اهلي رفضوا 2الاخير

أبويا كان واقف جنب الحيطة طول الوقت.
عنيه كانت مبلولة.
وإيديه متدلدلة من غير لازمة جنب جنبه.
لثانية واحدة، عيني جت في عينه.
بص بعيد الأول.
وجودهم في العزا ده كان أبرد من غيابهم طول الشهر.
على الأقل الغياب كان صريح.
هكون صريحة عن الأسبوع اللي بعد كده، لأن كان فيه ليلة، بعد أربع أو خمس أيام من دفن “جنى”، قعدت فيها على ترابيزة المطبخ بعد ما “ياسين” و”سليم” ناموا، وما كنتش عايزة الصبح ييجي.
مش هطول هناك.
الناس اللي وقفت في الضلمة دي بالذات عارفين أنا أقصد إيه.
قاع الحزن ده مكان بجد.
أنا كنت هناك.
العالم كان بقى صغير وساكت.
ساكت زيادة عن اللزوم.
اللي رجعني كان صوت.
صوت نفس ولادي في الأوضة اللي جنبي.
نفس “ياسين” العميق.
ونفس “سليم” السريع الصغير.
مش على ريتم واحد، زي ما بيناموا دايماً.
قعدت هناك أسمع.
ولدين خسروا أختهم خلاص.
وأب قال: “الوقت مش مناسب.”
وجدود قعدوا يتفرجوا على التليفون وهو بيرن.
لو خسروني أنا كمان، مش هيبقى عندهم حد.
أنا قضيت شهر بتعلم إن الشخص الوحيد اللي بيظهر لعيالي بجد هو أنا.
فقررت أوفق على حيلتي وأكمل حضور.
مش لأنني حاسة إنني قوية.
لأن ولادي كانوا لسة بياخدوا نفسهم، وأنا ملكهم.
بعد أسبوع من وفاة “جنى”، حد خبط على باب البيت.
كنت هطنش.
ما كنتش في مود زيارات، وافترضت إنها جارة تانية جايبة صينية أكل لأن الحزن في منطقتنا بييجي في صياني ألومنيوم.
الخبطة جت تاني.
صبورة.
مش رخيمة.
حاجة خليتني أقف.
كانت “مس مرفت”.
برة النوبتجية.
ببنطلون جينز.
وكارديجان.
عمري ما شفتها برة البالطو الأبيض.
كانت شبه خالة حد، مش الممرضة اللي وِطِت صوت الماكينة عشان أودع بنتي بنجاح.
كانت شايلة حاجتين.
الأولى كانت طاجن بايركس تاني بغطا أزرق.
والتانية كانت كشكول أسود عادي من المكتبة.
جديد.
استيكر السعر لسة عليه.
ما دخلتش جوة.
وقفت على السلم وقالت: “أنا عارفة إن ده مش مقامي ولا شغلي.”
قلت لها أنتِ الوحيدة اللي دا مقامك وشغلك.
وبعدين سلمتني الكشكول.
قالت: “أنتِ كنتِ بتكتبي الساعة 3 الصبح لسبب. حتى لما كنتِ تعبانة ومش شايف قدامك، كنتِ بتكتبي. فاكتبي. حتى الحاجات اللي مش عارفة تقوليها بصوت عالي، بالذات دي.”
أخدته.
ما وعدتهاش بحاجة.
كنت غير قادرة على الوعود في الأسبوع ده.
بس وقفت على الباب مسكة الكشكول الرخيص ده بإيديا الإتنين.
بعد سنة، مجموعة ناس مختلفة تماماً هتقف على نفس الباب ده.
وحاجة جوة صدري اتفكت بدرجة واحدة صغيرة.
ما كتبتوش الليلة دي.
التاني يوم الصبح، قبل ما الولاد يصحوا، قعدت بالقلم الرصاص وكشكول من الأصفر القديم.
أول جملة كتبتها كانت عن التوست.
“جنى” وهي عندها سبع سنين وعلى الكورتيزون، بتزعق لأنني قطعت التوست مربعات وهي كانت عايزاه مثلثات.
كتبتها لأنها حاجة عادية جداً بالنسبة لخطبة عزا، وحية جداً صعب تتنسى.
أول ما كتبت جملة صادقة واحدة، اللي بعديها جت.
كتبت عن كتاب الخيل.
عن المناكير.
عن الطريقة اللي كانت بتدير بيها حياة إخواتها من سرير المستشفى.
وفي الآخر، كتبت عن المستشفى كمان.
الأجزاء اللي قالت لي ما أكتبهاش لأنها كانت عندها تسع سنين وغلطانة في الحاجة دي بالذات.
كتبت عن التليفون وهو بيرن الساعة 8:14.
عن صورة نادي الزهور.
عن النايت كلوب.
وكتبت:
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك.”
بالظبط زي ما “شيرين” قالتها.
حطيت الجملة على الورق وكان دي أول مرة أقدر أبص لها من غير ما أترعب.
بقيت بني آدمين تاني.
الصبح، أم بتعمل فطار، بتشتري طلبات لمشروع العلوم، وبتتعلم تكون الأب والأم لولدين بدل تلت عيال.
بالليل، الست اللي مسكة القلم الرصاص.
أنا ما كتبتوش عشان أنشر.
عايزة ده يكون واضح.
كتبته عشان أتنفس.
الورق اترمى فوق بعضه على ترابيزة المطبخ.
بالبطء، ومن غير ما يسألني، بدأ ياخد شكل.
لو خسرت حد والكلام محبوس ورا سنانك، سيبني أقول لك اللي “مس مرفت” قالته لي.
اكتب جملة واحدة صادقة.
مش عشان تنشرها.
ولا عشان تاخد موافقة حد.
جملة واحدة بس تكون حقيقة.
حتى لو كانت عن التوست.
دي الحاجة اللي ساعدت في إنقاذ حياتي.
بعد كام أسبوع، “مس مرفت” قالت لي عن جروب دعم نفسي للحزانى ببيتقابل يوم الخميس بالليل في الأوضة الخلفية بمكتبة المعادي العامة تحت إضاءة نيون وحشة بس قهوة حلوة بشكل مفاجئ.
كنت مش هروح.
روحت لأنها عرضت تقعد مع الولاد.
والشخص اللي يوطي صوت ماكينة المستشفى عشانك، يستاهل تقول له “حاضر”.
كان فيه تمان أشخاص، ومسؤول الجروب، وعلبة مناديل ما حدش لمسها.
سألوا لو حد عايز يقرأ.
كان معايا صفحة في شنطتي.
ما كانش قصدي أتطوع.
بس إيدي دخلت وطلعتها.
قرأت قصة التوست.
المربعات.
المثلثات.
الزعاق.
لما خلصت، الأوضة كانت ساكتة.
ست كبيرة في الوش، كانت خسرت ابنها، مديت إيدها وحطت إيدها على معصمي.
ما قالتش حاجة.
دي كانت أول مرة حقيقتي تنزل قدام ناس غريبة ويشهدوا عليها وخلاص.
ما حدش بررها.
ما حدش قال لي أنتِ اخترتي العيشة دي.
ما حدش قال لي اتصرفي مع نفسك.
سمعوا.
والسمع ده طلع حاجة أقدر أقف عليها.
الست دي كان اسمها “فريدة”.
قبل ما تطلع معاش، كانت شغالة محررة في دار نشر لمدة تلاتين سنة.
على القهوة، سألتني إذا كان فيه أكتر من الصفحة دي.
قلت لها ترابيزة المطبخ متغطية ورق.
سألتني إذا كانت تقدر تقرأهم.
أول إحساس جالي كان “لا”.
الورق ده بتاعي أنا و”جنى”.
بس “فريدة” كانت خسرت ضناها هي كمان.
فيه ناس بتثق فيهم لأنهم عدوا من نفس النار.
قرأت الورق على مدار أسبوعين.
وبعدين قالت لي بصراحة إن ده كتاب.
كتاب بجد.
يستاهل يكون موجود.
قالت لي إنها تعرف محررة في دار نشر صغيرة ممكن تكون عايزة تشوفه.
عايزة أكون صريحة في اللي حصل بعد كده، لأن الناس بتحب قصص المحرر اللي بيقرأ المسودة وفجأة كل حاجة بتتغير.
ده مش اللي حصل.
أول دار نشر رفضت.
والتانية رفضت.
التالتة قالت الكتابة قوية بس الموضوع هيكون صعب يتباع.
قررت أسامح الجملة دي.
أخدت سنة كاملة ورفة رفض لغاية ما دار نشر صغيرة في الإسكندرية وافقت في الآخر.
المقدم كان بسيط.
عيطت عليه برضه.
مش عشان الفلوس.
عشان حد ما عندوش سبب يكون لطيف قرأ أوحش سنة في حياتي وقرر إنها تفرق.
سمينا الكتاب من حاجة “جنى” كانت قالتها قرب النهاية.
وهي نص نايمة، بتتكلم عن الخيول في كتاب من كتبها وهي بتهرب من إسطبل بيتحرق، قالت إنهم كان شكلهم أحسن وأحلى بعديها والدخان لسة عليهم.
“من بين الرماد”.
هي اللي سمته.
هي بس ما كانتش تعرف.
كتاب “من بين الرماد” نزل يوم تلات في الربيع، بعد سنة بالظبط من وفاة “جنى”.
في أول أسبوعين، عمل اللي معظم كتب دور النشر الصغيرة بتعمله.
لا حاجة تقريباً.
بعدين أم عندها متابعين كتير على النت، ست كانت خسرت طفل هي كمان، قرأته ونزلت عنه.
حاجة اتفتحت.
الكتاب انتشر بالطريقة اللي الحزن بينتشر بيها أول ما يلقى كلام ينطقه.
من أم لأم.
من جروب لجروب.
في الأماكن اللي على النت اللي الستات في سني بيعيشوا فيها حياتهم الحقيقية.
وصل لقائمة الأكثر مبيعاً في الأهرام.
وبعدين قائمة تانية.
المكتبات بدأت تطلب تاني.
الرسائل بدأت تيجي.
بالمئات.
ستات ناموا على كراسي المستشفيات وأقاربهم طنشوا مكالماتهم.
ستات اتقال لهم اتصرفوا مع نفسكم.
ستات شالوا حاجة تقيلة لوحدهم وفكروا إنهم الوحيدين.
ما كانوش الوحيدين.
ولا أنا كمان.
وده كان الهدف.
والهدف كان بيوصل للناس.
وهنا الجزء اللي يفرق في اللي حصل بعد كده.
أنا ما غيرتش اللي حصل في الكتاب.
كتبت الحقيقة عن التليفون وهو بيرن الساعة 8:14.
نادي الزهور.
النايت كلوب.
وفي الصفحة 204، أي حد يشتري الكتاب يقدر يقرأ الكلام بالظبط اللي مرأة طليقي قالته وبنتي بتموت.
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك.”
ناقد كبير حط الجملة دي في عنوان المراجعة بتاعته.
انتشرت في كل حتة.
“شيرين” كانت قالتها مرة في مطبخ، فاكرة إن ما حدش هيسمعها أبداً.
دلوقتي الناس بتكررها في ناديات الكتب في كل المحافظات.
أنا عمري ما رفعت صوتي عليها.
ولا بعت رسالة زاعقة.
كتبت اللي حصل بالحقيقة.
والمئات من الغرباء بقوا شهود.
جروب العيلة كان ساكت لأكتر من سنة.
“عائلة الفاروق” بالقلب الأزرق الصغير كان هدي بعد عزا “جنى”.
كنت نزلته تحت في الرسائل وبطلت أبص عليه.
فعرفت لما لقيتها نورت تاني فجأة.
الكتاب كان نزل بقاله شهر تقريباً.
الظاهر صحفي اتصل بأمي عشان ياخد تعليق.
دي كانت الطريقة اللي عرفت بيها إن موت حفيدتها بقى قصة الغرباء بيقرأوها.
فجأة، أمي نزلت صورة الغلاف.
“فخورة جداً ببنتي الكاتبة”، كتبت مع قلب أحمر.
نفس القلب اللي حطته جنب كيكة الموز وأنا بشحت منها المساعدة.
فخورة جداً.
كأن الفخر اللي جاي متأخر سنة لسة له قيمة.
وبعدين “شيرين” عملت ريفيو خمس نجوم للناس كلها.
“طول عمري عارفة إن عندها الموهبة دي.”
الريفيو كان فيه: “ست شجاعة وموهوبة جداً.”
“شيرين”.
الست اللي قالت جملة الكاتبة الغلبانة.
دلوقتي بتعمل ريفيو للكتاب اللي فيه الجملة دي بالظبط وبتقول على الكاتبة موهوبة.
قرأتها تلت مرات عشان أتأكد إنها بجد.





