اهلي رفضوا ج1

برة، الناس بتقيس الحياة بالصباحات، والإجازات، والمواعيد.
جوة، اليوم بيلف حوالين عينات الدم، العلاج، العلامات الحيوية، والهدوء الغريب اللي بين الساعة تلاتة وخمسة الصبح لما الطرقات تفضى وتسمع المبنى وهو بيتنفس.
وده كان الوقت اللي بكتب فيه.
​في ليلة، فيه ممرضة وقفت عند طرف النور.
كانت في الخمسينات، نضارة القراءة محطوطة في شعرها الشايب، والبادج على صدرها مكتوب عليه “مس مرفت”.
بصت للكشكول الأصفر اللي على ركبتي وللنشرة الطبية اللي كنت بتمثل إنني مهتمة بيها.
ما سألتش أسئلة.
قالت بس: “لازم تأكلي حاجة. فيه مهلبية في ثلاجة المرضى ما حدش بياخدها. اللي بالفانيليا.”
بس كده.
لا نصايح.
ولا أسئلة عن أهلي فين.
ولا شفقة.
أنا كان جالي حساسية من نظرات الشفقة والميَلة بالراس في الشهر ده.
ومس مرفت ما عملتش كده.
بعد عشرين دقيقة، رجعت بباكيتين مهلبية، حطت واحدة جنبي، وأكلت التانية وهي واقفة تبص للطرقات الفاضية كأننا مجرد اتنين شغالين نفس النوبتجية الطويلة.
​جوة أوضة “جنى”، كانت صاحية وبترئس وتؤمر حتى وهي تعبانة.
في مكالمة فيديو مع إخواتها، كانت بتوزع الأوامر وهي نايمة في السرير.
“يا ياسين، ارفع التليفون فوق شوية”، كانت بتؤمر.
“يا سليم، المكعبات دي مش بتتبني كده”.
كانت من نوعية الأخوات الكبار اللي يقدروا يديروا البيت كله من سرير مستشفى وفي صدرها خرطوم المحلول.
كنت ببص لها وهي بتزعق لـ “سليم” على المكعبات وأقول لنفسي: دي بنت لسة عندها خطط.
ما كنتش فاهمة ساعتها أد إيه “مس مرفت” هتفرق في حياتي.
كنت فاكراها مجرد ممرضة بتجيب مهلبية.
ولأول مرة، كنت غلطانة في الاتجاه الحلو.
​اتعلمت في الشهر ده أكون أمهين، ولا واحدة فيهم كاملة.
في الصبح، أسوق راجعة البيت عشان أعمل فطار وأرد على أسئلة “ياسين”.
“هي جنى هترجع امتى؟”
كان بيسأل كل يوم بصبر الطفل اللي لسة فاكر إن الكبار عارفين كل حاجة.
“هي هترجع في عيد ميلادي؟ هي ينفع تكون معايا في مشروع العلوم؟”
كنت بديله الحقيقة فتافيت صغيرة على قد ما يقدر يبلعها.
وكنت بيكره نفسي وأنا بعمل كده.
“سليم” ما كانش بيسأل.
كان بيتحول لعيال بطة، يمسك في رجلي كل ما أحاول أرجع المستشفى.
في صبحية، عضني في دراعي جامد، وبعدين قعد يعيط كأن العالم انهد.
قعدت على أرضية المطبخ وحضناه لحد ما إحنا الاتنين اتأخرنا على كل حاجة.
​في بعد الظهر، بكون الأم التانية.
أم السرير.
اللي بتقرأ نفس الفصل من كتاب الخيل بتاع “جنى” أربع مرات لأنها بتحبه والعلاج بيمسح ذاكرتها.
​في نص الشهر تقريباً، حاولت أكلم أمي تاني.
مش مكالمة.
ما كنتش هستحمل مكالمة تانية.
رسالة مباشرة على الواتساب.
“أمي، أنا بغرق. مفيش أي طريقة تساعديني؟”
​التلت نقط ظهروا.
قلبي عمل حاجة غبية وعشم نفسه.
وبعدين نقط الكتابة اختفت.
وما جاش حاجة.
​وأنا قاعدة في جراج المستشفى بعدها والموتور مطفي، اكتشفت إنني بطلت أبص على مدخل البيت لما برجع.
بطلت أستنى بصوت عربية يمكن تكون أمي وأبويا جايين.
أنت مش دايماً بتاخد بالك لما الأمل بيمشي.
أنت بتاخد بالك بعدين لما تكتشف إنك بطلت تستنى.
وده حزن لوحده.
وجيه قبل الحزن الحقيقي.
​الأسبوع اللي بعتّ فيه الرسالة لأمي وما اتردش عليها، عملت غلطة وقعدت أفرّ في جروب العيلة بدل ما أقفله.
أمي كانت نزلت بوست برضه.
بس مش ليا.
صورة من نادي الزهور.
دستة ستات بالبلوزات الباستيل حوالين ترابيزة طويلة عليها سندوتشات وبانر مكتوب عليه “غداء الربيع”.
أمي كانت قاعدة في النص بتضحك وفي إيدها كاس عصير.
الكابشن كان: “ربنا يديم عليا صحبة البنات، 41 لاف”.
​فضلت أبص للصورة أكتر مما يجب.
تحت خالص كان فيه تاريخ ووقت صغيرين بالرمادي.
حاجة في الوقت ده خبطت في دماغي.
ما دورتش وراها الليلة دي.
كنت مهدودة، و”جنى” كانت محتاجة دوا الساعة أربعة، والتعب دايماً بيكسب الشك.
بس الـ Timestamp ده فضل في دماغي.
​بعدها بكام ليلة، حرارة “جنى” رفعت.
النوع الخطر.
النوع اللي بيقضي على الهدوء في الأوضة ويملأها جوانتيّات وطوارئ.
حرارتها كانت بتعلى.
الشاشة كانت بتتغير.
لمدة ساعتين، الكل كان ب يهرب من الكلمة اللي كانت قاعدة معانا في الأوضة على أي حال.
​كنت محتاجة حد في البيت.
أي حد.
لأن لو الأمور راحت للنسخة الأوحش، ما كنتش هقدر أسيب “جنى” وأسوق ساعة ونص للولاد.
وما كنتش هقدر أسيبهم يصحوا لوحدهم.
الساعة 8:14 بالليل، كلمت أمي.
التليفون رن لحد ما قفل.
ما بعتش رسائل.
​على الصبح، “جنى” كانت استقرت.
الست “أم محمود” ردت من أول رنة وفضلت مع الولاد.
في الصباحية دي، وأنا قاعدة في غرفة الإقامة مع قهوة باردة، دورت ورا الـ Timestamp اللي كان مضايقني.
فتحت جروب العيلة.
جبت صورة نادي الزهور.
بصيت على الوقت الرمادي الصغير.
8:14 بالليل.
نفس الدقيقة اللي كنت واقفة فيها جنب سرير “جنى” بكلم أمي والتليفون يرن وما حدش يرد.
​ولأن الحزن بيخلي بعض الناس تدقق، فتحت ستوري “شيرين” العامة من نفس الليلة.
صورة في نايت كلوب.
كاسين بيمسوا على بعض.
“سهرة مع حبيبي” مع قلب.
نفس الساعة.
نفس الكوكب.
بنتي كانت بتتحرق بالحرارة في سرير المستشفى والستين اللي كان ممكن ييجوا كانوا بيقيموا كاساتهم عشان الصور.
​ما صرختش.
ما عيطتش.
حطيت التليفون بالراحة على السرير كأنه هيتكسر.
وبعدين أخدت قرار كنت بلف حواليه من أسابيع.

حطيت التليفون بالراحة على السرير كأنه هيتكسر.
وبعدين أخدت قرار كنت بلف حواليه من أسابيع.
بطلت أطلب.
​مش كبرياء.
دي حسبة برما.
ما ينفعش تفضل تسحب من حساب عمره ما كان فيه رصيد ليك.
​بعد الصبحية دي، حاجة جوايا بقت هادية وواضحة.
بطلت أصرف قلبي على الناس اللي مش جاية، وبدأت أصرفه كله على البنت اللي وقتها بيخلص.
​الأسابيع اللي بعد كده ما كانتش كلها زي ما تتوقع.
بالطريقة الغريبة بتاعتها، بعض الأيام كانت شبه سريعة وسعيدة.
لما تبطل تستنى النجدة، بتبطل تبص على الباب.
ولما تبطل تبص على الباب، بتاخد بالك أخيراً من اللي موجود جوة الأوضة.
اللي كان جوة الأوضة هي “جنى”.
​دهنّا أظافرها في السرير، كل صباع بلون مختلف لأنها رفضت تختار لون واحد.
قالت لي آرائها القوية في كل حاجة بدون استثناء.
ضحكنا إخواتها على الفيديو لحد ما “سليم” وقع من على الكنبة.
خلصنا كتاب الخيل، وبعدين واحد تاني، وبدأنا في التالت.
​في مساوية، “مس مرفت” جت بعد نوبتجيتها، لسة بالبالطو الأبيض، وسابت حاجة برة أوضتنا.
طاجن خضار بايركس بغطا أزرق، لسة دافي.
فيه ورقة مربوطة بأستيك على الغطا.
“من تمريض القسم”.
عرفت بعدين إن مفيش حاجة اسمها صندوق تمريض القسم.
كانت “مس مرفت”.
مطبخها.
مصاريفها.
يوم إجازتها.
​أكلنا أكل دافي على الترابيزة الصغيرة والولاد معانا على الفيديو.
كانت أول وجبة حد يعملها لي من فترة أطول من إنني أعدها.
غسلت الطاجن وكان قصدي أرجعه أول ما الدنيا تهدى.
فضل جنب الباب لأسابيع.
​لمدة تلت أسابيع، أقنعت نفسي تقريباً إن الدنيا فعلاً هتهدى.
ما كنتش اعرف إن الأسابيع قربت تخلص

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *