باعوني وسجنوني… روايات احمد عمار حصرى

بناءً على النتائج دي، اتخذت الجهات المختصة إجراءات جديدة، وبدأت مراجعة أوسع للوقائع اللي ارتبطت بالق\ضية الأصلية.
ما كانش فيه قرار سحري يمسح أربع سنين في يوم واحد.
لكن الق\ضية ما بقتش مقفولة زي ما كانت.
وفي جلسة تالية، وبعد استكمال الإجراءات المطلوبة، صدر قرار بإعادة النظر في الحكم وفقًا لما ظهر من أدلة ووقائع جديدة.
لما سمعت القرار، ما صرختش، وما وقعتش من الفرحة، زي ما كنت بتخيل في أحلامي.
فضلت قاعدة مكاني، إيدي فوق بعض، وبحاول أستوعب إن الباب اللي اتقفل في وشي سنين بدأ يتفتح فعلًا.
المحامية بصتلي وقالت
دي خطوة مهمة، لكن لسه فيه إجراءات لازم تكتمل.
هزيت راسي.
كنت عارفة.
أنا ما عدتش الست اللي تصدق إن وعدًا واحدًا كفاية يضمن لها النهاية.
كنت محتاجة أشوف كل خطوة تحصل، وأفهم كل قرار، وأعرف الفرق بين الأمل والحقيقة.
ومع استمرار الإجراءات، بدأت تتحدد المسؤوليات بناءً على ما ثبت من مستندات وشهادات، مش على أساس مين كان أغنى، أو مين كان صوته أعلى.
أما جوزي، فبقى مطالبًا بالرد على أسئلة ما قدرش يتجاهلها بمجرد الإنكار.
وأختي، اللي اختارت تتكلم أخيرًا، اضطرت تواجه تناقضات أقوالها السابقة، وتقدم تفسيرًا لدورها في الوقائع.
ما كانش عندي سيطرة على النتيجة النهائية لكل إجراء، لكن كان عندي شيء ما كانش موجودًا وقت محاكمتي الأولى.
كان عندي فرصة حقيقية إن الحقيقة تتسمع.
وفي وسط المعركة دي، حصل موقف ما كنتش أتخيل إني هعيشه.
وصلني خطاب من جوزي، عن طريق محاميه.
كان مكتوب فيه إنه عايز يقابلني بعيدًا عن المحاكم، وإنه مستعد يتوصل لتسوية تعيدلي جزءًا من أموالي، مقابل إني أوقف بعض الإجراءات وأتنازل عن مطالبات معينة.
قريت الخطاب، وبعدها ضحكت.
مش لأن الموضوع مضحك، لكن لأن الراجل اللي وقف قدام المحكمة وقال إني نصابة، بقى دلوقتي مستعد يدفع فلوس عشان ما نكملش في طريق كشف الحقيقة.
المحامية قالتلي
أي عرض لازم يتراجع قانونيًا، وما ينفعش نتعامل معاه باعتباره اعترافًا بالجريم\ة. المهم إنك ما تتنازليش عن حقوقك من غير ما تفهمي الآثار القانونية بالكامل.
قلت لها
أنا مش هرفض أي تسوية لمجرد إني غاضبة، لكن مش هقبل فلوس مقابل السكوت عن الحقيقة.
وبعد مراجعة العرض، رفضت الشروط اللي كانت بتطلب مني وقف الإجراءات أو التنازل عن حقوق مرتبطة بالق\ضية، وطلبت إن أي نقاش بشأن استرداد الأموال يتم في إطار قانوني واضح، من غير ضغط أو اشتراط السكوت.
بعدها بأيام، وصلني خطاب تاني.
المرة دي، ما كانش فيه عرض مالي.
كان فيه اعتذار.
كتب جوزي إنه كان تحت ضغط، وإنه اتخذ قرارات غلط، وإنه ما كانش يتخيل إن الأمور هتوصل للمرحلة دي.
فضلت باصة للخطاب طويلًا.
أربع سنين.
أربع سنين من الخوف، والوحدة، والإهانة، والليالي اللي كنت بصحى فيها على صوت باب بيتقفل، فأفتكر إني لسه في الزنزانة.
وفي الآخر، كل اللي قدر يكتبه هو إنه ما كانش يتخيل إن الأمور هتوصل لكده.
ما قالش إنه ما كانش يعرف.
ما قالش إن الأدلة كانت غلط.
ما قالش إنه مستعد يصلح كل الضرر اللي تسبب فيه.
كان بيحاول يشرح لنفسه اللي عمله، مش يعترف بحجم اللي عمله فيّ.
حطيت الخطاب في الملف، وقلت للمحامية إني مش هرد عليه.
لأن فيه حاجات الاعتذار ما بيرجعهاش.
وفيه حقوق ما ينفعش تتبدل بكلمتين مكتوبين على ورقة.
مرت الشهور، والإجراءات القانونية استمرت لحد ما اكتملت المراجعات الأساسية، واتاخدت القرارات اللازمة بناءً على الأدلة اللي تم التحقق منها.
اتثبتت براءتي من الاتهام اللي دخلت بسببه السجن، واتصححت وضعيتي القانونية، وبدأت إجراءات رد الاعتبار وفقًا للقانون.
أما الوقائع المالية، فتم التعامل معاها في مسارها القانوني، واتحددت المسؤوليات عن المخالفات اللي ثبتت بالأدلة، من غير ما أعتبر إن مجرد ظهور التناقضات معناه إن كل شخص اتهمته كان مسؤولًا عن كل حاجة.
النتيجة الأهم بالنسبة لي ما كانتش مجرد ورقة جديدة.
كانت إن اسمي ما بقاش مربوطًا بالجري\مة اللي اتعاقبت عليها ظلمًا.
كنت أقدر أقدم على شغل من غير ما أضطر أخبي ماضيّ، وأقدر أبص في عين أي حد من غير ما أحس إني مطالبة أعتذر عن جري\مة ما عملتهاش.
وبعد مراجعة الحسابات، بدأت إجراءات استرداد بعض الأموال والأصول اللي أمكن تتبعها، وفقًا للقرارات القانونية والحقوق المثبتة.
ما رجعش كل شيء في يوم وليلة.
بعض الممتلكات كانت اتباعت، وبعض الأموال اتنقلت بين حسابات وشركات، وبعض الخسائر ما كانش ممكن تتعوض بالكامل.
لكن جزءًا من حقي رجع، وبقى عندي أساس أبدأ منه من جديد.
أما الشركة القديمة، فاستردادها بالكامل ما كانش سهلًا. النشاط اتغير، والعقود اتبدلت، والموظفون اللي كانوا فيها انتقل بعضهم لأماكن تانية.
قررت ما أرجعش أبني حياتي كلها على محاولة استنساخ الماضي.
استخدمت جزءًا من الأموال اللي رجعتلي في تأسيس نشاط صغير لتوريد الأدوية للمراكز الطبية والصيدليات، لكن المرة دي، كل شيء كان موثقًا، وكل صلاحية محددة، وكل حساب بيتراجع من مصدر مستقل.
ما بقيتش أخلط بين الثقة والحب، ولا بين القرب العائلي والأمان المالي.
الثقة بقت عندي حاجة بتتبني بالأفعال، مش بالكلام.
أما أختي، فبعد ما واجهت نتائج اختياراتها، بعتتلي رسالة طويلة.
قالت إنها عارفة إن أي اعتذار مش كفاية، وإنها مش بتطلب مني أرجع علاقتنا زي الأول.
كتبت إنها كل ما تفتكر يوم المحاكمة، بتفتكر نظرتي ليها، وإنها كانت قادرة تقول الحقيقة، لكنها اختارت السكوت عشان تحمي نفسها.
قريت الرسالة مرة واحدة.
ما رديتش وقتها.
بعد أسابيع، بعتت رسالة تانية قصيرة، قالت فيها إنها مستعدة تفضل بعيدة عن حياتي لو ده اللي يخليني أرتاح.
المرة دي، رديت.
كتبتلها
أنا مش هقدر أرجع أتعامل معاكي كأن اللي حصل كان مجرد خلاف بين أختين. إنتِ شاركتي في قرار دمّر حياتي، وسكوتك كان جزءًا من الظلم اللي اتعرضتله. لو ندمانة فعلًا، احترمي المسافة اللي أنا محتاجاها، وسيبي أفعالك هي اللي تتكلم من غير ما تطلبي مني أسامحك.
وبعت الرسالة.
ما كنتش بكرهها بنفس الطريقة اللي كرهتها بيها أول ما خرجت من السجن.
لكن ده ما معناهش إني بقيت مستعدة أفتح لها باب حياتي تاني.
سامحت نفسي على إني وثقت فيها.
أما مسامحتها هي، فكانت حاجة ما ينفعش حد يفرضها عليّ.
في أول يوم افتتحت فيه مكتبي الصغير، وصلت بدري.
كان المكان بسيطًا، فيه مكتبين، ورفوف عليها ملفات، ولافتة صغيرة باسم الشركة الجديدة.
وقفت قدام اللافتة فترة طويلة.
افتكرت أول مخزن استأجرته، وأول شحنة أدوية وصلت، وأول مرة قدرت أدفع مرتبات الموظفين من أرباح الشركة بدل ما أستلف من حد.
وافتكرت كمان الزنزانة، والليالي الطويلة، والورقة اللي حطتها الست العجوزة قدامي على الترابيزة.
لو ما كانتش اديتني الرقم، يمكن كنت فضلت أحاول أبدأ من جديد من غير ما أعرف إن فيه مستندات ممكن تغير كل شيء.
دخلت بعدها، وفتحت الملفات، وبدأت يوم الشغل.
في نص اليوم، رن موبايلي.
كان اتصالًا من الست العجوزة.
قالتلي
سمعت إنك فتحتي مكتبك الجديد.
ضحكت وقلت
أيوه، ولسه بنرتب الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *