بنتي جابت خطيبها البيت عشان نتعرف عليه قبل الفرح.. بس أول ما خرجت من الأوضة وسابتنا لوحدنا، لقيتها اتغير 180 درجة وقال لي ب كل برود أنا نفذت نصي من الاتفاق.. جه دوركِ تنفذي شرطكِ! ولما أخدني ورا البيت ووراني المهزلة اللي تجهزت، صرخت من الصدمة يا نهار أسود.. أنتَ عملت كل ده إزاي وفين?! بنتي مريم اتولدت ب وحمة كبيرة كانت مغطية جزء من وشها. أ اختفى من حياتنا وسابنا وهي لسة طفلة صغيرة. بالنسبة لي، كانت دايماً أجمل بنت في الدنيا، بس العيال في المدرسة كانوا قساة أوي معاها، وحتى فترة الجامعة م كانتش أرحم بكتير! عمرها ما جابت ولد البيت.. وعمرها ما اتكلمت عن الجواز أو الخروج. ولما قرايبنا كانوا بيسألوها لو اتعرفت على حد، كانت تبتسم ب كسرة وتغير الموضوع ب السرعة. عشان كده، لما مريم كلمتني في التليفون وقالت لي ب صوت بيترعش ماما.. أنا عايزاكِ تقابلي خطيبي!، التليفون كان هيقع من إيدي من كتر الصدمة والفرحة! قضيت اليوم كله أطبخ وأجهز وأعمل أحسن أكل. ولما طارق دخل من الباب.. كان وسيم جداً وزي القمر، بس اللي بهرني وأدهشني أكتر كان طريقة معاملته ل مريم! كان بيسحب لها الكرسي تقعد.. بيملى كوبايتها قبل ما تطلب.. بيسمع لها ب اهتمام شديد وم بيبصش في موبايله خالص. وكل ما تبتسم له، يبتسم لها وكأنها البنت الوحيدة اللي في الدنيا كلها! أنا كنت طايرة من الفرحة وم مش مصدقة عينيا.. وفجأة مريم قامت من على السفرة هروح التواليت وأرجع على طول. م كملتش ثواني واختفت في الطرقة، لحد ما طارق حط الشوكة من إيده ب كل برود! تعابير وشه اتغيرت تماماً 180 درجة! كل الدفا والحب اللي كانوا في عينيه اتبخروا في ثانية! أنا عملت اللي عليا ونفذت نصي من الاتفاق، قالها ب جفاف وقسوة، جه دوركِ أنتِ بقى تنفذي شرطكِ! بطني اتعصرت من الخوف والرعب اتفاق إيه?! ضحك ضحكة قصيرة وسافلة من غير أي ابتسامة أرجوكِ.. بلاش تعملي نفسكِ مش فاهمة وم تتغابيش عليا! وقبل ما ألحق أنادي على مريم ترجع، قام وقوف تعالي معايا برة! مشي قدامي من المطبخ وخرجنا ل الجنينة اللي ورا البيت. أنتَ بتعمل إيه?! زعقت فيه ب غضب، وإيه علاقة القرف ده كله ب بنتي?! م ردش عليا ب كلمة.. وبدلها، وقف في مكانه ولف لي، ووراني الكارثة والمهزلة اللي كان مجهزها هناك في الضلمة! ولما ركزت عينيا وقدرت أميز الشخص اللي كان واقف في ضلمة الجنينة، صرخت ب أعلى صوت عندي من كتر الهول يا نهار أسود وشؤم!.. أنتَ نظمت كل المهزلة دي إزاي وفين?!...... يا ترى طارق كان متفق على إيه ومن ورا مين، ومين الشخص المرعب اللي كان مستني في ضلمة الجنينة، وإيه السر المظلم اللي خطيب بنتها مخبيه وهيقلب حياتهم ل جحيم؟ اللي جاي ضرب نار ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الوجه الآخر والاتفاق المُرعب قلبي وقع في رجليّ.. الكلمات دي كانت صاعقة نزلت على راسي. بصيت لطارق اللي وقف بكل برود واستعلاء، وكأنه مش الشخص اللي كان دقايق بس بيحط السكر في كوباية مريم وبينصتلها بكل حب واهتمام! اتفاق إيه اللي بتتكلم عنه يا استاذ طارق؟! قلت بصوت مرتعش ومحاولة أتمسك ببقية ثباتي. بنتي ما تعرفش عنه حاجة.. وأنا كمان مش فاهمة إيه اللي بيحصل هنا! طارق ضحك ضحكة ساخرة خالية من أي دفء كنت متوقع إنكِ هتتغابي.. تمام، خليني أشرحلكِ ببساطة عشان تفهمي. أنا جيت هنا، لعبت دور الخطيب المثالي، أظهرت لكم كل الاحترام والحب اللي بتتمنوه، وخليت مريم تؤمن إنها لقت اللي يقدرها ويحبها زي ما هي.. ده نصي من الاتفاق. والآن جه دوركِ.. تنفذي الجزء بتاعكِ! الجزء بتاعي؟! صرخت بغضب وذهول. إيه اللي أقدر أعمله ليك؟ وإيه اللي بنتي لسه تعرفه؟! مريم ما تعرفش حاجة.. قال ببرود قاتل. وهي متعرفش إن كل كلمة قلتلها وكل نظرة كنت بنظرها ليها كانت متفق عليها بالظبط. هي فاكرة إن الحب ده حقيقي.. وده اللي المفروض تفضلي تعتقديه لحد ما تخلصي اللي عليكِ! الدنيا لفت بيّ.. يعني كل ده كان تمثيل؟ كل الدفا والحنان اللي شفته من ناحيته كان مجرد دور بيلعبه؟ ولأي هدف؟! مين اللي وراك؟ سألت بصوت بالكاد بيطلع من حلقي. ومين الشخص اللي مستني في الجنينة؟ ليه خوفيتني كده؟! طارق ما ردش.. لف ومشي قدامي ناحية البوابة الخلفية اللي بتفتح على الجنينة الكبيرة بتاعت البيت. مشيت وراه مشدودة، رجليا بتترعش، وكل خطوة كنت بخطها كأنها بتوديني ل نهايتي. الهوا كان بارد والليل طويل، والجنينة كانت مظلمة إلا من شمعات قليلة كانت بتضوي الطريق ل مكان بعيد في الناحية التانية. وصلنا ل نهاية الجنينة.. وهناك، تحت ضوء القمر الخافت، كان واقف شخص طويل القامة، بملابس سوداء، ووشه مغطى بقبعة سوداء حاجبة لمعظم ملامحه. لما سمع خطواتنا، لف ببطء ناحيتي.. ورفع راسه ببطء.. لحظة.. تانية.. تالتة.. قلبي اتوقف عن النبض تماماً! الدم جمد في عروقي! صرخت من أعماقي بصوت هز المكان كله محمود؟! أنتَ حي؟! إزاي؟! الشخص خلع القبعة ببطء.. وظهر الوش اللي شفتته آخر مرة من 22 سنة.. الوش اللي كنت فاكرة إنه دُفن ومات واختفى من حياتنا للأبد! محمود.. أب مريم! الراجل اللي سابنا وهي لسة رضيعة واختفى في ظروف غامضة، والكل كان فاكره مات في حادثة في السفر! وده هو واقف قدامي بالحياة! شكله اتغير كتير، شعره شاب، خطوط الزمن ظاهرة على وشه، بس العينين.. العينين دول ما اتغيروش.. نفس العينين اللي حبيتهم زمان ونفس العينين اللي خدعوني وسابوني! كنتِ فاكرة إني مت؟ قال بصوت عميق اتغير كتير عن زمان. كنتِ تتمني ذلك بجد، أليس كذلك يا سيدة سميحة؟ إزاي.. إزاي رجعت؟! كلماتي بتتقطع من الصدمة. ليه رجعت بعد كل السنين دي؟! ولوين اختفيت؟! وعلاقة طارق ده إيه باللي بينكم؟! طارق وقف بجانبه بكل احترام سيد محمود هو اللي كلمني، هو اللي اتفقنا، وهو اللي دفعلي اللي اتفقنا عليه، وهو اللي قالي أعمل إيه بالظبط. أنا مجرد نفذت الاتفاق يا سميحة.. والباقي عليه هو! بصيت لطارق بصدمة.. يعني هو مجرد أداة في إيده؟! وبصيت ل محمود اللي خطوة خطوة قرب مني، وكل خطوة بتقربها كأنها سكين بتطعن في قلبي رجعت عشان آخذ حقي.. قال ببطء وكل كلمة بتقطع قلبي. حقي في البيت، وحقي في الفلوس، وحقي في بنتي اللي حرمتني منها سنين طويلة! حرمتك؟! صرخت بكل غضب ومرارة. أنتَ اللي سابنا! أنتَ اللي اختفيت من غير كلمة ولا خبر! أنتَ اللي تركتني وحيدة مع طفلة صغيرة ومصاريف ومشاكل ما تخلصش! وأنا اللي كافحت وربيتها وحدي! وأنتَ جاي النهاردة تقول إنك محروم؟! أنا كنت مضطر! صرخ هو التاني. كان عندي أسبابي! ولما أرجع، أرجع بكل حاجة! واتفقت مع طارق على كل حاجة هو يخلي مريم تحبه وتثق فيه، وبعدين يتوسط بيني وبينها، ويقنعها إنها تسلمني نصيبي من الميراث والبيت، وإنها تقبل بي أبًا من جديد! الصدمة كانت أقوى من أي احتمال تخيلته.. طارق لم يكن مجرد خاطب مزيف.. كان مجرد أداة استخدمها أب قاسٍ قرر أن يعود بعد 22 سنة لينتزع منا كل ما بنيناه بدم قلوبنا! مريم ما تعرفش حاجة عن كل ده؟ سألت بصوت خافت ومقطوع. ولو عرفت هتقبلني؟ رد محمود بكل وقاحة. البنت دي عمرها ما شافتني.. مش هتعرف قيمتي إلا لما تحب وتثق في اللي أنا اخترته ليها! طارق ده ابن صديقي القديم، وهو أهل للثقة، واتفقنا على كل حاجة.. الفرح بعد شهر، وبعدها كل حاجة هتتم زي ما خططنا! مستحيل! صرخت بكل قوة عندي. مستحيل أسمحلكم تدمروا حياة بنتي عشان مصالحكم القذرة دي! أنا هقولها الحقيقة كلها من أول لآخر! محمود ضحك ببرود مخيف وتظني إنها هتصدقكِ؟ وهي شايفة طارق أجمل وأحسن وأكتر حبًا وحنانًا من أي حد؟ وهي شايفة إنكِ بتكرهيها وتحسديها على سعادتها؟ هتصدقكِ ولا هتصدق اللي بيحبها قدام عينها كل يوم؟ كلامه دخل قلبي كالسهم.. لأنه كان يعرف بنتي أكتر مني في اللحظة دي.. هو عرف كيف يلعب على أوتار قلبها.. وهي اللي حرمت الحب كل ده العمر، لقته فجأة كاملاً متكاملاً.. فكيف أطلب منها تضحية بكل ده عشان كلامي أنا؟! طارق قرب خطوة اتفقنا يا سميحة.. أنتِ تفضلي ساكتة وتدعي الحب وتساعدي على إتمام الجواز، ومحمود يتنازل عن نصيبه في البيت والفلوس.. وإن تفضحي كل حاجة، هتخسري مريم للأبد.. لأنها هتصدقني وتكرهكِ! الخيار كان مستحيلًا.. إما أن أصمت وأدمر مستقبل بنتي بيدي.. أو أتكلم وأخسرها للأبد! وقفت بين نارين، والدموع نزلت من عينيّ بلا صوت.. وعرفت إن المعركة دي مش هتكون سهلة أبداً! الجزء الثالث الصمت القاتل والشك الذي بدأ ينمو رجعت للبيت وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجليّ. مريم كانت قاعدة على السرير بتاعي، مستنية لي بابتسامة مشرقة ما شفتهاش في وشها من سنين ماما.. إيه اللي كان برة؟ كنتوا بتتكلموا في إيه؟ وشكِ أصفر أوي! حطيت إيدي على كتفيها، محاولة أجمع كلماتي ولا حاجة يا حبيبتي.. كان بيسألني عن شوية تفاصيل عن الفرح.. و.. واتكلمنا في أمور بسيطة. وأنتِ عصبتي ليه؟ قالت وهي بتمسح دمعة نزلت من عيني. ماما أنتِ خايفة عليا؟ خايفة عليكي طول عمري يا بنتي.. قلت بصوت مكسور. بس مش بالطريقة اللي تظنيها. مريم حضنتني متخافيش يا ماما.. طارق إنسان كويس أوي.. بيحبني بجد.. وأنا حاسة إني أخيراً لقيت الأمان اللي كنت بفتقده طول عمري! كلامها كان سكين بيقطع قلبي.. كيف أقول لها إن الأمان ده مجرد وهم؟ إن الحب ده مجرد تمثيل؟ إن الراجل اللي بتثق فيه ما بيحبها إلا عشان فلوسها وبيت؟! مرت الأيام والليالي وأنا بين نارين.. كل ما شفت طارق معاها، وهو بيعاملها بكل رقة وحنان، كنت أتمنى من كل قلبي إنه يكون صادق.. إن اللي شفته في الجنينة كان مجرد كابوس.. بس كل ما يبقى لوحده دقيقة، بشوف نظراته تتغير، وبشوف البرود والقسوة اللي خبيها جواه! وذات يوم، كنت ماشية في الممر قدام أوضة المعيشة، سمعت صوت طارق بتكلم في التليفون بصوت واطي كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.. هي وثقت بيّ بالكامل.. الأم بدأت تضعف.. قربنا نحقق الهدف.. تمام.. سأخبرك أول بأول. قلبي اتعصر.. هو بيقول الحقيقة.. كل اللي قاله محمود كان صحيح! دخلت المطبخ وأنا حاسة بدوار شديد، وقعدت على الكرسي ومش عارفة أعمل إيه. لو قلت لمريم الحقيقة دلوقتي، هتصدقني؟ ولا هتقول إني بكرهه وبحاول أفرق بينهم؟ قررت أتأكد بنفسي.. في الليل، لما الكل نام، نزلت تحت دولاب المطبخ القديم، وطلعت الصندوق الخشبي اللي مخبيه من سنين.. الصندوق اللي فيه أوراق جوازي من محمود، وصور قديمة، وشهادة وفاته اللي طلعتها بعد اختفائه.. فتحت الشهادة بترقب.. وقرأت الكلام اللي كتبه الموظف يُعتبر مفقوداً ويفترض وفاته بعد مرور خمس سنوات من تاريخ الاختفاء. يعني هو قانونياً ميت.. وهو حي يرزق وبيخطط لنا كل ده! في اليوم التالي، قررت أواجه طارق.. قابلته في الجنينة قبل ما يطلع أنا سمعتك بتتكلم في التليفون امبارح.. قلت بكل حزم. وأنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.. إيه اللي عاوزه محمود بالظبط؟ وكم المبلغ اللي دفعه ليك؟ وكيف تقدر تبيع نفسك وتبيع مشاعر بنتي بفلوس؟ طارق ابتسم باحتقار مش بحب الكلام ده يا سميحة.. اتفقنا إنكِ متدخليش.. وإنكِ تفضلي ساكتة لحد ما يتم كل حاجة. وإن حبيتي تفضحي، تذكري إن مريم هتكرهكِ للأبد.. لأنها هتشوفكِ عدوّ سعادتها! وأنتِ فاكر إن السكوت ده أمانة؟! صرخت بكل غضب. أنتَ بتدمرها وأنتَ عارف! ده أبوه اللي سابها من وهي صغيرة، واللي جاي ياخدها مني تاني! إزاي تساعده؟! محمود ما شرحلكِ كل حاجة؟ قال ببرود. هو ما سابكمش عشان كان بيحب غيرك.. سابكم عشان كان مضطر يهرب من ناس كانوا عايزين يقتلوه! وكان لازم يختفي لحد ما يضمن سلامتكم وسلامة بنته! وكل السنين دي كان بيتابعكم من بعيد.. بيشوف مريم وهي بتكبر.. وبيتألم إنه مش قادر يكون جنبها! الكلام ده صدمني.. محمود كان بيتابعنا؟ كان عايش قريب مننا كل ده الوقت؟! ولما رجع ليه ما جاش بسلام؟ سألت بصوت مهزوز. ليه الخداع والتمثيل؟ ليه ما قولوش الحقيقة من الأول؟ لأن محمود كان عايز يتأكد إن مريم هتقبله.. قال طارق بجدية غريبة. هو خايف إنها تكرهه.. خايف إنها ترفضه.. فحب يضمن إنها تحبني الأول، فأنا أكون الجسر اللي يعبر بيه ليها! ده مش شر يا سميحة.. ده خوف وحب! الحب ما بيتعملش بالخداع! رديت بكل قوة. الحب بيكون صادق واضح من أول يوم! واللي بيخاف يظهر وجهه مش بيحب.. بيخاف! طارق سكت.. لأول مرة شفت الشك في عينيه.. كأنه بدأ يتساءل هو كمان إن كان اللي بيعمله صح ولا غلط! الجزء الرابع الأسرار القديمة والخيط الذي بدأ ينكشف مر أسبوع كامل وأنا بين الشك واليقين.. محمود ظهر تاني مرة، وطلب يقابلني لوحدي في بيت قديم بعيد عن المنطقة.. ترددت كتير، بس في الآخر وافقت.. لازم أعرف الحقيقة كاملة. قابلته في البيت القديم، اللي كان شبه مهجور، بيت قديم في وسط البلد. كان قاعد قدام شباكيه قديمة، وبيده كوباية شاي بارد. لما شافني، قام ببطء شكراً إنكِ جيتي.. كنت عارف إنكِ عايزة تعرفي الحقيقة. الحقيقة إيه يا محمود؟ قلت بلا مقدمات. ليه سبتنا؟ ليه رجعت بالطريقة دي؟ وكل اللي بيحصل ده ليه؟ تنهد بعمق، وبدأت عينيه تدمعان لأول مرة زمان، قبل ما أولد مريم بسنة، كنت شغال مع ناس غلط.. ناس كانوا بيستخدموا اسمي في أعمال مشروعة. اكتشفت الحقيقة متأخر، ولما حاولت أبتعد، هددوني بقتلكِ وقتل الطفلة اللي كانت في بطنكِ! ما كانش عندي خيار.. إما أختفي وأدّعي الموت، أو أموتكم كلكم! فهربت.. وسبتكم عشان أحميكم! الكلام ده زلزل كياني.. كل ده كان عشان يحمينا؟! وكنت تتابعنا كل السنين دي؟ سألت بصوت مرتعش. كل يوم.. كل ساعة.. رد بصوت مكسور. كنت أروح أشوف مريم من بعيد وهي رايحة المدرسة.. كنت أشتري لها الهدايا وأخليها عند صديقتي يوصلها لكم باسم عم مجهول.. كنت عايز أكون جنبها بس ما أقدرش.. خايف الرجالة دول يرجعوا ويشوفوني وينتقموا منكم! وطارق؟ إيه علاقته بكل ده؟ طارق ابن أخي الوحيد.. قال ببطء. وأنا شفت إنه شخص كويس.. قلت له الحقيقة كاملة، وطلبت منه يساعدني.. لأن مريم محتاجة حد يحبها ويحميها.. وطارق بيحبها بجد يا سميحة.. ده مش تمثيل! ده الحقيقة! قلبي دق بسرعة.. يعني طارق بيحبها بجد؟ كل اللي شفته من دفا وحنان ما كانش كذب؟! ليه ما قلتوش الحقيقة من الأول؟ سألت وأنا مشدودة بين العاطفة والشك. لأن مريم عندها وحمة.. قال بكل ألم. وعشان كده كانت بتعاني كتير.. كانت بتحتاج وقت عشان تثق في حد.. فقلت نبدا من الصفر.. من غير ماضي.. من غير أسماء قديمة.. عشان تحبه زي ما هو، مش عشان ابن عمها! خرجت من البيت القديم ومش عارفة أصدق إيه.. الحكايتين متشابكتين، والصدق والكذب متداخلين لدرجة إنني مش عارفة أفرق بينهم. رجعت البيت، ولقيت مريم قاعدة في الصالة، وشها حزين ماما.. طارق قال لي إن عايز يقابلنا غداً ويقول لنا حاجة مهمة جداً.. قال إنها تخص مستقبلنا كلنا. قلبي اتخطف قال إيه بالظبط؟ مش عارفة.. بس كان شكله متوتر أوي.. قالت وهي بتشوفني بترقب. ماما.. أنتِ تعرفي حاجة صح؟ من زمان وأنا حاسة إن في حاجة مخبية عني.. إيه اللي بيحصل؟ قعدت جنبها ومسكت إيدها يا بنتي.. الحياة مليانة بالأسرار.. وبعض الأسرار بنخبيها عشان نحمي بعض.. مش عشان نأذي بعض. وغداً إن شاء الله، كل حاجة هتتوضح.. وكل واحد يقول اللي في قلبه. في تلك الليلة، نمت بصعوبة.. وفكرت في كل حاجة.. في محمود واعتذاره، في طارق وحبه المحتمل، في مريم وسعادتها المهددة.. وعرفت إن الغد هو يوم الحساب.. يوم الحقيقة اللي هتقرر مصيرنا كلنا! الجزء الخامس المواجهة الكبرى والحقيقة التي هزت القلوب في اليوم التالي، اجتمعنا كلنا في الصالة الكبيرة بتاعت البيت.. أنا ومريم وطارق ومحمود. الهواء كان تقيل ومليان بالتوتر، والصمت يملأ المكان لدرجة إننا كنا نسمع دقات قلوب بعضنا. مريم بصت لطارق أولًا تفضل.. قولي اللي عايز تقوله. طارق تنهد بعمق، وبص لمحمود أولًا، ثم لي، ثم لمريم قبل ما أتكلم، عايزكِ تهدي وتسمعيني للآخر.. وتتأكدي إن كل كلمة هقولها من قلبي.. وإن حبي ليكي ما تغيرش ولا لحظة. مريم هزت راسها ببطء، وعيناها مليانة دموع ترقب وخوف. أنا كنت أعرف إن في سر بين أهلكِ وأهلي.. بدأ طارق ببطء. وعرفت إن أبوكِ اللي فاكرة إنه ميت.. هو حي.. واسمي طارق.. أنا ابن عمكِ يا مريم.. ابن أخو أبوكِ! مريم اتجمدت مكانها إيه؟! ابن عمي؟! يعني.. يعني الجواز مستحيل؟! لأ.. مش بالضرورة.. قال بسرعة. لأننا مش أخوات من نفس النسب.. بس ده مش المهم دلوقتي.. المهم إن أبوكي كان خايف عليكي، فطلب مني أجيكِ وأعرفكِ من غير ما أقولكِ مين أنا ومين هو.. عشان يتأكد إنكِ تحبيني أنا.. مش عشان أي صلة قرابة أو فلوس! مريم بصت ل محمود اللي كان واقف بمنتصف الغرفة، وعيناه بتدمعان وأنتَ.. أنتَ أبويا؟! محمود خطوة خطوة قرب منها أنا أبوكِ يا بنتي.. أنا محمود.. اللي سابكِ وأنتِ صغيرة عشان أحميكِ.. اللي شفتكِ بتكبري من بعيد كل يوم.. واللي مات من الألم كل ما شافكِ بتعيطي بسبب الوحمة وبسبب كلام الناس! مريم وقفت، وجسمها بيترعش ليه ما جيتش قبل كده؟ ليه ما قولتليش؟ ليه سبتني أعيش كل السنين دي وحيدة؟! لأنني كنت خايف عليكي من الموت! صرخ محمود بكل ألم. ناس كانوا عايزين يقتلوني ويقتلوكم معي! ما كانش عندي خيار يا بنتي! إما أختفي أو أموتكم كلكم! وكل ما كنت أتأخر في الرجوع كان عشان أتأكد إنهم راحوا وإن المكان أمن ليكِ! الدموع نزلت من عيني مريم بغزارة يعني كل ده كان عشان خاطري؟ كل ده كان عشان تحميني؟! كل حاجة.. رد هو بكل حب. كل خطوة عملتها، كل كلام قلته، كل تمثيل لعبته.. كله عشانكِ يا بنتي! عشان أكون جنبكِ من جديد! مريم بصت لي وأنتِ يا ماما.. كنتِ تعرفي؟! عرفت امبارح بس يا حبيبتي.. كذبت عليكي لما قلت إني كنت أعرف من زمان.. قلت بكل صدق. بس لو كنت عرفت، كنت قلتلكِ الحقيقة من أول يوم.. لأن الحب ما بيتخبيش! طارق قرب من مريم وأنا يا مريم.. حبيتكِ من أول يوم شفتكِ فيه.. قبل ما أعرفكِ، قبل ما أعرف إنكِ بنت عمي.. حبيتكِ أنتِ.. بكل ما فيكي من تفاصيل.. بالوحمة اللي بتكرهيها، بالعينين اللي بتخفيها، بالخجل اللي بيملاكِ كل ما حد ينظر ليكي.. أنا حبيتكِ زي ما أنتِ.. ولو رجع الزمن لورا، كنت عملت كل ده تاني عشان أوصل لقلبكِ! مريم بصت لينا كلنا.. دموعها بتتساقط، بس ابتسامة بدأت تظهر على وشها لأول مرة بكل صدق ودفء يعني.. يعني عندي أب؟ وعندي ابن عم بيحبني؟ وعيلة كنت فاكرة إنها ماتت ورجعت لي؟! عيلة كاملة بتحبكِ يا بنتي.. قال محمود وهو بيمسح دموعها. وعيلة مستعدة تموت عشانكِ! في تلك اللحظة، شفت مريم ترفع راسها بكل كبرياء.. وشها اللي كانت بتخفيه طول عمرها، ظهر كاملاً بكل وحمته وبكل جماله.. وقالت بكل صوت عالٍ ومسموع أنا مريم.. بنت محمود وسميحة.. وأنا بحب نفسي زي ما أنا.. وبحب اللي بيحبوني زي ما أنا! طارق مسك إيدها وأنا بحبكِ زي ما أنتِ.. والجواز مش هيتغير.. لأن الحب ما بيفرقوش قرابة ولا نسب.. وإن كنا قرابة، يبقى الحب بيننا أضعاف أضعاف! محمود حضنها بقوة، وكأنه بيعوضها عن 22 سنة حرمان سامحيني يا بنتي.. سامحيني على كل يوم سبتكِ وحيدة.. وسامحيني على كل دمعة نزلت من عينكِ بسببي! أنا مسامحاك يا بابا.. همست وهي بحضنه. المهم إنك رجعت.. المهم إننا بقينا مع بعض! بقيت واقفة شايفة المشهد ده، ودموع الفرح بتغسل وجهي.. كل الخوف والشك والظنون اختفت في لحظة.. وعرفت إن الحب أقوى من أي خداع وأي خوف وأي زمن! الجزء السادس الفرح يكتمل والحكاية تُروى للأجيال مرت الأشهر التالية بسرعة البرق، وكانت أجمل أشهر في حياتنا كلها. محمود استقر معانا في البيت، وبدأت نعوض السنين اللي فاتت. كان كل يوم يقعد مع مريم ويحكي لها عن طفولتها، عن أسماء اختارها لها، عن الأحلام اللي كان بيحلمها بيها.. وكل ما شاف وحمتها، بيلمسها بكل حب ويقول دي علامة النور يا بنتي.. دي اللي خلتني أعرفكِ من بين كل الناس! طارق كان يومياً يثبت لمريم إن حبه حقيقي.. كان بياخدها في كل مكان، بيقابلها بكل ناس، وبيقول لهم بكل فخر دي خطيبتي مريم.. أجمل بنت في الدنيا! وكل ما حد ينظر لوشها، بيقول بصوت عالٍ شفتوا الجمال الحقيقي؟ دي الوحمة اللي بتخليها مميزة عن الكل! وفي يوم الفرح، كانت مريم أجمل عروسة شفتها في حياتي.. لبست فستان أبيض ناصع، ورفعت راسها عالية، وظهرت وشها كاملاً بكل فخر وجمال. وقفت قدام الجميع، والناس كلهم بيتفرجوا عليها بدهشة وإعجاب.. لأن الجمال الحقيقي ما كانش في الملامح.. كان في الثقة اللي كانت تشع منها! وقفت قدام طارق، وقالت بصوت عالٍ مسموع للكل أنا كنت فاكرة إن الوحمة دي لعنة.. بس طلع نعمة.. لأنها عرفتني مين اللي بيحبني بجد.. ومين اللي بيحبني عشان شكلي أو فلوسي! واليوم أنا بقول لكم كلكم الحب ما بيحتاجش نكون كاملين.. بيحتاجش نكون متشابهين.. بيحتاج بس نكون صادقين! طارق مسك إيدها وقال وأنا أقولكِ أنتِ الكمال كله يا مريم.. وكل ما فيكي من تفاصيل، أنا بحبها وبعشقها! محمود كان واقف بجانبي، ومسك إيدي بكل حب شكراً يا سميحة.. شكراً لأنكِ ربيتها كويس.. وشكراً لأنكِ حفظتيها لحد ما رجعت! الشكر لله يا محمود.. رديت بكل دفء. هو اللي جمعنا بعد كل السنين دي! وبعد الفرح، اجتمعنا كلنا في بيتنا الكبير.. أنا ومحمود، مريم وطارق، والعيلة كلها.. وشفت بنتي أخيراً في المكان اللي تستحقه في حضن عيلة بتحبها بلا شروط، بلا قيود، بلا أحكام! وذات يوم، وبعد سنوات، كنت قاعدة في الجنينة بتاعت البيت الكبير، وشفت مريم وطارق ومعاهم بنتهم الصغيرة اللي عندها خمس سنين، بتلعب مع جدها محمود. البنت وقفت قدام المراية، وشفت علامة صغيرة على خدها، وبدأت تعيط ماما.. دي وحشة في وشي! مريم قعدت قدامها، مسكت إيدها الصغيرة، وقالت بكل حب وثقة دي مش وحشة يا حبيبتي.. دي علامة جمال.. علامة إنكِ مميزة.. علامة إنكِ بنتي! البنت مسحت دموعها بكل فخر يعني أنا جميلة؟ أجمل بنت في الدنيا! ردت مريم وهي بتقبلها على خدها. لأن الجمال مش في الوش يا روحي.. الجمال في القلب اللي بيحب والروح اللي بتسامح والثقة اللي ما تهتزش أبداً! وقفت وراهم وشفت المشهد ده، ودموعي نزلت من الفرحة.. وعرفت إن الرحلة كانت مستاهلة.. كل الألم والخوف والانتظار، كان عشان يوصلنا لهاللحظة دي.. اللحظة اللي ينتقل فيها الحب والقوة والثقة للجيل الجديد! وتبقى الكلمة الأخيرة الحب الحقيقي لا يخفي ولا يكذب ولا يتلون.. وإن بدأ بخطأ أو خوف، فإذا كان صادقاً سيعود ليصحح مساره ويظهر وجهه بكل وضوح.. والجمال الحقيقي لا يُقاس بصفاء البشرة أو انتظام الملامح، بل بمدى حبنا لأنفسنا وقبولنا لما خلقنا الله عليه.. والأبوة والأمومة لا تُقاس بالسنوات التي نقضيها مع أبنائنا، بل بالحب الذي نحمله لهم حتى في غيابهم.. والله يجمع الشتات ويؤلف بين القلوب في حين لا يحتسب العباد، ويجعل من المحن منحاً ومن الخوف أمناً ومن الفراق لقاءً بإذنه تعالى. تمت القصة بحمد الله وتوفيقه