ريحة غريبة في عربيتي روايات احمد عمار حصرى

لسه التحقيق مستمر، ومش هينفع أقول لك استنتاجات قبل ما نتأكد منها.
ما ضغطتش عليه.
كنت خاېفة من الإجابة، وفي نفس الوقت كنت محتاجة أعرفها.
رجعت البيت بعد ما خلصت أقوالي، لكن المرة دي ما دخلتوش بنفس الإحساس اللي كنت بدخل بيه كل يوم.
البيت اللي عشت فيه إحدى عشرة سنة، وربيت فيه طفلين، وشاركت جوزي فيه أحلامنا ومخاوفنا، بقى فجأة مكان غريب.
أول حاجة عملتها إني اتأكدت إن أولادي بخير. كانوا عند والدتي من اليوم اللي قبله، وده خلاني أتنفس شوية.
ما كنتش عايزاهم يشوفوا أي حاجة من اللي بيحصل.
بعدها، دخلت أوضتي، وفتحت درج مكتبي اللي كنت بحط فيه الأوراق المهمة.
كنت محتاجة أراجع أي حاجة ممكن تساعدني أفهم إذا كان فيه تصرفات تانية فاتتني.
بدأت بكشوف الحسابات، وبعدها فواتير البيت، وأوراق شركة جوزي اللي كان ساعات بيطلب مني أحتفظ بيها.
في الأول، ما لقيتش حاجة غريبة.
لكن وأنا بقلب في ملف قديم خاص بتأمين العربية، لاحظت ورقة مطبوعة من شركة التأمين، عليها تاريخ من حوالي شهر.
كانت طلبًا لتعديل بيانات استخدام السيارة.
الطلب مكتوب فيه إن العربية بقت تُستخدم بشكل منتظم في تنقلات مرتبطة بنشاط تجاري، وإنه مطلوب تعديل بعض تفاصيل التغطية التأمينية.
الغريب إن الإمضاء اللي في آخر الورقة كان إمضتي.
لكن أنا ما مضيتش عليها أبدًا.
قعدت على الأرض، وفضلت أبص للورقة كأني مستنية الحروف تتغير قدامي.
أنا ما كنتش فاهمة وقتها إذا كانت الورقة مرتبطة بالكيس ولا لأ، لكن وجود توقيع مزور باسمي معناه إن فيه حاجة تانية بتحصل من ورايا.
صورت الورقة بموبايلي، وحطيتها مكانها.
ما كنتش عايزة ألمس أي حاجة أكتر من اللازم قبل ما أتكلم مع المحقق.
بعدها، فتحت اللابتوب وبدأت أراجع الرسائل اللي وصلتني من شركة التأمين.
لقيت رسالة بتأكد استلام طلب التعديل، ورسالة تانية بتقول إنهم محتاجين مستند إضافي قبل الموافقة النهائية.
الموضوع ما كانش اتنفذ بالكامل، لكن حد حاول يغير بيانات التأمين من غير علمي.
مين؟
الإجابة كانت واضحة في دماغي، لكني ما كنتش عايزة أتهم جوزي بحاجة ما عنديش عليها دليل كافي.
سمعت صوت عربيته وهي بتدخل الجراج.
قفلت اللابتوب بسرعة، وحطيت الورق في مكانه، وبعدها نزلت للدور الأرضي.
دخل البيت وهو بيتكلم في الموبايل.
أيوه، أنا هخلص الموضوع النهارده… لأ، ما تقلقش، كل حاجة تحت السيطرة.
أول ما شافني، أنهى المكالمة.
بصلي باستغراب مصطنع.
إنتِ قاعدة في البيت ليه؟ مش المفروض تكوني في الشغل؟
بصيتله من غير ما أرد على السؤال.
إنت كنت فين امبارح بالليل؟
اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه استعاد هدوءه بسرعة.
في الشركة. عندي شغل كتير، وإنتِ عارفة ده.
لحد الساعة اتناشر وسبعتاشر دقيقة بعد نص الليل؟
وشه شحب بشكل بسيط.
كان تغيير صغير جدًا، لكني شفته.
إنتِ بتسأليني عن إيه بالظبط؟
طلعت موبايلي، وفتحت صورة الإيصال اللي كنت صورتها قبل ما الشرطة تاخده.
ما وريتهوش الصورة.
بس قلتله
لقيت إيصال بنزين بتاريخ امبارح، وفيه رقم لوحة عربيتي.
سكت.
لأول مرة من سنين، شفت جوزي مش لاقي رد جاهز.
وبعد ثواني، ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
إنتِ بتعملي إيه؟ بتراقبيني؟
قلتله
أنا ما راقبتكش. أنا لقيت حاجة تحت فرشة عربيتي.
اتجمد مكانه.
وبعدين قال بصوت عالي
إنتِ فتحتي الكيس؟!
السؤال خرج منه بسرعة شديدة، قبل ما يفكر في معناه.
بصيتله في عينيه.
إنت عارف إن فيه كيس؟
سكت فجأة.
كان ممكن يحاول ينكر، أو يقول إنه فهم كلامي غلط، لكنه كان اتكلم بالفعل.
قرب مني خطوة.
اسمعيني كويس. إنتِ مش فاهمة حاجة. الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.
