رجعت البيت

رجعت البيت بدري عن ميعادي، ولقيت الخدامة الشابة قاعدة على أرض المطبخ وحواليها بناتي التلاتة بيضحكوا.
ولأول مرة من يوم ما أمهم ماتت، كنت سامع ضحكتهم.
كنت على بُعد ثواني إني أطرد البنت دي من البيت، لولا إن بنتي الكبيرة شدتني من الجاكت بتاعي، ورفعت عينيها في عيني وقالت أول جملة تنطقها من أربعاشر شهر
بابا هو إنت اللي قتلت ماما؟
اتجمدت مكاني.
أنا اسمي آدم الشناوي.
ورجوع الرجالة اللي زيي للبيت عمره ما بيكون بميعاد معروف.
طول الخمستاشر سنة اللي فاتوا، اتعودت إني مظهَرش غير لما أبقى عايز أظهر.
المفاجأة كانت س\\لاحي.
عدم التوقع هو اللي خلاني أطلع سليم من كمين ورا كمين، ومن ملاحقات الشرطة، ومن رجالة كتير كانوا بيضحكوا في وشي وهم مخططين يخلصوا مني.
بالنسبة للناس، أنا رجل أعمال ناجح، وفلوسي بالمليارات، واسمي معروف في القاهرة والإسكندرية.
لكن جوه عالم تاني محدش بيتكلم عنه
كان فيه ناس كتير جدًا بتسمع كلامي من غير ما تسأل ليه؟
وعشان كده، لما عربيتي المصفحة دخلت بوابة الفيلا بتاعتي في التجمع قبل ميعادي بيومين، محدش كان مستنيني.
الحراسة ما كانتش مستعدة.
والخدم ما كانوش عارفين إني راجع.
لكن أول حاجة سمعتها وأنا نازل من العربية
كانت ضحكة.
ضحكة طفلة.
وقفت مكاني.
إيدي راحت تلقائيًا ناحية الس\لاح اللي تحت الجاكت.
سمعت ضحكة تانية جاية من ناحية المطبخ.
ضحكة بنت صغيرة.
وبعدها قلبي اتقبض.
بناتي ما ضحكوش بالشكل ده من يوم ما نور ماتت.
من أربعاشر شهر.
مراتي كانت راجعة ببناتنا التلاتة من الحضانة، وكانوا لسه أربع سنين، لما تلات عربيات حاصروها عند إشارة في مدينة نصر.
الناس اللي كانوا عايزين يوصلولي، ما عرفوش يضربوني
فقرروا يضربوني في أغلى حاجة عندي.
مراتي.
أول ما الرصاص بدأ، نور ما فكرتش في نفسها.
رمت جسمها فوق البنات التلاتة وحمتهم بجسمها.
ملك، ليان، وسارة خرجوا من العربية من غير خدش واحد.
أما أمهم
فما خرجتش.
بعد الدفنة، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
البنات التلاتة بطلوا يتكلموا.
مش يومين.
ولا أسبوع.
أربعاشر شهر كاملين.
ودكاترة من القاهرة، ودكاترة سافرنا لهم بره مصر، كلهم قالوا نفس الكلام
دي صدمة نفسية شديدة والبنات دخلوا في حالة فقدان للكلام بسبب الصدمة.
أنا وقتها كنت مستعد أدفع أي فلوس في الدنيا عشان أسمع صوت واحدة منهم.
لكن مفيش دكتور قدر يرجّع صوتهم.
فأنا عملت الحاجة الوحيدة اللي بعرف أعملها كويس.
دخلت حرب.
وفي خلال تلات شهور، الشبكة اللي كانت ورا موت مراتي اختفت من القاهرة تقريبًا.
الناس اللي كانوا فاكرين إنهم يقدروا يقربوا مني، بقوا يخافوا حتى يسمعوا اسمي.
بس الانتقام، مهما كان قاسي
ما رجعش ضحكة بناتي.
ما خلّاش ملك ترجع تتخانق مع إخواتها على الألعاب.
ما خلّاش ليان ترجع تسألني ميت سؤال في اليوم.
وما خلّاش سارة تغني وهي بتجري في البيت.
وفي يوم، الحاجة أمينة، الست اللي كانت شغالة معانا بقالها خمستاشر سنة، وقفت قدامي وقالتلي
يا أستاذ آدم، البنات محتاجين حد هادي.
بصتلها من غير ما أرد.
كملت
البيت ده بقى كله خوف حتى هما بقوا خايفين منه.
قلت لها ببرود
وإنتِ عايزاني أعمل إيه؟
بصتلي في عيني وقالت
أجيبلك واحدة تكون عارفة يعني إيه خوف وعارفة كمان يعني إزاي تعدّي منه.
وافقت.
بعد كام أسبوع، جابت بنت شابة تشتغل في البيت.
ما سألتش عنها كتير.
ولا اهتميت أعرف تفاصيل حياتها.
كل اللي كنت عايزه إن البنات يبقوا كويسين.
لكن في اليوم اللي رجعت فيه بدري
سمعت الضحك.
دخلت المطبخ بهدوء.
ولقيتها قاعدة على الأرض، لابسة هدوم بسيطة، وشوية دقيق على خدها.
كانت بتحاول تعمل حاجة مع البنات.
سارة كانت بتضحك من قلبها.
ليان بتسقف بإيديها.
وحتى ملك
كانت مبتسمة.
المنظر كان غريب لدرجة إني حسيت إني داخل على بيت مش بيتي.
رفعت صوتي
إنتِ مين؟
البنت اتخضت وقامت بسرعة.
وفي نفس اللحظة، الحاجة أمينة دخلت ورايا.
قالت
أستاذ آدم استنى بس.
بصيت للبنت من فوق لتحت.
وقلت من غير تردد
اطرديها.
الصمت نزل على المطبخ مرة واحدة.
البنت وشها اصفر.
ليان مسكت إيد سارة.
والابتسامة اختفت من على وش ملك.
اختفت بسرعة لدرجة إني حسيت إني أنا اللي قتلتها بكلمتين.
وفجأة
ملك جريت ناحيتي.
مسكت في الجاكت بتاعي بكل قوتها.
نزلت لمستواها وقلت
ملك؟
جسمها كله كان بيرتعش.
أنا فضلت باصص لها.
أربعاشر شهر وأنا مستني اللحظة دي.
أربعاشر شهر وأنا بدعي ربنا أسمع صوت واحدة من بناتي.
دلوقتي
ملك رفعت وشها وبصتلي في عيني.
وشفايفها اتحركت بصعوبة.
وخرج منها صوت ضعيف، مبحوح
أول كلمة تقولها من يوم موت أمها.
همست
بابا
نفسي اتقطع.
وبعدها قالت
إنت اللي قتلت ماما.
محدش اتحرك.
محدش حتى عرف ياخد نفسه.
أما أنا
فحسيت إن الدنيا كلها وقفت.
لأن لو بنتي قالت الحقيقة
يبقى فيه سر أنا نفسي مش فاكره.
ولو كانت بتقول كده بسبب حاجة شافتها
فالسؤال الأخطر كان
مين اللي خلا بنتي تفتكر إن أبوها هو اللي قتل أمها؟
بابا إنت اللي قتلت ماما.
الكلمة نزلت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
بصيت لملك، وبعدين بصيت لأختيها.
ليان كانت مستخبية ورا سارة، وسارة ماسكة طرف هدوم البنت الجديدة.
أما البنت
فكانت واقفة مكانها من غير ما تتحرك.
لكن عينيها ماكانتش على ملك.
كانت عليّا أنا.
وبعد ثواني، سألتها
ملك مين قالك كده؟
ملك ما ردتش.
شدت في الجاكت أكتر، وبدأت تعيط من غير صوت.
قعدت على الأرض قدامها.
بصيلي يا حبيبتي.
رفعت عينيها.
ماما قالتلك إني قتلتها؟
هزت راسها بالنفي.
طب مين؟
سكتت.
وفجأة قالت
الراجل.
اتجمدت.
أنهي راجل؟
ملك بصت ناحية البنت الجديدة.
البنت كانت وشها متغير.
قلت
إنتِ تعرفي الراجل ده؟
هزت راسها بسرعة.
لا.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *