ريحة غريبة في عربيتي روايات احمد عمار حصرى

إزاي عشت مع إنسان إحدى عشرة سنة، وكنت فاكرة إني أعرفه أكتر من أي حد، وفي الآخر اكتشفت إني ما كنتش أعرف عنه أهم حاجة؟
بعد أسبوع، المحقق اتصل بيا وطلب مني أحضر جلسة جديدة.
المرة دي، كان فيه تطور مهم.
الفحوصات أكدت إن محتويات الكيس مرتبطة بالشخص المفقود، وإن فيه أدلة إضافية بتشير إلى إن العربية استُخدمت في نقل بعض الأشياء المرتبطة بالق\ضية.
لكنهم اكتشفوا كمان إن جوزي ما كانش الشخص الوحيد اللي عنده معلومات عن تحركات العربية.
كان فيه عامل سابق في شركته ظهر اسمه في تسجيلات تانية، وبدأ يتعاون مع التحقيق.
المحقق شرح لي إن الأدلة الجديدة ساعدتهم يعيدوا بناء جزء كبير من الأحداث، وإنهم بيحققوا في دور كل شخص على حدة.
ما قالش إن جوزي اتدان، وما حاولش يقنعني إن كل الأسئلة اتجاوبت.
لكن لأول مرة، حسيت إن الحقيقة بتظهر بدل ما تفضل مدفونة.
وقبل ما أمشي، سألته
هو جوزي كان بيخطط يخليني أتحمل المسؤولية؟
بص للملف قدامه.
لقينا مستندات بتشير لمحاولة تحميل استخدام العربية لطرف تاني، لكن لسه بنفحص مين اللي أعد المستندات ومين اللي كان عارف بمحتواها. محاميك يقدر يتابع معاكي أي تطورات تخص مسؤوليتك القانونية.
خرجت وأنا بفكر في ورقة الطلاق.
في البند اللي كان عايزني أمضي عليه.
وفي الطريقة اللي كان بيحاول بيها يقنعني إن التوقيع مجرد إجراء عادي.
لو كنت مضيت، كان ممكن ألاقي نفسي في مشكلة أكبر بكتير، حتى لو ما كنتش أعرف كل التفاصيل.
ولأول مرة، حسيت إن رفضي أمضي كان أهم قرار أخدته في حياتي.
بعد فترة، جوزي طلب يقابلني.
المحامية نصحتني إن أي تواصل بيننا يكون من خلال القنوات القانونية، خصوصًا إن التحقيق لسه مستمر.
لكن بعد ما اتحدد موعد رسمي للقاء بحضور ممثلين قانونيين، وافقت أسمع كلامه.
دخل المكان بملابس بسيطة، ووشه كان مرهق.
ما كانش فيه أي أثر للثقة اللي كان بيتكلم بيها زمان.
قعد قدامي، وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال
أنا عارف إنك مش هتسامحيني.
ما رديتش.
كمل
أنا ما كنتش عايزك تعرفي بالطريقة دي.
قلتله
كنت عايزني أعرف إزاي؟ لما أمضي على الورق وأتحمل المسؤولية مكانك؟
نزل عينيه.
أنا كنت خاېف.
وأنا؟ فكرت في خۏفي أنا؟ فكرت في ولادنا؟
بدأ يتكلم عن الشركة، وعن الخلافات المالية، وعن إنه كان حاسس إن كل حاجة پتنهار حواليه.
قال إنه اتخذ قرارات غلط، وإنه كان فاكر إنه يقدر يسيطر على الوضع قبل ما يكبر.
لكن كل ما كان بيحكي، كنت بحس إن فيه حاجة ناقصة.
مش لأنه ما كانش بيقول تفاصيل كفاية، لكن لأنه كان لسه بيتكلم عن نفسه باعتباره الشخص اللي اتعرض للضغط، مش الشخص اللي اختار يخبي الحقيقة عن أقرب إنسانة ليه.
قلتله
أنا مش هقدر أعيش معاك تاني.
رفع عينيه بسرعة.
عشان الق\ضية؟
هزيت راسي.
لأ. عشان الطريقة اللي بصيت بيها في عيني وأنا بسألك عن العربية، وقلتلي إني بخلق مشاكل من مفيش. عشان كنت مستعد تخليني أمضي على ورق يضرني، بدل ما تقول لي الحقيقة. وعشان لحد النهارده، إنت مركز على اللي ممكن يحصل لك، أكتر من تركيزك على اللي حصل ليا ولأولادنا.
قال بصوت مكسور
أنا لسه بحبك.
بصيتله، ولأول مرة ما حسيتش بالڠضب.
حسيت بالحزن.
حزن على البيت اللي بنيته معاه، وعلى السنين اللي قضيتها وأنا فاكرة إن الثقة معناها إنك ما تسألش.
قلتله
يمكن تكون بتحبني بطريقتك، لكن الحب مش إنك تطلب مني أثق فيك وأنا مش عارفة الحقيقة. الحب مش إنك تحطني في خطړ، وبعدين تطلب مني أحميك من عواقب قراراتك.
سكت طويلًا.
وبعدين سألني
يعني مفيش أي فرصة؟
رديت من غير تردد
أنا مش هارجع للجواز ده.
ما صرخش المرة دي.
ما هددنيش.
فضل باصص للأرض، وكأنه أخيرًا فهم إن فيه حاجات لما بتتكسر، الاعتذار لوحده ما بيصلحهاش.
الشهور اللي بعدها كانت صعبة، لكن الأمور بدأت تستقر.
التحقيق استمر، والق\ضية دخلت مراحلها القانونية، والمحامية تابعت كل المستندات الخاصة بيا وبأولادي.
أنا ما حاولتش أطلع بطلة في قصة حد، ولا سعيت إني أنتقم من جوزي بأي طريقة غير قانونية.
كل اللي عملته إني تعاونت مع التحقيق، وقدمت الأدلة اللي كانت عندي، ورفضت أتحمل مسؤولية حاجة ما عملتهاش.
وفي النهاية، ظهرت أدلة إضافية ساعدت جهات التحقيق تحدد مسؤوليات الأشخاص المتورطين في الق\ضية. اتخذت الإجراءات القانونية المناسبة بحق اللي ثبت تورطهم، وبقيت تفاصيل الق\ضية خاضعة للمحكمة.
أما أنا، فركزت على استعادة حياتي.
بدأت أرتب البيت من جديد، وخصصت لنفسي وقتًا بعيدًا عن الملفات والمكالمات والذكريات.
رجعت أخرج مع أولادي، وأروح الأماكن اللي بحبها، وأتعلم إني مش مضطرة أشرح لكل الناس ليه اخترت أبدأ من جديد.
وفي يوم، وأنا برتب حاجات قديمة في درج المكتب، لقيت صورة ليا أنا وجوزي من يوم فرحنا.
كنا واقفين جنب بعض، وبنضحك، ومقتنعين إننا هنفضل مع بعض طول العمر.
قعدت أبص للصورة شوية.
ما مزقتهاش، وما رميتهاش.
حطيتها في ظرف، وقفلت عليه.
لأن الماضي، حتى لو كان مؤلم، مش لازم نمحيه عشان نقدر نعيش بعده.
لكن مش لازم نرجع له برضه.
بعدها بأيام، وصلني آخر تحديث من المحامية بخصوص إجراءات الطلاق وحقوقي المالية.
كنت قد بدأت مرحلة جديدة، مش مثالية، لكنها واضحة.
ما بقيتش مضطرة أراقب عداد العربية، ولا أفسر تأخير جوزي، ولا أراجع كل كلمة بيقولها عشان أعرف إذا كانت الحقيقة ولا لأ.
وفي أول صباح حسيت فيه إني قادرة أتنفس من غير خوف، نزلت الجراج ووقفت قدام عربيتي.
كانت اتفحصت واتنضفت، وبعد انتهاء الإجراءات رجعت لي.
فتحت الباب، وقعدت ورا عجلة القيادة.
الريحة اختفت.
لكن الذكرى فضلت موجودة.
بصيت للمراية، وشفت وشي.
كنت مرهقة، آه.
كنت مچروحة، آه.





