اهلي رفضوا 2الاخير

ده كان أكتر حاجة تحزن على المصطبة دي.
سمحت لنفسي أزعل على ده.
بس ده ما غيرش حاجة.
في الآخر، هِديوا وتعبوا.
ما بقاش فيه حتة للزعاق يروح فيها.
المصطبة بقت ساكتة.
والسكوت كان ملكي أنا، لأنني كنت الشخص الوحيد اللي واقف هناك ومش خايف.
بصيت لأمي وقلت لها الجملة اللي شيلتها من يوم وفاة “جنى”.
“أنا اديتها كل حاجة.”
اديت بنتي كل حاجة حيلتي.
كل ساعة.
كل جنيه.
كل حتة مني.
في الوقت اللي الأربعة فيكم قررتوا إن دي مش مسؤوليتكم.
ما بقاش فاضل حاجة لكم.
مش لأنني شايلاها غل أو قسوة.
ببساطة ما بقاش فيه حاجة فاضلة.
أنا اديتها كل حاجة.
وبعدين رديت لأمي كلامها هي.
“أنتِ قلتِ لي أنتِ اللي اخترتي العيشة دي، ومشيليناش شيلتك،” قلت لها. “أنتِ كنتِ صح في حاجة واحدة. أنا فعلاً اخترتها. اخترت الولاد دول واخترت أختهم واخترت أقف وأشيل. فالفرق بيننا دلوقتي: أنا اخترت العيشة دي، ومش هشيلها لكِ.”
أمي فتحت بؤها.
ما طلعش حاجة.
في الآخر، التفت لـ “شيرين”.
كانت لسة بتحاول تظبط وشها على حاجة توصل لي.
“عايزة تعرفي أنا بفكر في إيه بجد؟” قلت لها.
قربت.
“أعتقد إنك تقدري تقرأيها زي الباقيين. هي في الكتاب، الصفحة 204.”
وبعدين فتحت الباب.
دخلت جوة.
وقفلته بالراحة.
من غير رزعة.
لأن الرزعة دي حاجة بتعملها لما يكون لسة عندك حاجة تثبتها.
أنا ما كانش عندي.
من ورا الباب، سمعت صوت أمي بيعلى تاني وبعدين بيختفي بالتدريج وهم نازلين السلم بالراحة.
من الشباك، “ياسين” كان بيزق “سليم” على المرجيحة المربوطة في الشجرة الوحيدة الحلوة في جنينتنا.
ولا واحد فيهم سمع الكلام.
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي يهمني أحميها.
وأنا حميتها.
طلعت من باب الجنينة اللي ورا عشان أزق عيالي.
ما رجعوش تاني خلاص.
كان فيه رسائل في جروب العيلة لفترة.
أمي بتقلب بين المظلومة والمغلوبة والمقهورة تاني.
في الآخر، حتى ده وقف.
ما عملتش بلوك لحد.
وما مسحتش الجروب.
عملت Mute للنوتيفيكيشنز (كتم التنبيهات).
فيه فرق بين إنك ترزع الباب، وبين إنك تتمشى بعيد عنه بهدوء.
أنا اتعلمت الفرق.
الحياة بقت أصغر وأدفأ بعديها.
بالظبط في الاتجاه اللي كنت عايزاه.
الأرباح من كتاب “من بين الرماد” أدِتني حاجة عمري ما عشتها في حياتي بعد ما كبرت.
مساحة أتطلع وأتنفس فيها.
مش يخوت ولا عربيات.
مساحة بس.
حطيت فلوس في حسابات باسم “ياسين” و”سليم” عشان ما يجيش يوم على أي عيل من عيالي ويتقال له ما حيلتناش.
فضلت في البيت الصغير.
الشجرة الحلوة.
وفضلت أكتب.
الصبح دلوقتي بدل الساعة تلاتة بالليل.
لسة بالرصاص.
ولسة على الكشاكيل الصفرا.
فيه حاجات مش محتاجة تتصلح طالما شغالة صح.
”مس مرفت” بقت حاجة لسة ما عنديش كلمة صريحة توصفها.
بتيجي تتغدى معانا معظم أيام الأحد.
“ياسين” بيناديها “مس مرفت”.
“سليم” بيناديها “تيتة مرفت”.
وهي بتسيبهم يقولوا كده.
أول مرة سمعته بيقولها، اضطريت أخرج من الأوضة قبل ما حد يشوف وشي.
في يوم حد، بعد أكتر من سنة من خناقة المصطبة دي، عملت حاجة كان نفسي أعملها من أيام إقامة المستشفى.
جبت طاجن البايركس أبو غطا أزرق.
نفس الطبق الزجاجي اللي قعد جنب باب وبعدين باب تاني في أوحش فترة في حياتي.
دعكته لحد ما بقى بيبرق.
مليته أكل من اللي طبخته بإيدي.
وبعدين سلمته لـ “مس مرفت” على الترابيزة في مطبخ مليان نور ربنا.
”من تمريض القسم،” قلت لها وأنا بّسلمهولها.
“مس مرفت” ضحكت.
الضحكة الحقيقية.
لأن إحنا الاتنين كنا عارفين إن عمره ما كان فيه تمريض قسم.
كانت هي وبس.
في النهاية، البني آدمين هما الناس اللي بيظهروا بجد.
دول هما الناس اللي استحقوا أماكن على ترابيزتي.
طاجن البايركس بقى بيلف بين بيوتنا دلوقتي.
مليان في الرايح والجاي.
ده اللي العيلة بقت تعنيه.
حاجة دافية بتفضل ترجع لك.
كنت فاكرة زمان إن العيلة هما الناس اللي شاربين من نفس الدم.
أنا دفنت الاعتقاد ده في نفس السنة اللي دفنت فيها بنتي.
ده اللي أنا مصدقة فيه دلوقتي:
العيلة هو الشخص اللي بيظهر الساعة تلاتة الصبح وأنت ما حيلتكش حاجة تديها له.
والناس اللي مش بتخبط غير لما كل حاجة تبقى سهلة وحلوة، مش من حقهم يدخلوا جوة البيت أوتوماتيك كده.
دي قصتي.
بنت واحدة مستعدة أدفع عمري عشان أحضنها تاني.
ممرضة واحدة خبطت وأنا ما حيلتيش حاجة.
وولدين لسة هنا لأن في ليلة هادية، كانوا بياخدوا نفسهم في الأوضة اللي جنبي، وأنا قررت إن لازم أكرر أخد نفسي انا كمان





