حماتي قضت

طارق قعد على الكرسي كأنه جبل وانهد. مسك الجواب اللي سيف جابه يوم الكريسماس — طلب التقديم لفصول محو الأمية للكبار — ورفعه.

— سيف لقى الورقة دي في درجك… أنتِ كنتِ تحاولي تتعلمي؟

إلهام هزت راسها وهي بتعيط:

— من سنتين… لما سيف بدأ يقرأ كتب كبار… ولما داليا بدأت تدرس وتعمل شهادات… حسيت إن زماني غير زمانكم. كنت بروح الفصل السر ده مرتين في الأسبوع… بس ما قدرتش أستوعب… كان صعب عليا… خفت! خفت لو حد عرف يسخر مني زي ما كنت…

ما كملتش الجملة. بس الكل فهم باقي الكلام.

زي ما كانت بتعمل مع داليا.

الخوف من إنها تتكشف هو اللي تحول لغل وحقد على داليا. داليا كانت بتعمل العكس تماماً: بدأت من الصفر، اعترفت بظروفها، وشغلت على نفسها لحد ما بقت مترجمة في مؤتمرات دولية. داليا كانت المراية اللي بتعكس لإلهام الحقيقة اللي مرعوبة تواجهها.

سيف، اللي كان واقف عند باب الصالة وبيسمع كل حاجة، قرب من جدته ببطء.

قعد على ركبه قدام الكرسي بتاعها، وحط إيده على إيدها المرتعشة.

— يا تيتا… ما حدش كان هيقلل منك لو كنتِ قولتي.

إلهام بصت لحفيدها بعيون مليانة خجل:

— أنا آسفة يا سيف… أنا بوظت كل حاجة… وجمعت الناس عشان أذل أمك… وفي الآخر طلعت أنا اللي…

— ما تقوليهيش يا طنط — داليا اتدخلت بقطعية وهدوء — ما تقوليش الكلمة دي على نفسك.

إلهام بصت لداليا باستغراب، كأنها مستنية داليا تستغل اللحظة عشان تنتقم من سنين الإهانة والذل.

بس داليا مسكت إيد طارق، وبصت لحمتها:

— أنتِ ربيتي طارق وإخواته، وما خلتيهمش يحتاجوا حاجة، ودي حاجة ما حدش يقدر ينكرها. بس مشكلتك إنك افتكرتي إن نقص التعليم يعيب البني آدم… وده اللي خليكي تظلميني وتظلمي نفسك سنين. التعليم شهادة، بس الإنسانية والصدق طبع.

أستاذ المحاماة والخبيرة اللي فحصوا القروض جم بعد يومين. طارق وداليا وقفوا جنب إلهام، وقدموا بلاغ رسمي ضد المحتالين اللي استغلوا عدم معرفتها بالقراءة والبصمة، وقدروا يثبتوا النصب ويلغوا القرض ويحموا المحل من الضياع.

في اليوم اللي البلاغ اتقفل فيه، طارق أخد أمه وداليا وسيف وخرجوا يتعشوا بره.

إلهام كانت قاعدة ساكتة، مش هي الست اللي بتتحكم في الترابيزة زي زمان. كانت أهدى، وأصغر، بس لأول مرة كانت باينة طبيعية من غير الأقنعة اللي كانت لابساها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *