اهلي رفضوا 2الاخير

​بس اللي كان يفرق أكتر هو اللي الستين ما قالوهوش.
لا أمي.
ولا “شيرين”.
ولا أي حد صحي فجأة في جروب العيلة.
ما حدش ذكر “جنى”.
لقوا النور والضوء.
بس لسة ما لقوش الطفلة.
​كان المفروض أعرف إيه اللي يحصل بعد كده.
​بعد أسبوع، الخبطة جت.
أنا والولاد كنا نقلنا في بيت تاني ساعتها.
مش قصر يعني.
بيت صغير في أخر شارع هادي في المعادي.
تلت أوض.
جنينة.
مصطبة برة.
وعلى المصطبة دي كل حاجة لفت ورجعت تاني.
​ظهرية يوم سبت.
أول الصيف.
الولاد كانوا بيلعبوا برة.
حد خبط على الباب.
فتحت.
​كانوا واقفين كلهم.
أمي بالبالطو الشيك بتاعها.
أبويا وراها حاطط إيده في جيبه.
“ماجد”.
“شيرين”.
ناس ما شفتهمش مع بعض من قبل الطلاق.
​أمي كانت شايلة ورد من المحل ملفوف في سلوفان ببيخروش.
لثانية غريبة، قعدت أبص لهم وبس.
الناس دول، كل واحد بطريقته، قالوا لي “لا” لما الكلمة دي كانت ممكن تهدني.
أخر بني آدم مهم وقف على السلم ده وكان شايل حاجة كانت “مس مرفت” بكشكول.
دلوقتي المجموعة دي جاية بعد ما حياتي بقى لها قيمة.
​أمي اتكلمت الأول.
عينها كانت مبلولة خلاص بدموع التماسيح اللي طول عمرها بتعرف تطلعها لما تحتاجها.
“يا جنى،” قالت لي، “إحنا قعدنا وفكرنا كتير. عايزين نصلح اللي اتكسر. إحنا أهل. وهنفضل أهل.”
​أبويا كان باصص في أرضية المصطبة.
“شيرين” ظبطت وشها على ابتسامة دافية.
“ماجد” بص ناحية الولاد في الجنينة.
ولاده.
العيال اللي ما كلفش نفسه يسأل عنهم من أكتر من سنة.
​وقفت على باب البيت اللي كلامي هو اللي ساعد في شراءه وفهمت بالظبط إيه اللي بيحصل.
الناس اللي قالوا لي اتصرفي مع نفسك لوحدك، رجعوا أول ما العيشة بقت تستاهل يلزقوا نفسهم فيها.
​ما عزمتش عليهم يخشوا.
طلعت على المصطبة.
قفلت الباب ورايا عشان الولاد ما يسمعوش.
​وبعدين جت أرخص وأغرب دخلة مساومة في حياتي.
أمي بدأت بكلام الأهل.
“الدم مش بيتحول مية.”
“جنى الله يرحمها كانت هتبقى عايزانا مع بعض.”
استخدمت بنتي الميتة كجزء من الملاوعة.
سبتها تكمل لأن الناس بتكشف نفسها لو اديتهم سكوت كافي.
​سرعان ما الكلام بقى محدد أكتر.
الكتاب اتجاب سيرته.
قد إيه هيبقى حلو لو الكتاب الجاي تضمن ذكريات العيلة الحلوة.
الأعياد.
الماضي.
​وبعدين “ماجد” اقترح بصوت واطي إن طالما الأمور ماشية معاكي تمام دلوقتي، يمكن نقدر نكون عقلانيين ونساعد بعض.
أهي الكلمة دي ظهرت تاني.
المساعدة.
نفس الكلمة اللي استخدمتها في سلم المستشفى من سنة.
دلوقتي راجعة من الناس اللي رفضوا يدوها.
إلا إن دلوقتي فيه فلوس ملزوقة باسمي.
ففجأة المساعدة بقت حاجة الأهل مديونين بيها لبعض.
​وبعدين “ماجد” قال الحاجة اللي نهت الكلام حتى لو هو ما خدش باله.
قال إنه المفروض يبدأ يشوف “ياسين” و”سليم” بانتظام.
إن ما ينفعش أب يتحرم من عياله.
​”شيرين” جنبه ثبتت تماماً.
بصة اتنقلت بينهم.
افتكرت المكالمة.
“الوقت مش مناسب لينا دلوقتي.”
لينا.
هو ساب سنة كاملة من السكوت بينه وبين ولاده.
دلوقتي لما أمهم بقت حد الناس تعرفه، عايز يرجع.
​ما كنتش محتاجة إثبات عن القرار ده اتأخد إزاي.
هو راجل كبير.
مهما كانت “شيرين” عايزة، هو اختار يختفي برضه.
الظلم اللي وقع على ولادي كان الجزء الوحيد في التمثيلية دي اللي تحرك فيا حاجة بجد.
​”شيرين” حسّت بتغير الجو.
قربت خطوة بأدفأ ضحكة تقدر تتصنعها.
“يا جنى، اسمعي. إحنا ما كناش نقصد كلام الكاتبة الغلبانة ده خالص. ده كان يوم صعب ومشدود على الكل. ما كناش نقصد.”
​كنت هحترم البجاحة دي.
بس السنة اللي فاتت علمتني حاجة.
أنت مش محتاج تعلي صوتك عشان تكسب.
ما زعقتش.
كل ما صوتهم يعلى، كل ما أنا أهدى.
لأنني ما بقيتش محتاجة أي حاجة من أي حد فيهم.
والشخص اللي مش محتاج منك حاجة، مستحيل تتحكم فيه.
​قلت لهم بهدوء إن الإجابة “لا”.
لا للكتاب الجاي.
لا للأعياد.
لا لفكرة المساعدة بين الأهل.
​دموع أمي الاحترافية اختفت بسرعة أول ما فهمت إنها مش جايبة نتيجة.
اللي حل محلها كان الغضب.
“بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك؟” قالت بصوت بيعلى. “جاية دلوقتي تتخلي عن أمك؟”
​تتخلي.
الست اللي قعدت تتفرج على رسايلي من غير ما ترد، بتتهمني إنني بتتخلى عنها على مصطبة بيتي.
​”شيرين” دخلت في الكلام.
بتتكلم بسرعة عن قد إيه أنا مش عادلة.
وإزاي أنا بعاقب ابنها الصغير على مشاكل الكبار.
وإزاي أنا نشرت أسرار العيلة في كتاب عشان أفضحهم.
​الستين صوتهم بقى أعلى.
بيتكلموا فوق بعض.
فضلت في مكاني.
هادية.
بصمت.
​”ماجد” ما قالش حاجة.
“ماجد” دايماً مش بيقول حاجة.
​وبعدين أبويا، اللي قضى عمره كله بينكمش ورا أي حاجة تختارها أمي، عمل حاجة مختلفة.
رفع عينيه من على أرضية المصطبة.
بص لي مباشرة.
عينيه كانت مبلولة.
المرة دي، ما بصش بعيد.
​”يا جنى،” قال.
صوته اتكسر.
“كان المفروض عليّ إني—”
​وبعدين سكت.
الجملة فضلت مش كاملة في هواء الصيف.
“كان المفروض عليّ إني…”
الباقي كان تقيل عليه بعد 63 سنة من شيل ولا حاجة.
​لثانية واحدة، شفت الشكل الحزين كله لأبويا.
راجل عارف.
كان طول عمره عارف.
واختار السكوت مرات كتير لدرجة إن السكوت بقى لغته الوحيدة.
​وبعدين أمي ندهت اسمه بحزم:
“فاروق.”
​قفل بؤه.
رجع خطوة ورا جنبها.
اختارها تاني.
طول عمره هيختارها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *