قصة بعد 3 أشهر من زواجي

أما أنا
فلم أعد أشعر بالخجل.
الخجل اختفى.
وحلّ مكانه شيء أبرد بكثير.
نظرت إلى ياسر وسألته ببطء
كم تدين لهم؟
نظر إليّ وكأنه يريد إسكاتي بعينيه وقال
ليلى ليس هنا.
لكنني كررت السؤال
كم؟
ولم يجب.
بل أجاب الرجل بدلًا عنه
اثنا عشر مليونًا ونصف المليون دولار.
وشعرت أن القاعة اختفت بالكامل.
أغمضت أمي عينيها للحظة.
وشتم أبي بصوت منخفض.
أما أنا
فحدقت في الرجل الذي أصبح زوجي منذ ساعتين فقط.
الرجل الذي بكى عندما رآني بفستاني الأبيض.
الرجل الذي وعدني أن يكون سندًا وأمانًا.
الرجل الذي راهن على منزلي قبل أن أنزع طرحة الزفاف حتى.
ثم سألته بصوت بالكاد خرج
هل لهذا السبب تزوجتني؟
فتح ياسر فمه
وللمرة الأولى منذ عرفته
عجز عن إيجاد كذبة بسرعة كافية.
تقدّمت أمينة نحوي بسرعة وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى من المشهد، ثم قالت بصوت مرتجف
ابني يحبك يا ليلى.
نظرت إليها مباشرة وقلت ببرود
اصمتي.
تجمّدت في مكانها.
لم يسبق أن تحدثت معها بهذه الطريقة من قبل.
بل حتى أنا
لم أكن أعلم أنني أستطيع فعل ذلك.
ثم أكملت وأنا أحدق داخل عينيها
لا تنطقي كلمة حب أمامي مرة أخرى.
حاول ياسر لمس يدي مجددًا
لكنني تراجعت فورًا.
قلت بحدة
لا تلمسني.
ليلى
لا.
وفي تلك اللحظة
أطفأ منسق الموسيقى الأضواء الملوّنة أخيرًا بعد أن ظل متجمّدًا في مكانه طوال الوقت.
وبقيت القاعة مضاءة فقط بثريات السقف وضوء هواتف الضيوف.
ولم يعد أحد يتظاهر بأن هذا حفل زفاف.
اقتربت أمي مني بهدوء وقالت
حبيبتي سنغادر الآن.
ضحكت أمينة ضحكة يائسة وقالت
ستغادرون؟ هكذا ببساطة؟ بعد كل الأموال التي دفعتها عائلتنا في هذا الزفاف؟
نظر إليها أبي ببرود وقال
أنا من دفع تكاليف الزفاف بالكامل.
فتحت فمها
لكن لم يخرج أي صوت.
ثم أضاف
وحتى عقد القاعة باسمي لذلك يمكنكم البقاء للعشاء إن كنتم جائعين. أما نحن فلم يعد لدينا ما نحتفل به.
شعرت فجأة بأن شيئًا باردًا يُنتزع من يدي.
كانت أمي تأخذ سكين الحلوى مني بحذر.
ولم أكن حتى مدركة أنني ما زلت أمسكها.
ركضت نادين نحوي وهي تحمل باقة وردي وقالت
ليلى لنخرج من هنا.
نظرت إلى ياسر للمرة الأخيرة.
توقعت أن أشعر بأنني أموت.
لكن ما شعرت به كان أسوأ بالنسبة له.
شعرت أن الحب ينسحب مني ببطء.
ليس بصراخ.
ولا بانهيار.
بل مثل ماء قذر ينساب داخل مصرف مفتوح.
قلت له بصوت ثابت
سأرسل أحدًا غدًا ليأخذ أغراضي.
اقترب مني بعينين حمراوين وقال
لا يمكنكِ أن تتركيني في ليلة زفافنا.
نظرت إليه ببرود وأجبته
أنت فعلت ذلك أولًا.
ثم استدرت وغادرت.
كانت أمي تسير إلى جانبي من جهة
ونادين من الجهة الأخرى.
أما الضيوف
فابتعدوا عن طريقي وكأنني أحمل نارًا.
بعض القريبات كن يبكين.
وأحد أبناء عمومة ياسر كان يصوّر سرًا بهاتفه.
وعند إحدى الأعمدة
رأيت ريم أخت ياسر الصغرى.
كانت جالسة وتغطي وجهها بيديها.
وحين مررت بجانبها، رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف
أنا آسفة يا ليلى.
توقفت للحظة.
وفي الخلف سمعت ياسر يصرخ
ليلى!
لكنني لم ألتفت.
فجأة أمسكت ريم معصمي وهمست بسرعة
أمي تملك مفتاحًا.
شعرت وكأن الأرض تحركت تحت قدمي.
همست
ماذا؟
بدأت ريم تبكي بصمت وقالت
لا أعرف إن كان مفتاح الشقة نفسها لكنها صنعته من صورة للمفتاح. ياسر أعطاها مفاتيحك ذات ليلة عندما كنتِ نائمة وأنا رأيت ذلك بعيني.
سمعت أمي الكلام بالكامل.
ولم يتغير وجهها
لكن عينيها تحوّلتا إلى حجر.
سألتها ببطء
متى حدث هذا؟
قالت ريم
قبل أسبوعين تقريبًا.
أخرج أبي هاتفه فورًا وقال
سأطلب تغيير جميع الأقفال الآن.
لكن ريم هزّت رأسها بسرعة وقالت
هذا لا يكفي.
نظرنا جميعًا إليها.
أما هي
فالتفتت نحو أمها الواقفة وسط القاعة، بفستانها الذهبي الملطخ بالنبيذ، وما تزال تحاول التمسك بما تبقى من كرامتها.
ثم همست ريم
أمي لم تكن تنوي الانتقال لاحقًا كانت ستدخل الليلة.
شعرت ببرودة تسري في ظهري بالكامل.
أكملت ريم بصوت مرتجف
كانت تنتظر سفركما إلى إيطاليا. قالت إنه بمجرد دخولها الشقة لن يستطيع أحد إخراجها دون فضيحة كبيرة.
بدأ ياسر يقترب منا بسرعة وقال بعصبية
ريم أغلقي فمك.
لكن أبي وقف أمامي فورًا.
أما ريم
فقالت آخر جملة وهي ترتجف
ولم تكن ستذهب وحدها.
في تلك اللحظة
وضع الرجل صاحب البدلة الرمادية كأسه فوق الطاولة ببطء.
وضغطت أمي على يدي بقوة وهي تسأل
من أيضًا؟





