اهلي رفضوا ج1

أهلي رفضوا يشيلوا عني عيالي الصغيرين وأنا بلف ببنتي الكبيرة في مستشفيات عشان عندها سرطان الدم (اللوكيميا)؛ كلمت طليقي، بس قال لي: “أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك”؛ وبعد شهر، بنتي ماتت؛ كنت خلاص هسلم ونفسي أستسلم، بس قررت أعافر وأكمل عشان خاطر الولدين اللي فاضلين لي؛ وبعد أسبوع واحد، لقيت أهلي واقفين على باب بيتي…
خليك معايا، لأن الجزء الأهم في القصة دي ما حصلش جوة المستشفى. ده حصل على باب بيتي بعد سنة كاملة، لما الناس اللي قالوا لي “لا” زمان، رجعوا يخبطوا على الباب.
طول حياتي، كنت بشوف إن طلب المساعدة ده اعترف مني إن كل حاجة بتتنهار، عشان كده نادراً ما كنت بطلبها. ربيت تلت عيال في شقة إيجار أوضتين وصالة، وكنت بصرّف عليهم بالطريقة الوحيدة اللي أعرفها: الكتابة. أكتب مقترحات لمشاريع، ونشرات إخبارية للمستشفيات، من نوعية الكلام الموزون اللي يقنع ناس غريبة تفتح جيبها وتتبرع لغيرها.
كنت بكتب كل حاجة بالرصاص الأول على كشاكيل صفرا بشتريها بالدستة من الفكة اللي معايا. “جنى”، بنتي ذات التسع سنين، كانت بتاخد الكشاكيل دي وترسم خيول على الهامش. “ياسين”، اللي كان عنده ست سنين، كان بشوف الكشاكيل دي مملة. أما “سليم”، صاحب الاربع سنين، فكان أكتر حاجة بتحجبه صوت تقليب الورق.
ما كانش حيلتنا كتير، بس كان عندنا نظام، والنظام ده هو اللي كان ماسك حياتنا. توصيل المدرسة الساعة تمانية، شغل لحد نص الليل، وتحضير اللانش بوكس من بالليل عشان ما حدش يتأخر. كنت عاملة ميزانية للأكل، والبنزين، وحتى دكتور الأسنان لحساب تلت شهور قدام.
كنت بقول لنفسي إنني أقدر أشيل أي حمل طالما مخططة صح.
الحاجة الوحيدة اللي ما حطيتهاش في الميزانية أبداً، هي إن أكون محتاجة بني آدم تاني معايا في الأوضة.
”ماجد” مشي وسابنا من سنتين لما كان “سليم” لسة بلحاف. بعديها، بقيت أسرع وأشطر، زي ما بتتعلم تتصرف لما ما تلاقيش إيد تانية تلاحق على الحاجات اللي تقع منك.
الناس في المدرسة كانوا بيقولوا عليا “ست قوية”. ول فترات طويلة، كنت باخد الكلام ده على إنه مدح. دلوقتي بس فهمت إن فيه فرق كبير بين إنك تشيل حمل، وبين إنك تشيله لوحدك.
في ليلة التلات دي، الفرق ده جابني الأرض.
”جنى” جالها سرطان الدم (اللوكيميا) وهي عندها سبع سنين. وعدينا بالعافية من أول معركة طويلة: عينات ناع الشوكي، أسابيع الكورتيزون، البيات في المستشفيات، والأيام اللي كانت بتصرخ فيا عشان قطعت لها التوست غلط.
وبعدين دخلت في مرحلة خمول للمرض، وأدتنا سنة كاملة حسسنا فيها إننا طبيعيين.
في مارس كملت تسع سنين.
وفي أبريل، تحليل الدم رجع يلخبط تاني.
دكتور الأورام استخدم كلمة “ارتداد للمرض”، وبعدين لف الكلام بحاجات لطيفة. بس أنا كتبت كلام طبي كتير وخبرتي بتقول إن الارتداد بعد أول تعافي معناه سكة أصعب وفرص أقل.
كانوا عايزين يحجزوا “جنى” في المستشفى عشان تاخد جرعات كيماوي مكثفة.
المستشفى اللي فيها قسم أورام الأطفال كانت في القصر العيني، على بعد ساعة ونص من بيتنا، و”جنى” كانت محتاجة حد ينام جنبها.
وده معناه: أنا.
المشكلة إنني شغالة فري لانسر.
والفري لانسر مالوش إجازات مدفوعة ولا 12 أسبوع حماية وظيفة. مفيش رصيد إجازات مرضي، ولا مدير هيبعت لي مرتب وأنا قاعدة جنب بنتي.
كل ساعة بقضيها جنب “جنى” هي ساعة مش داخلي فيها جنيه.
عميلين من اللي بشتغل معاهم بدأوا بهدوء يدوروا على كتاب تانيين بيردوا على الإيميلات أسرع.
و”ياسين” و”سليم” ما ينفعش يسيبوا في البيت لوحدهم.
وأنا بين المستشفى والبيت، دخلي نزل للنص. حضانة اليوم الكامل للولدين كانت هتتكلف مبالغ أنا مش قادرة عليها بعد ما الشغل بدأ ينشف.
الحسبة كانت مأساوية.
كان لازم أكون في مكانين بينهم ساعة ونص، وأنا ما حيلتيش غير جسم واحد.
في أول ليلة، قعدت في جراج المستشفى وأنا بحسب البنزين بالجنيه مش باللتر.
وبعدين عملت حاجة كنت حلفة عمر ما هعملها.
عملت قائمة بالناس اللي ممكن أطلب منهم المساعدة.
وكان فيه اسم واحد بس على رأس القائمة.
أمي اسمها “شادية”.
خلفتني وهي عندها 26 سنة، وقضت طفولتي كلها تفكرني باللي كلفها إياها وجودي. معهد التمريض، الفرص اللي راحت، والحرية.
في عزومات العيلة، كانت تقول للناس إنها سابت معهد التمريض بسبب الحمل، وده معناه بسببي أنا.
كانت ماسكة دفتر حسابات وهمي لكل حاجة ضحت بيها، ولسبب ما، الحساب ده دايماً كان طالع بالسالب على عيالها.
كنت عارفة ده كله.
بس برضه رقمها هو اللي طلبت الساعة تسعة بالليل.
إيديا كانت بتعرق.
خليت الطلب بسيط.
“جنى” رجعت المستشفى تاني.
ومحتاجة حد يساعدني في الولاد كام أسبوع.
حتى لو الصبح بس.
حتى لو يوم ويوم.
سكتت سكتة طويلة.
وبعدين أمي ما قالتش “لا” بشكل مباشر.





