اهلي رفضوا ج1

عملت حاجة أوحش.
بدأت تسأل أسئلة هي في الحقيقة اتهامات.
“وده هيقعد لحد امتى؟”
“هو أنتِ ما فكرتيش في الكلام ده لما قررتِ تخلفي تلت عيال وأنتِ مش قد مصاريفهم؟”
“هي الكتابة دي عمرها هتبقى شغلانة بجد؟”
“ولا أنتِ مستنية الناس تفضل تلحقك وتصرف عليكِ للابد؟”
كنت واقفة على سلم الجراج وبحس إن جسمي بيصغر ويركم.
قلت لها: “يا أمي، البنت عندها لوكيميا”.
قلت لها: “أنا مش بطلب فلوس. أنا بطلب حد يقعد في البيت لما الولاد ينقذوا ينظروا”.
أمي أخدت نفس طويل أنا حافظاه من صغري، النفس اللي بتاخده قبل ما تقول حاجة كانت كاتماها ورا سنانها.
مسكت في السور وقلت لنفسي: “مهما كانت الجملة، أنتِ قادرة تستحملي، طول عمرك بتستحملي”.
بس كنت غلطانة في دي كمان.
وقالت لي:
“أنتِ اللي اخترتي العيشة دي، متشيليناش شيلتك”.
لثانية، ما عرفتش أرد لأن الجملة كانت بتتكرر في دماغي وتتقطع.
“أنتِ اللي اخترتي العيشة دي”.
وكأن نخاع عظام “جنى” هو اللي عمل تصويت.
وكأن ولادي هما اللي قدموا طلب عشان يتولدوا.
أمي كملت كلام لأن السكوت بيوترها.
قعدت ترص الأسباب اللي تخلي دي مش مسؤوليتها.
إنها هي وأبويا طلعتوا على المعاش خلاص.
وعندهم نظام حياتهم.
نادي الزهور.
وعربون رحلة العظماء اللي ما بيرجعش.
أبويا “فاروق” كان قاعد في الخلفية. كنت سامعة صوت التلفزيون وصوت سكوته المميز، سكوت الراجل اللي أقنع نفسه إن طالما ما نطقش يبقى إيديه نظيفة.
ما رفعش السماعة التانية.
وما كلمنيش بعدها.
طوال طفولتي، كنت بشوفه بينكمش ورا أي قرار تاخده أمي، وكنت بقول لنفسي إنه راجل طيب ومهود.
في الليلة دي، فهمت إن كلمة “طيب” دي كنا بنقولها عشان خايفين نسمي الحقيقة باسمها.
قلت لها: “تمام”.
مش عارفة ليه.
يمكن عشان ما بقاش فيه حاجة يتفاوض عليها.
البني آدم يقدر يشحت على السلالم لغايت وقت معين بس، وبعدها الشحاتة نفسها بتتكلف أكتر من المساعدة.
قفلت الخط.
في نص الليل، مشيت ساعة ونص في طريق المعادي الصحراوي ودخلت بيت هادي ولادي نايمين فيه بأمان فقط لأنني دفعت لبنت الجيران أربعين جنيه ما حيلتيش غيرهم.
قعدت على أرضية الصالة.
ما عيطتش.
بدل كدة، بدأت قائمة جديدة.
كان عندنا جروب عيلة على الواتساب.
أمي كانت مسمياه “عائلة الفاروق” من سنين وحاطة جنبه قلب أزرق صغير، أيام ما كان لسة يهمها تبان عيلة ملمومة.
التاني يوم الصبح، بعت رسالة هناك.
مترتبة.
صغيرة.
من نوعية الرسائل اللي بتكتبها وأنت عارف الإجابة بس لازم تسأل وخلاص.
“جنى رجعت المستشفى تاني عشان تأخد كورس علاج كام أسبوع. لو حد يقدر ياخد ياسين وسليم ولو بعد ظهر يوم واحد، هيفرق معايا جداً.”
قعدت أبص للكلمة اللي ظهرت تحتها.
Sent (تم الإرسال).
وبعدين:
Read (تمت القراءة).
أمي قرأتها.
أبويا قرأها.
خالتي في الإسكندرية قرأتها.
ما حدش كتب حاجة.
ولا التلت نقط بتوع الكتابة ظهروا.
ولا رد واحد.
اللي عملوه بعد الظهر، إنهم كملوا استخدام تليفوناتهم عادي في كل حتة تانية.
أمي عملت لاف على صور مصيف قريبتنا.
وعلقت على صورة كيكة موز عند حد.
تلت علامات تعجب.
وب تطلب الوصفة.
كانت صاحية.
وكانت مريحة.
وكانت بتختار في الوقت الفعلي اهتمامها يروح فين.
وما كانش رايح ناحية رسالة عن سرطان حفيدتها.
في الأسبوع ده، اتعلمت إن رسايل الواتساب المقرية دي رد لوحدها.
بس نقصها الشجاعة إنها تتقال بصوت عالي.
حطيت التليفون على وشه جنب كوباية قهوة من المستشفى ما كنتش حاسة بطعمها.
كان فاضل رقم واحد بس.
“ماجد”.
أبو “جنى”.
وأبو “ياسين” و”سليم” برضه، على الأقل بالورق والدم.
كان عزّل في مكان تاني واتجوز واحدة اسمها “شيرين” بعد طلاقنا بسنة.
عندهم عيل جديد وبيت جديد بجاردن ما شفتوش غير في خلفية الصور.
ما كنتش عايزة أكلمه.
بس “جنى” بنته.
وفيه حاجات بتعملها حتى لو كبريائك بيصرخ فيك ما تعملهاش.
”شيرين” هي اللي ردت.
كنت سامعة صوت عيل بيعيط وراها، وصوت مطبخ وموسيقى.
قلت لها أنا مين مع إنها عارفة.
شرحت لها إن “جنى” في المستشفى تاني، وأن الموضوع جد، ومحتاجة مساعدة مع “ياسين” و”سليم” عشان أفضى لها.
طلعت ضحكة صغيرة.
مش ضحكة بجد.
وبعدين “شيرين” قالت الجملة اللي شيلتها معايا سنة كاملة:
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك”.
الصوت اتكتم شوية كأنها حطت إيدها على السماعة.
وبعدين “ماجد” مسك التليفون عشان يقول جملة واحدة بالضبط:
“الوقت مش مناسب خالص لينا دلوقتي”.
مش مناسب ليهم.
كنت واقفة تحت إضاءة المستشفى المرعشة وأنا ماسكة تليفون قال لي مرتين في يومين وعلى لسان ناس مختلفة إن كوارث عيالي هي مجرد تعطيل ورخامة على الناس اللي المفروض بيحبوهم.
قفلت الخط.
ورجعت أوضة “جنى”.
كانت نايمة.
فتحت كشكول أصفر ومسكت القلم الرصاص.
وبدأت أخطط.
خلال الأسابيع اللي بعد كده، بنيت حياتنا من بلاستر وعزيمة.
بالعافية.
بس المراكب مشيت.
الست “أم محمود”، جارتنا الأرملة ذات الـ78 سنة، كانت وحيدة بالطريقة اللي بتخلي بعض الناس كُرماء جداً.
بقت تاخد “ياسين” و”سليم” معظم الصباحات وترفض الفلوس اللي أحاول أسيبها على التربيزة.
فبقيت أحشر الفلوس جوة جرنان الصبح اللي بياخدوه من تحت الباب.
”أستاذ أيمن”، الأخصائي الاجتماعي في المستشفى، جاب لنا أوضة في مكان إقامة العائلات قريب من قسم الأورام، من نوعية الأماكن المعمولة للأهالي اللي ما يقدروش على مصاريف الفنادق وما يستحملوش يسوقوا رايحين جايين كل يوم.
كنت بشتغل برة أوضة “جنى” الساعة اتنين بالليل، واللابتوب على ركبتي، بكتب نشرات طبية عن أمراض القلب بينما الأجهزة بتزمر ورا الباب.
”أستاذ أيمن” سألني مرة إذا كان عندي أهل يقدروا يشيلوا معايا شوية.
قلت له مش فاضيين.
ما شرحتش.
كان فيه نسخة مني ممكن تزود في أرقام الاستمارات عشان تاخد مساعدات أكتر، أو تخبي شيكات الشغل الفري لانسر اللي بتيجي على فترات.
فكرت في ده.
بس طول عمري عندي مشكلة مع الكذب، حتى مع السيستم لما بحس إنه مش عادل.
فكتبت الحقيقة في كل استمارة.
وما قبلتش غير اللي الحقيقة تتطابق عليه.
وبرضه ما كانش كافي.
بعت العربية التانية.
لغيت دكتور الأسنان.
عرفت أني بنزينة في طريق المعادي أرخص بأربعة صاغ في اللتر ورتبت مشاويري عليها، لأن الأربعة صاغ دول كانوا بيفرقوا.
وكل ليلة قبل ما أسيب نفسي أنام على الكرسي الفردة في المستشفى، كنت ببص في التليفون مرة أخيرة.
جروب العيلة كان ساكت.
ومع الوقت، ما بقيتش أتفاجأ.
قسم الأورام له ساعته الخاصة.





