كنسلت

”أنا حتى ما رفعتش صوتي.”
مشيت من جنبه ودخلت.
”أنتِ رايحة فين؟”
فضلت ماشية ناحية البيت.
”رايحة أشوف إيه تاني كنت مطنشاه ومغمضة عيني عنه.”
فتحت باب البيت ولقيت “أوفليا” بتبتدي تحضر حاجة في المطبخ.
تقريباً ما أبدتش أي رد فعل لما شافتني.
”فين سيف؟”
”فوق.”
”ليه؟”
”كان بيشقَى، فبعته لأوضته. لازم يتعلم شوية أدب وانضباط.”
طلعت فوق على طول.
سيف كان قاعد على السرير وضمم ركبه لصدوره. حتت وقطع من الطيارة الدرون اللي كان بيبنيها كانت متطورة على الملاية.
اول ما شافني، وشه اتغير.
”ماما؟”
كان باين عليه الذهول.
”هو أنتِ مش المفروض في الطيارة؟”
”ما بقتش مسافرة خلاص.”
تردد شوية:
”هو أنا لسه معاقب؟”
السؤال ده وقّفني في مكاني.
كان فيه حاجة في نبرة صوته بتقولي إن الموضوع أكبر بكثير من مجرد لمبة جاردن مكسورة.
قعدت جنبه.
”لأ.”
بعدها مديت إيدي لشنطة مدرسته.
”الم هدوم تكفي كام يوم.”
سيف بصلي باستغراب:
”أحنا رايحين فين؟”
”لسه مش عارفة.”
ابتسمتله إبتسامة أطمنه بيها:
”بس أنت جاي معايا.”
ما سألش ولا سؤال تاني.
لم شوية قمصان، فرشة أسنانه، كتابين، ولم بحرص القطع بتاعة الطيارة بتاعته اللي ما كملتش.
كنت بساعده أقفل سوستة الشنطة لما ماهر ظهر على باب الأوضة.
والست السمراء بتاعة العربية الكحلي كانت واقفة وراه بمسافة.
ماهر كان باين عليه الضيق أكتر من إنه متأسف أو ندمان.
”اللي بتعمليه ده جنان وهبل يا نور.”
كملت لم الهدوم.
”أنتِ اصلاً مش فاهمة أنتِ شفتي إيه.”
”أنا فاهمة كفاية أوي.”
”أنتِ كل اللي شفتيه إني قاعد في عربية بتكلم مع واحدة!”
لفتله وأخيراً بصيت في عينه:
”وظاهرياً كده المفروض أطنش وأعدي كل الحاجات التانية اللي بتحصل بقالها شهور برضه.”
وشه تقسى وتنشن:
”ناويا تروحي فين يعني؟”
”في مكان ابننا ما يتحسسش فيه طول الوقت إنه مشكلة وعالة.”
مسكت إيد سيف.
”ومكان ما أضطرش فيه أقنع نفسي بالعافية إن جوزي يترد عليه الأمانة ويتصدق.”
ماهر ضحك ضحكة بايخة من غير أي ضحك.
وبعدها قال الجملة اللي أظن إنه كان متوقع إنها هترعبني:
”لو مشيتي، ما تستنيش مني أصرف عليكي أو أدفع مليم في أي حاجة.”
هزيت رأسي:
”تمام.”
شكل متفاجئ من سرعتي في الرد.
وبعدين ظهرت الابتسامة المغرورة الصفرا على وشه:
”فكري كويس يا نور… من غيري، أنتِ ولا حاجة ومعندكيش أي حاجة.”
وقفت وإيدي على أكرة باب الشقة.
من سنين فاتت، الكلام ده كان ممكن يرعبني فعلاً.
بس وأنا واقفة هناك وسيف جنبي ومكتفة إيدي بإيده، اكتشفت فجأة إن خوفي ده هو بالظبط اللي ماهر مراهن عليه ومستنيه.
فـ لفت وبصيتله:
”المكالمة أو القعدة الجاية اللي هنحكي فيها عن الفلوس، جوازنا، أو ابننا… هتكون عن طريق المحامي بتاعي.”
ابتسامته اختفت في ثانية.
فتحت الباب.
ومشيت أنا وسيف.
وقتها، كنت فاكرة إن قفشتي لماهر مع واحدة تانية هي أسوأ اكتشاف هكتشفه.
طلعت غلطانة.
عشان بعد أيام قليلة بس، راجل عمري ما شفته قبل كده طلب يقابلني ويتكلم معايا على جنب.
حط صورة قديمة على الترابيزة بيني وبينه.
”الصورة دي متصورة من ثلاث سنين،” ده اللي قاله.
بصيت تحت.
جسمي كله اتثبت ووقف.
كانت هي.
الست السمراء بتاعة العربية.
نفس الوش.
نفس الشعر.
نفس الابتسامة اللي مستحيل تتنسى.
بس في الصورة، ماكنتش واقفة جنب ماهر.
كانت واقفة جنب الراجل الغريب اللي قاعد قدامي دلوقتي.
رفعت عيني بالراحة:





