قدامك ساعه

—قدامك ساعة واحدة لمي فيها حاجتك وتطلعي بره البيت ده، ولو حاولتي تاخدي أي حاجة مش بتاعتك هطلبلك البوليس.
دي كانت أول كلمات قالتهالي سامية، حماتي، أول ما رجعت من المستشفى.
كنت في الشهر السابع، وقعدت أسبوعين محجوزة في المستشفى بسبب خطر ولادة مبكرة، ومكنتش قادرة أقف على رجلي بالعافية. إسلام، جوزي، كان واعدني يجي ياخدني الصبح.. بس ما جاش.
أخدت تاكسي وطلعت على البيت في التجمع الخامس، وأنا فاكرة إن في مصيبة حصلت.
بس لقيت سامية مستنياني في الصالة وهي مربعة إيديها.
— هو إسلام فين؟
— في مدريد.. سافر الصبح.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
— مدريد؟ وجوازنا؟ وابننا؟
سامية ضحكت ضحكة جافة وباردة.
— انسي الجوازة دي خلاص، ابني أخيرًا عرف انتي علقة وبتاعة مصالح وإزاي بتفكري.
— أنا مش فاهمة حاجة!
— بلاش تمثيل العبط ده.. افتكرتي لما تدبسي فيه وتحملي منه هتضمني عيشة مرتاحة، بس إسلام مش هيشيل شيلة واحدة يتيمة مفيش من وراها أصل ولا فصل.
الكلمة دي وجعتني أكتير من أي إهانة ثانية.
يتيمة.
أمي ماتت وأنا عندي تمان سنين، ولأني مكنش ليا أي قرايب يشيلوني، قضيت معظم طفولتي في دار أيتام. الحاجة الوحيدة اللي ورثتها كانت بيت قديم ومتهالك في طنطا كان ملك أمي.
لا كان عندي ثروة.. ولا اسم عيلة كبير.
بس وعمري في حياتي ما طلبت مليم من العيلة دي.
— الطفل ده ابن ابنك.. ده حفيدك.
— دي مشكلتك انتي.. شيلتك وانتي حرة فيها.
— أنا عايزة أكلم إسلام!
— غير خطه أول ما وصل إسبانيا، ومش هدهولك.
فهمت وقتها إن الكلام والمناهدة مفيش منهم فايدة.
طلعت بالراحة على الأوضة اللي عشنا فيها أنا وإسلام. كنا بننزل نختار السرير مع بعض، وبنتكلم في الأسماء، وكان يحط رأسه على بطني عشان يحس بحركة البيبي.
دلوقتي كل حياتنا بقت معبية في شنطة سفر واحدة.
وأنا بلم هدومي افتكرت أخر كلمات قالتها لي أمي قبل ما تموت.
في الليلة دي، وهي على سرير المرض، طلعت صورة قديمة من علبة صفيح.
كان فيها شاب صغير، شعره أسود، وعينيه بني، وفيه وحمة مميزة جدًا عند خده الشمال.
— اسمه أحمد فؤاد —قالتلي—. ده أباكي يا بنتي.
على كلام أمي، كانوا بيحبوا بعض زمان لما كانوا شباب، بس عيلته مكنتش راضية تجوزه لمدرسة غلبانة. أمه فضلت تضغط عليها وتضايقها لحد ما أجبرتها تختفي خالص.