قلتله
طيب، فهمني. إيه اللي تحت فرشة عربيتي؟
بص ناحية الباب، وبعدها رجع بصلي.
أنا هشرح لك كل حاجة، بس مش دلوقتي.
ضحكت من غير ما أقصد.
مش دلوقتي؟ إنت بتتكلم كأننا بنتناقش في فاتورة كهربا! أنا لقيت حاجة مخبيها في عربيتي، وإنت عارف إنها موجودة، وعايزني أستنى لحد ما تبقى فاضي عشان تشرح لي؟
اتعصب.
وطي صوتك!
لأ. مش هوطي صوتي. إنت اللي هتجاوبني.
قرب أكتر، وبصلي بنظرة ما شفتهاش في عينيه قبل كده.
إنتِ لو بتحبيني فعلًا، هتسمعيني من غير ما تدخلي الشرطة في الموضوع.
قلبي وقع.
إنت عرفت منين إني كلمت الشرطة؟
للمرة التانية، سكوته قال أكتر من أي إجابة.
بعدها، بدأ يتكلم بسرعة.
أنا كنت بحاول أحميكي. فيه ناس بتلاحقني، وكنت مضطر أستخدم العربية. الموضوع كله متعلق بالشغل، ومش عايزك تتورطي معايا.
قلتله
تحميني من إيه؟ وإيه اللي في الكيس؟
بص للأرض.
مش هقدر أقولك.
في اللحظة دي، عرفت إن الكلام بيننا انتهى.
مش لأن كل حاجة بقت واضحة، لكن لأن الراجل اللي كنت بثق فيه عمره ما حاول يحميني من الحقيقة. هو كان بيحاول يحميني من معرفة الحقيقة.
في نفس الليلة، جالي اتصال من رقم غير مسجل.
رديت بحذر.
ألو؟
صوت راجل قال
حضرتك صاحبة العربية اللي الشرطة فحصتها النهارده؟
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أيوه. مين معايا؟
أنا من فريق التحقيق، وكنت حابب أبلغ حضرتك إننا محتاجين نقابلك بكرة الصبح. فيه تطورات مهمة.
هل عرفتوا إيه اللي كان في الكيس؟
سكت لحظة، وبعدها قال
الفحص الأولي بيشير إلى إن المحتويات مرتبطة بشخص مفقود تم الإبلاغ عن اختفائه من فترة. مش هقدر أقول تفاصيل أكتر في التليفون.
حسيت ببرودة بتجري في جسمي.
شخص مفقود.
يعني الموضوع مش مجرد حاجة جوزي كان بيخبيها عني.
كان ممكن يكون فيه إنسان اختفى، وعربيتي بقت جزء من الق\ضية.
سألته
هل جوزي متورط؟
إحنا بنحقق في كل الاحتمالات، ومش هنوجه اتهام لحد من غير أدلة. لكن محتاجين نعرف كل تحركات العربية، وأي معلومات عندك عن استخدامه ليها.
شكرتُه وقفلت.
فضلت قاعدة في مكاني، والموبايل في إيدي.
كنت بحاول أفتكر إذا كان فيه أي اسم أو موقف أو شخص من شغل جوزي ممكن يكون له علاقة بالموضوع.
وبعدين افتكرت حاجة.
من حوالي شهرين، جوزي رجع البيت متأخر جدًا، وكان هدومه عليها بقع طين، ووشه مرهق بشكل غريب.
لما سألته كان فين، قال إنه اضطر يروح موقع بناء بعيد بسبب مشكلة في المعدات.
وقتها، صدقته.
لكن دلوقتي، كل ذكرى بدأت ترجع بشكل مختلف.
مش معنى كده إنه مذنب، لكني ما بقيتش قادرة أعتبر أي تفسير منه حقيقة لمجرد إنه قاله.
وفي الصبح، رحت لمركز التحقيق.
المحقق كان مستنيني، وعلى المكتب قدامه صور وأوراق.
طلب مني أقعد، وبعدها بدأ يشرح.
الشخص المفقود كان راجل في أواخر الأربعينات، وكان بيشتغل في مجال قريب من مجال شركة جوزي.
كان آخر ظهور معروف ليه قبل اختفائه بأيام، وكانت فيه خلافات مالية بينه وبين شركاء في مشروع كبير.
ما كانش فيه دليل يثبت إن جوزي هو المسؤول عن اختفائه، لكن بعض المعلومات اللي وصلتلهم خلتهم يراجعوا علاقته بالمشروع.
وبعدين المحقق طلع صورة.
كانت صورة عربية جوزي.
مش عربيتي.
عربيته هو.
هل تعرفي العربية دي؟
هزيت راسي.
أيوه، دي عربيته.
هل لاحظتي إذا كانت موجودة في البيت خلال الليالي اللي عربيتك اتحركت فيها؟
فكرت شوية.
مش كل ليلة. ساعات كان بيقول إنه رايح الشركة، وساعات كان بيقول إنه هينام عند أخوه عشان عنده شغل بدري.
المحقق كتب ملاحظة.
بعدها، وريته صورة الإيصال وصورة ورقة التأمين اللي عليها إمضتي.
فضل يبص فيهم شوية، وبعدين قال
الورقة دي مهمة. هنحتاج نفحصها ونتأكد من مصدرها.
سألته





