في البيت الأبيض ١ – محمد نور

إنتي مخبية كل حاجة!
دي كانت طبيعة الشغلانة.
كريم سلم عليّا وقال يا عقيد، عاوز يتسجل في المحضر إني اتوقعت ده من زمان.
اتوقعت إيه؟
إن هيجي

يوم ويتعرف إنك كنتِ صح.
إنت اتوقعت ده من تلات سنين.
حصل.
قلت إني ناشفة ومُصرة لدرجة إني مستحيل أفشل.
ما هي هي تقريباً!
الأستاذة رضوى حطت بونبونية نعناع في إيدي. عشان بعدين.
شكراً.
بصت من فوق كتفي ناحية أسامة وقالت إنتي كويسة؟
السؤال كان حنين. مش مبسوطة؟ ولا كنتي متوقعة ده؟.. إنتي كويسة؟
بصيت للبونبونية اللي في إيدي.
لسه مش عارفة.
ده إجابة صريحة.
ويمكن تكون الإجابة الوحيدة اللي عندي الليلة دي.
رضوى هزت راسها ولمست كمي. ما تخليش حد يعطلك أو يخليكي تستعجلي مشاعرك.
قبل ما أسألها تقصد إيه، ظابط بروتوكول صغير قرب.
العقيدة فريدة، سيادة الرئيس حابب يقولك كلمتين قبل ما الحفلة تبدأ.
نبضي نط.
أكيد، اتفضل.
أخدني من باب جانبي لأوضة أصغر. كانت أهدى، فيها ترابيزة وصور برواز على الحيطة. الرئيس كان واقف جنب الشباك مع اللواء أبو أربع نجوم اللي قابلني عند التفتيش.
يا عقيدة، الرئيس قال.
سيادة الرئيس.
شاور على كرسين. اتفضلي اقعدي.
قعدت، واللواء فضل واقف جنبه.
كنت عاوز أباركلك بنفسي، الرئيس قال. وبالمرة أقولك إن شغلك لسه ما خلصش.
كنت هابتسم. كنت حاسة بكده برضه.
عشان كده طلبت تيجي الليلة دي بدعوتك المستقلة.
الكلمات بقت تقع برنة مختلفة

دلوقتي.
مش كمفاجأة.. كإيضاح وتفسير.
مسك ملف من الترابيزة. المرحلة الجاية من الممر الطبي الإقليمي بتتوسع. هتدخل فيها مستشفيات مدنية، ونقل عسكري، وتنسيق دولي. النظام الأساسي متين، بس الناس اللي هيديروه محتاجين يفهموا ليه اتبنى بالطريقة دي من الأول.
بصلي وقال
إحنا عاوزينكي تمسكي قيادة المرحلة الانتقالية دي.
لساني اتلجم لثانية.
العرض في حد ذاته ما كانش ترقية بالمعنى الحرفي، رتبتي هتفضل زي ما هي. بس سلطتي هتوسع، ومهمتي تتغير، وشغلي هيبان أكتر للعلن. ده نوع الشغل اللي الناس بتقضي عمرها تدعي يتاخدوا في الحسبان عشانه.
بس كان فيه حاجة تحت العرض ده مكنتش متوقعاها.
حضرتك بتطلب مني أسيب قيادتي الحالية؟
أنا بطلب منك تختاري المكان اللي تقدر تنفعي فيه أكتر وتعملي فيه خير أكبر.
اللواء أخيرًا اتكلم تقدري ترفضي. الرئيس موضح النقطة دي تماماً.
بصيت بينهم. وليه أرفض؟
عشان الشغل صعب، الرئيس قال. وعشان هيلفت الأنظار ليكي. وعشان الناس اللي مريحة دماغها مع المفاهيم القديمة مش دايماً بيفرحوا بالمسؤوليات الجديدة.
عينيه ثبتت في عينيا.
وعشان اختيار طريق جديد ممكن يعقد الحياة الشخصية.
أهو ده.. الكلمة

جت في المليان.
مش افتراض، ولا شفقة.. ده تفهم واستيعاب.
بصيت للملف. حضرتك تعرف حاجة عن جوازي؟
أعرف اللي يخليني أفهم إن القرار ده بتاعك إنتي، مش بتاع أي حد واقف جنبك.
الكلام كان حنين، بس ما سابش أي مجال للأعذار.
افتكرت صوت أسامة في العربية.
اضحكي بس لما يطلبوا منك ضحكة.
افتكرت أسلوبه لما عرفني على زمايله في حفلة الجيش السنة اللي فاتت دي مراتي فريدة، بتاعة جداول وإكسيل.
افتكرت الليالي اللي كان بيرجع فيها من شغله ومستنيني أسأله عمل إيه، بينما كان بيتعامل مع إجاباتي كأنها النشرة الجوية.
وافتكرت برضه الراجل اللي اتجوزته قبل ما كل الجمود ده يتَبنّى بيننا.
أسامة كان حنين في يوم من الأيام. كان بيجيبلي قهوة قبل الاجتماعات الصبح بدري. كان فاكر إني بضايق من الأماكن الزحمة وبحب الخرائط القديمة. في أول سنة لينا مع بعض، قعد معايا على ترابيزة المطبخ وأنا بشرحله مشكلة في سلاسل الإمداد لمدة ساعة، وكان بيسأل أسئلة خلتني أصدق إنه بجد عاوز يفهم.
في نقطة ما في السكة، الفضول ده اتقلب لمنافسة.
أو يمكن كان ببيتنافس معايا طول عمره، وأنا اللي افتكرت اهتمامه ده مشاركة وحب.
أنا محتاجة وقت أفكر.
وقتك

معاكي، الرئيس رد. بس المنصب لازم يتملي قريب.
اللواء سلمني ملف تاني، أرفع من الأولاني.
ده التقرير الرسمي، وجواه جواب من الناس اللي رشحوكي.
أخدته. مين اللي رشحني؟
الرئيس ابتسم ابتسامة خفيفة. ناس كتير.
ده مش جواب يا فندم.
لا، قالها. ده وعد إن شغلك شافوه ناس أكتر مما تتخيلي.
لما رجعت للحفلة، الأوضة كانت اتغيرت. المزيكا شغالة هادية. الجناينية والموظفين بيلفوا بكراتين المية العصير والأطباق الصغيرة. المعازيم بيتكلموا في مجموعات وصوتهم واطي من هيبة المكان.
أسامة كان واقف لوحده جنب عمود.
كان قلع الجوانتي وطواه بدقة في إيده.
أول ما شافني، اتصلب في وقفته.
كان عاوز إيه؟
وقف على بعد خطوتين مني. يهنيني.
على الوسام؟
وعلى حاجات تانية.
عينيه جت على الشريط اللي في رقبتي. كنتي عارفة بالموضوع ده.
كنت عارفة إني معزومة لسبب.
كنت عارفة إن الرئيس هيجيب سيرتك؟
لا.
بس كنتي عارفة إن فيه تكريم.
أيوه.
وما قلتليش؟
إنت مأسألتش.
فكه اتشد. فريدة.
أسامة.
كنا بننادي بعض بأسامينا بالطريقة دي بقالنا سنين. نداءه كان فيه تحذير، وندائي كان فيه طاقة طالعة بطلوع الروح.
بص ورايا ناحية الحفلة، حيث شاهيناز وكريم

بيتكلموا مع لواءين.
إنتي عملتي إيه بالظبط؟
مقدرش أقولك كل حاجة.
أنا مأسألتش عن تفاصيل سرية.
إنت سألت أنا عملت إيه.
أنا بسأل إيه اللي حصل الليلة دي.
لمست الوسام بالراحة. كان ساقع تحت صوابعي.
الرئيس كرم الفريق اللي ورا عملية جسر الفانوس.
أسامة بحلق فيا.
دي العملية بتاعت من تلات سنين؟
أيوه.
اللي كنتي شغالة عليها لما ما جيتيش العشا بتاع ترقيتي؟
كنت في غرفة العمليات.
قلتيلي ساعتها إنك اتأخرتي.
وأنا اتأخرت فعلاً.
قلتيلي إنه كان شوية ورق وشغل إداري.
وكان فيه جزء منه ورق فعلاً.
بص بعيد، كأنه بيدور في القاعة على أي تفسير يريحه ويكون أسهل في البلع.
كان ممكن تقوليلي.
مكانيش ينفع أقولك التفاصيل.
كان ممكن تقوليلي إن الموضوع مهم!
أنا قلتلك إني مشغولة ومهم.
لا، قلتي مشغولة بس.
ما أنا كنت مشغولة فعلاً.
ضحك ضحكة قصيرة من غير أي أثر للفرحة. إنتي دايماً بتعملي الحركة دي.
حركة إيه؟
تستخبي ورا الحقيقة الفنية والشكليات.
حسيت بحاجة جوايا بتهدى وبتستقر.. مش بتتكسر، بتستقر.
الحقيقة، حتى لو شكليات، بتفضل حقيقة.
ده مش الشكل اللي المفروض الجواز يكون

عليه.
صح، قلتله. الجواز المفروض يكون مكان ما حدش يخلي فيه التاني يحس إنه صغير أو ملوش قيمة عشان بيعمل شغل له قيمة.
وشه اتغير.
الكلام مكنش بعلو الصوت، بس وصله في العضم.
ولأول مرة الليلة دي، بان عليه الإحراج والكسوف.
أنا عمري ما قلت إن شغلك ملوش قيمة.
كنت بتناديني ملكة الإكسيل والجداول.
كنت بهزر!
قلت كده قدام مامتك.
هي كمان كانت بتهزر.
قلت لقائدك إني بظبذلك أجندتك ومواعيدك.
دي كانت مرة واحدة!
قلتله إني ماسكة لوجستيات البيت والمطبخ.
ما كنتش أقصد
كنت تقصد إن استيعابي هيكون أسهل لو صغرتني وقزمتني.
سكت وما تنفسش.
المزيكا فضلت شغالة ورانا. حد ضحك جنب البار. عامل عدى بصينية حلويات، مش داري إن جوازنا كله اتلخص في المساحة اللي بين الجملتين دول.
أسامة وطى صوته إنتي فاكرة إني كنت بتكسف منك؟
أعتقد إنك مكنتش مستريح مع فكرة إنك مش عارف أكتر مني.
ده مش نفس المعنى.
بس الإحساس كان واحد.
بص للجوانتي اللي في إيده.
كنت مستنية منه ڠضب.. دفاع عن النفس.. أو كلمة حادة تخليني أكرهه بصافية بقية السهرة.
بدل كل ده، قال ما عرفتش أقف جنبك إزاي.
رمشت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *