط الورقة على المكتب
هو كان بيجهز كل حاجة قبل ما أتحبس.
رد الرجل
ده احتمال قوي، لكن لازم خبير يفحص السجلات الإلكترونية ويتأكد من مصدرها. وأنا مستعد أقدم النسخ الأصلية اللي عندي للجهة المختصة.
سألته
ليه تساعدني دلوقتي؟ أنا ما بقيتش صاحبة شركة، ولا عندي فلوس أقدر أدفع بيها أتعاب محامين كبار.
بصلي طويلًا وقال
لأن المشروع ده ما كانش مجرد استثمار بالنسبة لي. أنا شفتك وإنتِ بتبدأي من الصفر، وشفتك بتدفعي فلوسك في شحنات أدوية لمراكز صغيرة كانت بتعاني من نقص التوريد. كنتِ بتخسري أحيانًا عشان ما تقطعيش الدواء عن ناس محتاجاه. ولما سمعت إنك اتسجنتي بتهمة سرقة، ما صدقتش إن ده ممكن يكون حقيقي. لكن الشك لوحده مش دليل، وأنا ما كنتش هقدر أتهم حد من غير مستندات.
سكت لحظة، وبعدها كمل
دلوقتي عندنا مستندات تستحق المراجعة. وأنا مش بوعدك إنك هتكسبى بسرعة، لكن بوعدك إني مش هخبي أي معلومة عنك.
مد إيده بالملف.
أخدته، وحسيت إن وزنه أكبر بكتير من الورق اللي جواه.
كان شايل احتمال إني أرجع أعيش من جديد، واحتمال إني أخسر آخر ذرة أمل عندي.
بدأت المعركة من غير ما حد يعرف.
قابلت محامية متخصصة في قضايا الأموال والتزوير، وشرحتلها كل اللي حصل من أول يوم في الشركة لحد خروجي من السجن.
ما طلبتش منها تضمنلي النتيجة.
طلبت منها تراجع المستندات، وتقوللي بصراحة إذا كان فيه أساس قانوني لإعادة فحص الق\ضية.
قضينا أيام في ترتيب الأوراق حسب التاريخ، ومقارنتها بمحاضر التحقيق، وتحديد المستندات اللي اتذكرت في الحكم والمستندات اللي ما ظهرتش فيه.
كل مرة كنا نكتشف اختلافًا، كنا نسجله، ونطلب التحقق منه من مصدره الأصلي.
بعض الأوراق كانت مجرد أخطاء إدارية، وبعضها كان محتاج تفسير.
لكن كان فيه ثلاث نقاط مهمة.
الأولى إن فيه تحويلات اتنفذت بعد ما اتسجلت موافقات منسوبة ليّ، في أوقات كنت فيها خارج الشركة، وده كان ممكن يتثبت من سجلات دخول المبنى وشهادات الموظفين.
الثانية إن فيه عقود اتغيرت بعد تاريخ توقيعي الأصلي عليها، من غير ما يكون فيه ملحق موقع مني.
والثالثة إن الشركة الجديدة اللي أسسها جوزي كانت بتستقبل أموالًا من موردين كانوا بيتعاملوا مع شركتي، رغم إن بعض الفواتير اتسجلت عندنا باعتبارها مدفوعات لموردين مختلفين.
المحامية قالتلي
دي مؤشرات مهمة، لكنها مش كفاية لوحدها لإلغاء حكم. لازم نعرف إيه اللي كان متاح للمحكمة وقت المحاكمة، وإيه المستندات الجديدة اللي ممكن تغير تقييم الأدلة، ونمشي في الإجراءات القانونية المناسبة.
هزيت راسي.
أنا كنت مستعدة أمشي خطوة خطوة.
لأول مرة، ما كنتش بحاول أثبت براءتي بالصراخ.
كنت بجمع الحقيقة بهدوء.
لكن في اليوم اللي قدمنا فيه طلبنا الأول لمراجعة المستندات، حصلت حاجة ما كناش متوقعينها.
كنت خارجة من مكتب المحامية، لما موبايلي رن.
كان رقم أختي.
فضلت باصة للشاشة، وقلبي بيدق بعنف.
ما سمعتش صوتها من يوم المحاكمة.
في الأول، كنت بحلم إنها تتصل وتقوللي إن كل اللي حصل كان غلط، وإنها هتصلح اللي عملته.
بعدها، بقيت أتمنى أشوفها عشان أسألها سؤال واحد ليه؟
لكن بعد أربع سنين، لما ظهر رقمها، اكتشفت إن جزءًا مني لسه بيتمنى يسمع منها أي كلمة تفسر اللي حصل.
رديت.
قالت بصوت متوتر
إنتِ فين؟
ما رديتش.
كررت السؤال
إنتِ خرجتي من السجن، وبتتحركي فين، وبتقابلي مين؟
سألتها بهدوء
إنتِ بتسألي عشان وحشتك أختك، ولا عشان خايفة من حاجة؟
سكتت.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك زعلانة، لكن لازم نتكلم. فيه حاجات كتير إنتِ مش فاهماها.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرح.
أربع سنين يا أختي. أربع سنين وأنا قاعدة ورا القضبان، وإنتِ كنتِ تقدري تتكلمي في أي وقت. ليه افتكرتي دلوقتي إن فيه حاجات أنا مش فاهماها؟
ردت بسرعة
الموضوع ما كانش بإيدي.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي شتيمة.
قلت
إنتِ شهدتي ضدي بإيدك. وقلتي كلام كنتِ عارفة إنه مش حقيقي. إيه اللي ما كانش بإيدك؟
سمعتها بتعيط.
لثواني، افتكرت طفولتنا، لما كنا بننام في أوضة واحدة، ونخاف من صوت الرعد، ونستخبى تحت البطانية.
لكن الذكريات ما غيرتش الحقيقة.
قالت
جوزك هو اللي كان بيدير كل حاجة. أنا كنت خايفة.
سألتها
خايفة من إيه؟
مش هقدر أشرحلك في التليفون.
يبقى ما تشرحيش.
وبعدين قفلت.
بعد أقل من دقيقة، وصلتني رسالة منها
لو عايزة تعرفي الحقيقة، قابليني بكرة لوحدك. ما تثقيش في أي حد حواليكي.
بصيت للرسالة، وبعدها وريتها للمحامية.
قالتلي بوضوح
ما تقابليهاش لوحدك، وما تعمليش أي مواجهة من غير ما نعرف هدفها. لو عندها معلومات، نقدر نرتب طريقة قانونية لتقديمها.
وافقت.
لكن كان جوايا سؤال ما قدرتش أتجاهله.
هل أختي كانت فعلًا خايفة من جوزي؟
ولا كانت بتحاول تنقذ نفسها بعد ما اكتشفت إن الماضي بدأ يرجع يطاردها؟
في اليوم التالي، اتفقنا على مقابلة في مكتب المحامية، بحضورها.
أختي وصلت متأخرة، ولما دخلت وشافتني، وقفت مكانها.
كانت لابسة هدوم غالية، وساعتها كانت بتلمع في إيدها، لكن وشها كان مرهقًا.
قعدت قدامي، وفضلت تبص للأرض.
قلت لها
أنا مش جاية أسمع اعتذار. أنا جاية أعرف الحقيقة.
رفعت عينيها، وبدأت تتكلم.
قالت إن جوزي بدأ من فترة طويلة يشتكي من إن الشركة مش بتكسب بالسرعة اللي كان متوقعها. وإنه كان شايف إن تعبي في الشغل، وطريقتي في مراجعة المصروفات، بتعطل التوسع اللي هو عايزه.
في البداية، صدقته.
قال لها إننا لو نقلنا جزءًا من النشاط لشركة جديدة، هنقدر نوسع التوزيع، ونقلل الضرائب، ونفتح أسواقًا جديدة.
قالت إنها وافقت تساعده في تأسيس الشركة الجديدة، لأنها كانت مقتنعة إن ده هيكون في مصلحة المشروع.
لكن مع الوقت، بدأت تشوف تحويلات ما كانتش مفهومة.
ولما سألته، قال لها إن كل حاجة متفق عليها معايا.
سألتها
وإنتِ صدقتيه؟
نزلت عينيها.
أيوه.
حتى لما قدموا مستندات باسمي وأنا ما وقعتش عليها؟





