كنسلت

”أنت تعرفها منين؟”
تعبير وش الراجل اتغير.
وبعدها قال لي حاجة خلت موضوع الخيانة ده يطلع مجرد بداية لحاجة أكبر بكتير.
عشان كل اللي ماهر كان مخبيه ماكنش حاجة جديدة.
والست دي ما دخلتش حياتنا بالصدفة أبداً.
في الليلة دي، عرفت أخيراً هي مين بجد—وليه ماهر كان واثق أوي إن مستحيل أقدر أستغنى عنه أو أمشي.
الأختين كبروا في بيت كله لغبطة ومشاكل، وقضوا سنين ينتقلوا من محافظة لمحافظة بأسامي عائلات مختلفة.
في صغرهم، كانوا ساعات بيستغلوا الشبه التطابق اللي بينهم عشان يلخبطوا الناس في ألاعيب ومصالح مالية صغيرة.
ومع الوقت، “نور” حاولت تسيب أسلوب الحياة ده ورا ضهرها.
اتعرفت على “سامح”.
واتجوزته.
ونقلت تعيش معاه في الأرياف في هدوء.
ولكام سنة، عاشت حياة مستقرة وساكتة.
لحد ما رجعت اتواصلت تاني مع أختها “رانيا”.
وبعد ما الجوازة بين “نور” و”سامح” باظت وبقت جحيم، قررت تمشي وتأخذ بعضها.
بس بدال ما تقول لسامح الحقيقة في وشه، استغلت مساعدة أختها عشان تمسح معظم أثرها الرقمي وحساباتها وتStart جديدة بهوية تانية خالص.
ولمدة ثلاث سنين، عاش “سامح” بأسئلة ملهاش إجابات، في الوقت اللي الست اللي اتجوزها كانت عايشة في مكان تاني خالص بحياة جديدة.
ولما التقوا وأخيراً اتكلموا وش لوش، “سامح” سأله السؤال اللي كان بيطارده ومطير النوم من عينه طول السنين دي:
“ليه ما جولتيليش بصراحة إنك عايزة تمشي وتطلقي؟”
واصلت “نور” كلامها وهي بتبص لـ “سامح” ودموعها نازلة من غير صوت، وفي عينها نظرة ندم ملهاش أثر في الصورة القديمة اللي كان ماسكها.
”ماكنتش هترضى تسيبني في حالي يا سامح.. أنت كنت هتحارب عشان تطولني أو ترجعني، وأنا كنت مرعوبة أرجع للشخصية القديمة تاني.”
لكن سامح هز رأسه بنفي وبصلي أنا، وكان عينيه فيها كمية وجع وخذلان تسع الدنيا:
”القصة مش بس إنها سابتني وتبخرت.. القصة إن ‘رانيا’ أختها هي نفس الست اللي شفتيها مع جوزك ‘ماهر’ في العربية!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. قلبي بدأ يدق بسرعة، وبصيت لسامح وأنا بحاول أربط الخيوط ببعضها.
”رانيا؟” سألته بصوت متقطع. “طب وماهر جوزي يعرف رانيا منين؟ وليه كانت قاعدة معاه بالشكل ده؟”
سامح طلع ملف صغير من شنطته وحطه قدامي على الترابيزة.
”ماهر جوزك ماكنش خاين وبس يا نور.. ماهر كان بيمر بأزمة مالية كبيرة وطالع منه ديون للركب بسبب مشاريع وهمية دخل فيها. رانيا أخت مراتي كانت هي اللي بتديره وتوجهه.. هي بتشتغل مع شبكة لنصب وتبييض الأموال، وكانت بتستغل ماهر عشان ينقل أصول وحسابات باسمها، وفي المقابل توهمه إنها هتنقذه من الإفلاس.”
سكت شوية وبصلي بجدية شديدة:
”والجملة اللي قالها لك وأنتِ ماشية.. ‘من غيري أنتِ ولا حاجة ومعندكيش حاجة’.. ماكنتش مجرد تهديد فارغ.. ماهر كان بيجهز أوراق رسمية عشان يكتب البيت وكل أملاكه باسم ‘رانيا’، وكان ناوي يطلعك أنتِ وابنك من المولد ببلح، ويسيبك للشارع من غير مليم!”
جسمي كله اقشعر. اللحظة اللي قررت فيها أكرف لطيارتي وأرجع البيت ماكنتش مجرد صدفه ولا إحساس عابر.. دي كانت المعجزة اللي أنقذتني أنا وابني “سيف” قبل ما الفأس تقع في الرأس.
سامح قرب مني وقال بنبرة حاسمة:
”أنا بقالي سنتين بتتبع خيط رانيا ونور.. ولما لقيت ماهر دخل في اللعبة، عرفت إنك الضحية الجديدة. أنا معايا كل الأوراق والتسجيلات اللي تثبت تورطهم هم والتلاتة في قضايا تزوير ونصب.. وبكرة الصبح الأوراق دي كلها هتكون قدام النيابة.”
بعد شهرين..
كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي في وسط البلد.
ماهر كان قاعد قصادي، بس المرة دي ماكنش فيه أي أثر للابتسامة المغرورة ولا للشماتة اللي كانت في عينيه. كان وشه أصفر، ومكلبش في إيديه وهو بيوقع على أوراق الطلاق والتنازل الكامل عن الشقة ونفقة “سيف”، بعد ما النيابة وجهتله تهم التزوير والشبهة الجنائية مع “رانيا” وأختها.
بصلي بنظرة انكسار ورجاء وقال بصوت واطي:
“نور.. عشان خاطر سيف.. بلاش تدمري كل حاجة.”
بصيتله بثبات، وأخدت ابنِي من إيده وقفت:
”أنا ما دمرتش حاجة يا ماهر.. أنت اللي نسيت إن ربنا ما بيسيبش مظلوم.. ومن غيرك، أنا وبدأت حياتي بجد.”
خرجت من المكتب وأنا ماسكة إيد “سيف” جامد.. وأول مرة من شهور طويلة، حسيت إن الهواء اللي بدخله صدري نقي.. وإن الشمس طالعة عشانّا إحنا بس.





