حماتي وصفت بنتي روايات احمد عمار

ولو في يوم قررت أعمل حاجة في شكلي، أو قررت ما أعملش أي حاجة، هتحترمي قراري؟
حماتي رفعت عينيها، وبعد تردد بسيط، قالت
أيوه.
مريم ردت
تمام. أنا مش عايزة منك فلوس العملية. أنا مش عايزة أعملها أصلًا. ولو إنتِ عايزة تفرحيني، اسأليني أنا بحب إيه، بدل ما تقرري عني.
الكلام كان واضحًا، ومن غير صړاخ أو إهانة.
حماتي فضلت ساكتة، وبعدها قالت
حاضر.
ما حصلش تصالح سحري في اللحظة دي.
ما نسيناش اللي حصل، وما رجعتش العلاقة لطبيعتها في يوم وليلة.
لكن دي كانت أول مرة حماتي تسمع مريم من غير ما تقاطعها أو تحاول تقنعها إنها غلط.
وبالنسبة لي، كانت خطوة مهمة.
بعد المقابلة بأيام، اكتشفنا إن حماتي بدأت فعلًا تغيّر طريقتها في التعامل مع مريم.
ما بقتش تسألها إذا كان فيه حد معجب بيها، ولا تقارن شكلها ببنات تانيين.
ولما كانت بتشوفها، كانت بتحاول تسألها عن الجامعة، وعن الكتب اللي بتحب تقراها، وعن الحاجات اللي بتفرحها.
في البداية، مريم كانت بترد باختصار.
لكن مع الوقت، بدأت تتعامل معاها بشكل أهدى.
مش لأنها نسيت الإهانة، لكن لأنها شافت إن جدتها بتحاول تثبت إن اعتذارها مش مجرد كلام.
وفي يوم، حماتي اتصلت بيا.
قالت
أنا عايزة أسألك سؤال، بس مش عايزاكي تفهميني غلط.
قلت
اتفضلي.
قالت
هو أنا فعلًا كنت قاسېة عليها للدرجة دي؟
السؤال فاجأني.
كنت أقدر أقول لها إنها كانت قاسېة جدًا، وإنها كسرت قلب بنتها، وإنها لازم تتحمل نتيجة اللي عملته.
لكن بدل ما أهاجمها، قلت إنتِ جرحتِها في حاجة كانت بتحاول تتعافى منها. ومش معنى إنك ما كنتيش تقصدي الأڈى إن الأڈى ما حصلش.
سكتت فترة، وبعدها قالت
أنا طول عمري كنت فاكرة إن لازم أقول للناس عيوبهم عشان أصلحهم. ما كنتش أعرف إن ممكن أكون أنا اللي بخلّيهم يشوفوا نفسهم بطريقة وحشة.
قلت لها
الفرق كبير بين إنك تساعدي حد، وبين إنك تحسسيه إنه ناقص. المساعدة بتبدأ بالسؤال، مش بالحكم.
حماتي ما ردتش فورًا.
لكن قبل ما تقفل، قالت
أنا هحاول أفتكر الكلام ده.
ما قلتش لها إن
كل حاجة بقت تمام.
لأن الثقة ما بترجعش بمجرد مكالمة، والاعتذار مش بيمسح أثر كل كلمة اتقالت.
لكن كنت مستعدة أديها فرصة تثبت إنها اتعلمت.
مش عشانها هي بس، لكن عشان مريم تستحق تعيش وسط عيلة تقدر تحبها من غير ما تحاول تغيّرها بالقوة.
عدّت شهور، ومريم بدأت أول سنة ليها في الجامعة.
كانت بتخرج من البيت وهي فرحانة، وبتحكي لي عن المحاضرات وصحباتها والمواقف اللي بتحصل معاها.
وفي يوم، رجعت البيت وهي شايلة باقة ورد صغيرة.
سألتها
إيه الورد ده يا حبيبتي؟
ابتسمت وقالت
صاحبتي جابتهولي عشان نجحت في امتحان صعب. وقالت لي إنها بتحب وجودي معاها عشان بحسسها إنها تقدر تعمل أي حاجة.
حضنتها وأنا فرحانة.
مش لأن حد جاب لها ورد، لكن لأنها بقت بتعيش حياتها من غير ما تفضل تقيس قيمتها على أساس إذا كان فيه حد معجب بشكلها ولا لأ.
في المساء، كنا قاعدين كلنا في الصالة، لما مريم قالت فجأة
ماما، أنا عايزة أقول لك حاجة.
بصيت لها.
قالت
أنا زمان كنت فاكرة إن لو شكلي اتغير، كل حاجة هتتغير معاه. كنت فاكرة إن الناس هتحبني، وإن التنمر هيقف، وإن محدش هيبص لي بطريقة وحشة تاني.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
لكن دلوقتي فهمت إن حتى لو كل الناس شايفاني جميلة، مش معنى كده إن كلهم هيحبوني. وفيه ناس ممكن تحبني حتى لو مش شايفة فيّ كل الصفات اللي هي بتحبها. أنا مش لازم أكون مثالية عشان أستحق الحب.
أحمد ابتسم، وقال
بالضبط يا بنتي.
مريم بصت لي، وكملت
أنا مش بقول إني بقيت واثقة في نفسي طول الوقت. ساعات لسه بتضايق من شكلي، وساعات بفتكر الكلام القديم. لكن الفرق إني بقيت أعرف إن الإحساس ده مش دليل إن الكلام كان صح.
في اللحظة دي، حسيت إن بنتي أخيرًا بدأت تتصالح مع نفسها.
مش لأنها ما بقتش تسمع كلام يضايقها، لكن لأنها بقت تعرف إن كلام الناس مش هو اللي بيحدد قيمتها.
وبعدها بأسبوع، حماتي جت تزورنا.
كانت جايبة لمريم هدية بسيطة كتاب كانت مريم بتدور عليه من فترة.
قدّمته لها وقالت
افتكرت إنك قلتي إنك عايزة تقريه.
مريم ابتسمت.
شكرًا يا تيتة.
حماتي بصت لها، وبعد تردد بسيط، قالت
أنا عايزة أقول لك حاجة. أنا آسفة إني حاولت أغيّرك بدل ما أسمعك. وآسفة إني خليتك تحسي إنك مش كفاية.
مريم فضلت باصة لها ثواني.
وبعدين قالت
أنا مش هنسى اللي حصل، يا تيتة. لكن أنا سعيدة إنك فهمتي ليه اتوجعت.
حماتي هزت راسها.
ومن حقك ما تنسيش. أنا اللي لازم أتعلم.
كانت دي أول مرة أسمع منها اعترافًا واضحًا من غير ما تلوم حد تاني، أو تبرر اللي عملته.





