جوزى منعنى اروح ذكرى فاة ابويا

جوزي منعني أروح ذكرى وفاة أبويا، ووقف قدام باب البيت وقال لي بمنتهى البرود
لو خرجتي من البيت ده عشان تروحي لأمك… تبقي طالق.
بصيتله وأنا مش مصدقة إن الراجل اللي أبويا وقف جنبه في أصعب أيامه، بيخيرني دلوقتي بين جوازي وبين إني أقف جنب أمي في أول ذكرى لوفاته.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما حماتي حطت ورق الطلاق قدامي وقالت بسخرية
يلا امضي… ورينا هتختاري أبوكي الميت ولا جوزك وبيتك.
مسكت القلم ومضيت من غير ما تنزل مني دمعة واحدة، وخدت شنطتي وخرجت.
كانوا متأكدين إني هرجع لهم مكسورة وندمانة…
بس هو لسه ماكانش يعرف السر اللي أنا مخبياه عنه بقاله 3 سنين………
.
الجزء الأول
لو خرجتي من الباب ده وفضلتي تروحي ذكرى أبوكي، تمضي على ورق الطلاق قبل ما تمشي.
صوت محمود نزل عليا زي الصفعة.
وقفت مكاني من غير ما أتحرك.
كان جنبي شنطة سفر صغيرة.
أنا ماكنتش طالبة حاجة كبيرة.
كل اللي طلبته إني أسافر اليوم ده من القاهرة لبلد أمي، عشان أقف جنبها في أول ذكرى سنوية لوفاة أبويا.
أمي من يوم ما أبويا مات وهي تقريبًا لوحدها.
والذكرى دي كانت صعبة عليها جدًا.
كنت عايزة أحضر معاها وأقعد جنبها كام ساعة اواسيها فى حزنها ، وبعدها أرجع بيتي في نفس الليلة.
وعشان محدش يقول إني قصرت في حاجة، كنت مجهزة كل حاجة من الليلة اللي قبلها.
عملت الأكل.
نضفت البيت.
رتبت الصالة.
وحتى الحلو اللي كان المفروض يتقدم لضيوف محمود كنت مجهزاه، لأن كان عنده كام واحد من زمايله وشركائه في الشغل جايين يزوروه.
يعني ماكنتش سايبة ورايا أي حاجة ناقصة.
لكن حماتي، الحاجة ثريا، وقفت قدام باب الشقة كأنها بتحرسه.
بصتلي من فوق لتحت وقالت
أبوكي مات خلاص يا بنتي. واللي مات ما بيرجعش. إنتِ عندك واجبات ناحية الناس اللي لسه عايشة.
ضغطت
على شفايفي عشان ما أردش عليها بطريقة أندم عليها.
وقلت بهدوء
يا حاجة ثريا، أنا هرجع بالليل. أمي لوحدها، والنهارده أول ذكرى لأبويا. كل اللي عايزاه إني أبقى جنب امى.
في اللحظة دي، محمود نزل من على السلم وهو بيظبط جاكيت بدلته.
من ساعة ما اترقى وبقى مدير إقليمي في مجموعة النخبة، طريقته اتغيرت تمامًا.
بقى ماشي في البيت كأن كل اللي حواليه شغالين عنده.
حتى نظرته ليا اتغيرت.
مع إن من 3 سنين بس، لما كان قاعد من غير شغل، محمود كان شخص تاني خالص.
كان بيعمل لي القهوة وأنا بشتغل لوقت متأخر.
كان يقعد جنبي ويقول لي
عمري ما هنسى إنك الوحيدة اللي وقفتي جنبي وأنا في أسوأ أيام حياتي.
وقتها ماكانش معاه حتى تمن مواصلاته في أيام كتير.
وأنا اللي كنت بدفع مصاريف البيت.
وأنا اللي كنت بجيب الأكل.
وأنا اللي كنت بسدد الفواتير.
وأنا اللي كنت بساعده يدور على شغل.
وعمري، ولا مرة واحدة، عايرته بجنيه صرفته عليه.
لكن الراجل اللي كان واقف قدامي دلوقتي، ماكانش شبه محمود اللي عرفته وقتها.
بصلي بضيق وقال
إيه المشكلة يعني؟ ما تروحي يوم تاني.
بصيتله باستغراب.
يوم تاني إزاي يا محمود؟ دي ذكرى وفاة أبويا.
رد ببرود
ما تعمليش منها قصة كبيرة. إنتِ دلوقتي مراتي، وليكي بيت وجوز. لازم تتعلمي أولوياتك فين.
ابتسمت حماتي ابتسامة رضا وقالت
أهو ده الكلام. الست المحترمة تعرف بيتها وجوزها أهم من أي حاجة.
بصيت لمحمود كام ثانية.
كنت مستنية أشوف في عينه أي تردد.
أي إحساس.
أي ذكرى للأيام اللي أبويا نفسه كان بيستقبله فيها في بيته ويحترمه.
لكن ما شوفتش حاجة.
سألته
إنت بجد هتمنعني إني أروح لأمي النهارده؟
قال بمنتهى الثبات
أيوه.
بلعت ريقي.
وسألته
ولو روحت برضه؟
محمود ما ردش على طول.
راح ناحية الكومود اللي جنب الصالة، فتح الدرج،
وطلع منه ملف.
حطه فوق الترابيزة.
وبعدين سحب منه ورقة ورماها قدامي.
بصيت عليها…
واتجمدت.
كانت أوراق طلاق مجهزة من قبلها.
كل البيانات موجودة.
كل حاجة متحضرة.
والمكان الوحيد الفاضي…
كان توقيعي.
رفعت عيني وبصيت لمحمود.
في اللحظة دي فهمت حاجة أهم بكتير من الخناقة نفسها.
الورق ده ما اتجهزش دلوقتي.
يعني محمود ماكانش بيتكلم بعصبية.
وماكانش بيهددني في لحظة غضب.
الموضوع كان مترتب من قبلها.
حماتي ضحكت ضحكة صغيرة وقالت
يلا يا بنتي… امضي. ورينا بقى شجاعتك.
محمود شبك إيديه قدام صدره وقال
القرار قرارك. بس لو خرجتي من البيت، ما ترجعيش تاني.
وسكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة كلها غرور
وبالمناسبة، ما تنسيش إنك من غيري ما عندكيش حاجة. مرتبك بالعافية مكفيكي. كام شهر وهتعرفي قيمة البيت اللي إنتِ عايشة فيه، وساعتها هتيجي بنفسك تترجيني أرجعك.
فضلت باصة له.
وكل كلمة كان بيقولها كانت بترجعني 3 سنين لورا.
للأيام اللي كان هو فيها من غير مرتب أصلًا.
للأيام اللي كنت أنا بدفع فيها إيجار البيت.
للأيام اللي كنت بحط له فلوس في جيبه من غير ما أحسسه إنه محتاج.
لليالي اللي كنت بسهر فيها أراجع له السيرة الذاتية وأدور له على فرص شغل.
للمقابلات اللي ساعدته يوصل لها.
ولليوم اللي رجع فيه فرحان وقال لي إنه أخيرًا اتقبل في وظيفة محترمة.
وقتها حضنني وقال
الفضل بعد ربنا ليكي.
لكن واضح إنه نسي.
أو يمكن…
هو ماكانش يعرف الحقيقة كاملة من البداية.
مديت إيدي بهدوء.
مسكت القلم.
لأول مرة، ابتسامة حماتي اختفت شوية.
يمكن كانت متوقعة إني أعيط.
يمكن كانت مستنية إني أترجاه.
محمود نفسه بصلي باستغراب.
مسكت الورق…
ومضيت.
ثريا فتحت عينيها.
أما محمود فسكت كام ثانية، كأنه مش مستوعب إني فعلًا عملتها.
وبعدين حاول يرجع غروره
بسرعة وقال
تمام.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وكمل
هنشوف كبرياءك ده هيستمر لحد إمتى.
ما رديتش عليه.
حطيت القلم فوق الترابيزة.
طلعت صورة صغيرة لأبويا من الدرج، وطويتها بحرص وحطيتها جوه شنطتي.
مسكت الشنطة بإيد.
ومشيت ناحية الباب.
ولا محمود وقفني.
ولا حماتي نادت عليا.
لكن وأنا بقفل الباب ورايا، سمعت صوت ثريا وهي بتقول
يومين بالكتير وهترجع تعيط على الباب.
وقفت ثانية واحدة.
لكن ما بصتش ورايا.
وكملت طريقي.
ماكانوش يعرفوا إن الرجوع كان آخر حاجة بفكر فيها.
وماكانوش يعرفوا إن الوظيفة اللي محمود بيتباهى بيها…
والمنصب اللي خلاه يتعامل معايا كأني أقل منه…
والشركة اللي كان فاكر إنه وصل لها بمجهوده لوحده…
وراهم حكاية عمره ما عرفها.
وإن السر اللي خبيته عنه 3 سنين كان أخيرًا على وشك يطلع للنور.
يتبع… الجزء الثاني
الجزء الثاني
الأتوبيس كان ماشي وسط زحمة الطريق، وأنا قاعدة جنب الشباك، باصة للطريق والدموع بتنزل على وشي من غير حتى ما أمسحها.
ماكنتش بعيط على محمود بس.
كنت بفكر في أبويا…
وفي التلات سنين جواز اللي خرجت منهم من ساعات بورقة طلاق وشنطة صغيرة.
وأكتر حاجة كانت بتوجعني إني كل ما أفتكر محمود زمان، أسأل نفسي
هو إمتى بقى الشخص ده؟
لما عرفته، محمود كان قاعد من غير شغل.
كان خريج إدارة أعمال، شاطر فعلًا وعنده طموح، لكن بقاله شهور بيبعت سيرته الذاتية لكل شركة يسمع عنها، ومحدش حتى كان بيرد عليه.
أنا وقتها كنت شغالة في قسم الحسابات في شركة متوسطة.
مرتبي ماكانش كبير، لكن كان مكفيني.
وعمري ما خليت محمود يحس إنه أقل مني عشان ظروفه.
حتى بعد ما اتجوزنا، فضل فترة مش قادر يلاقي شغل ثابت.
وفي ليلة، كان قاعد جنبي على الكنبة، باصص في الأرض، وقال لي بصوت مكسور
يمكن الأحسن تسيبيني يا فاليريا.
.. أنا مش عايز أجرّك معايا في حياتي دي.
مسكت إيده وقتها وقلتله
أنا اتجوزتك إنت يا محمود، ما اتجوزتش حسابك في البنك.
رفع عينه وبصلي، والدموع كانت واقفة
حضني وقال لي
عمري ما هنسى وقفتك جنبي.
لكن الحقيقة إن بعد الليلة دي بكام يوم…
أنا عملت مكالمة محمود عمره ما عرف عنها حاجة.
خالي رياض الشناوي كان رئيس مجلس إدارة مجموعة النخبة، واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية في مصر.
ودي كانت حاجة محمود أصلًا مايعرفهاش.
عيلتي كان عندها فلوس ونفوذ أكتر بكتير مما هو متخيل، لكن أبويا وأمي ربوني من صغري إني ماعتمدش على اسم العيلة.
أبويا كان دايمًا يقول لي
اللي يعيش باسم أهله عمره ما هيعرف قيمته الحقيقية.
وعشان كده اشتغلت بمرتبي، وعشت حياة عادية، وماكنتش بحب أتكلم عن علاقات العيلة أو فلوسها.
لكن يومها…
كسرت القاعدة دي عشان محمود.
اتصلت بخالي رياض وقلتله
يا خالي، أنا عمري ما طلبت منك حاجة… بس المرة دي عايزة منك طلب.
قال لي
قولي يا بنتي.
قلت
ادّي محمود فرصة. فرصة واحدة بس. دخّله مقابلة شغل عندكم، ولو مش مناسب ارفضه. بس أرجوك… ما تقولوش إني كلمتك.
سكت خالي لحظات، وبعدين قال
عشانك إنتِ، هخليه يدخل مقابلة زي أي حد. والباقي عليه.
بعد أسبوع واحد…
محمود جاله اتصال من مجموعة النخبة.
كان مطلوب منه يروح مقابلة شخصية.
فاكرة اليوم ده كويس.
دخل عليا وهو بيجري من الفرحة، وشالني من على الأرض وقال
مش مصدق! أكبر شركة قدمت فيها هي الوحيدة اللي ردت عليا!
ضحكت.





