اهلي رفضوا 2الاخير

.​لمدة تلت أسابيع، أقنعت نفسي تقريباً إن الدنيا فعلاً هتهدى.
ما كنتش اعرف إن الأسابيع قربت تخلص
​العلاج بطل يجيب نتيجة بالطريقة اللي الكل كان مأمل فيها.
مش همشيك في التفاصيل الطبية.
لو عشتها، أنت مش محتاجها.
ولو ما عشتهاش، يفضل أرحمك منها.
​اللي عايزة أقوله لك هو “جنى” كانت عاملة إزاي.
فضلت بتؤمر وتأمر.
فضلت بتضحك.
قبل النهاية بيومين، خليتني أوعدها بجدية تامة إن “سليم” مش هياخد الخبيئة السريعة بتاعت الحلوى اللي تحت سريرها، لأنه مش بيقدر الحلوى النظيفة وبيمضغها غلط.
وعدتها.
كنت أوعدها بالنجوم لو طلبت.
​سألت أسئلة غريبة وواضحة قرب النهاية، الأسئلة اللي الأطفال أحياناً بيسألوها لما يكونوا سبقوا الكبار بخطوة.
سألت هي هتوجع؟
قلت لها الحقيقة.
الدكاترة عندهم أدوية عشان ما توجعش.
هزت راسها زي المدير اللي بيوافق على الخطة.
​وبعدين في يوم، لقطتني وأنا بكتب في الكشكول الأصفر.
“يا ماما، أنتِ بتكوني زعلانة لما بتكتبي عني؟”
ما كنتش قلت لها إنني بكتب عنها.
ما كنتش متأكدة إنني اعترفت لنفسي حتى.
بس هي لاحظت إنني ببص لها فوق الصفحة.
العيال بيشوفوا كل حاجة.
قلت لها: “ساعات، بس في الأغلب بكون مبسوطة لأن ده معناه إنني هفضل شايلاكي على الورق كمان.”
​فكرت في الكلام ده.
قالت لي: “يبقى اكتبي الحاجات الحلوة. حاجات كتاب الخيل، مش حاجات المستشفى.”
قلت لها: “حاضر يا حبيبتي. الحاجات الحلوة.”
​قفت عينها.
قعدت والقلم الرصاص واقف في إيدي وفهمت إنها عارفة.
كان عندها تسع سنين.
وكانت عارفة.
وكانت لسة بتحاول تاخد بالها مني وهي على السرير ده.
سبتها تعمل كده.
​توفيت في الصباح الباكر يوم الحد، لما الطرقات كانت هادية والمبنى كله كان كأنه بيتنفس ببطء.
كنت صاحية طول الليل.
حوالي الساعة خمسة، بقت هادية بطريقة عرفت إنها مش الهدوء الكويس.
تسقّلت للسرير بالراحة بين الخراطيم وحضنتها زي ما حضنتها في أول صباح في حياتها، لما كانت زعلانة وحمرا وأنا مش فاهمة أنا بعمل إيه.
​”مس مرفت” كانت هناك.
نوبتجيتها كانت خلصت.
فضلت قائمة برضه من غير ما تعمل هيصة، زي ما بتعمل كل حاجة.
لما المؤشرات بدأت تضعف وتطول، “مس مرفت” مديت إيدها ووطت الصوت عشان الدقايق الأخيرة تكون ملكنا إحنا مش ملك الماكينات.
​مش هقول لك الباقي.
الجزء ده بتاعي أنا.
هقول لك بس إن بعديها الأوضة بقت ساكتة جداً.
نور الشمس الرمادي بدأ يخش من الشيش.
دكتور نائب صغير سألني بالراحة إذا كان فيه حد يقدروا يكلموه.
حد المفروض يكون موجود.
كنت هضحك.
لأن الإجابة الصادقة كانت: لا.
الناس اللي بتكلمهم هما الناس اللي بييجوا.
وأنا قضيت الشهر ده بتعلم بالظبط مين اللي بييجي ومين اللي بيقعد يتفرج على التليفون وهو بيرن.
​هزيت رأسي.
“مس مرفت” لمست كتفي لثانية، وبعدين راحت تعمل كل الحاجات اللي كان لازم تتعمل.
بصيت لإيديا، الإيدين اللي قضت تسع سنين بتتعلم وزن بنتي بالظبط.
ومن بين أنقاض الصباحية دي، لقيت جملة واحدة صادقة.
“أنا اديتها كل حاجة.”
كل حاجة حيلتي، اديتها لها.
​وبعدين قفلت الكشكول الأصفر وروحت أدور على تليفون.
كان لسة عندي ولدين في البيت ما يعرفوش إن أختهم مشيت.
​الأيام اللي بعد وفاة ضناك مش بتمشي زي الأيام العادية.
بتتسحب.
بفتكر فتافيت.
وأنا بقول لـ “ياسين”.
التغير اللي حصل في وشه.
“سليم” اللي ما كانش فاهم وبعدين فهم فجأة بعد تلت ساعات وهو في البانيو.
​بفتكر طاجن الخضار اللي كان لسة قاعد جنب الباب.
وبفتكر العزا، لأن ده الوقت اللي أهلي شرفوا فيه أخيراً.
جوا بهدوم سودا وحزن بصوت أعلى من أي حاجة سمعتها منهم من سنين.
أمي عيطت أكتر من أي حد في القاعة.
وقفت جنب الباب تمسك إيدين الناس وتاخد العزا كأنها قضت الشهر اللي فات جنب “جنى” بدل ما تكون في نادي الزهور الساعة 8:14 في أوحش ليلة في حياتي.
​سمعتها بتقول لقريبتنا بصوت خشوع بتاع العزايات:
“عملنا كل اللي يقدر عليه ربنا. كل اللي نقدر عليه.”
كنت واقفة على بعد تلت أمتار مسكة إيدين ولادي.
ما صححتش كلامها.
أنت مش بتحارب في عزا بنتك.
وجزء مني فهم إن الكذبة دي كانت الطريقة الوحيدة اللي تخليها تقدر تقف في الأوضة أصلاً.
​”شيرين” بعتت بوكيه ورد.
كان ضخم.
ليلي أبيض.
أغلى بوكيه في القاعة كلها.
شريط مكتوب عليه “إلى حبيبتنا جنى” بماء الذهب.
هي و”ماجد” ما جوش.
الورد هو اللي جه.
خليت الناس تنقله ورا.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *