مرات اخوكي

—لا يا ندى يا بنتي، ما تدفعيش. أنا اللي هدفع من فلوسي.

عمتي ماجدة حطت إيدها في وسطها وضحكت بتهكم:

—فلوسك؟! منين إن شاء الله؟ هو انتي طالك قرش من أبا؟

أمي طلعت كارت البنك بتاعها بحركة هادية وحطته قدام الموظفة. بصت لعمتي في عينها عدل وقالت:

—أيوة فلوسي. الفلوس اللي كنت بشيلها قرش على قرش من مصروفي، والجمعيات اللي كنت بدخلها عشان أستر بيتي وعيالي. أنا صح أهلي كانوا على قد حالهم يا ماجدة، وصح حماتي زمان طفحتني الكيل وعيرتني بفقري، وانتوا كملتوا عليها… بس أنا النهارده مش الست الضعيفة بتاعة زمان اللي بتتدارى في الخيال. أنا كبرت وربيت، وجبت رجالة وستات بجد.

لفت أمي وشها وبصت لندى، وعينيهم اتقابلت في لحظة دافية أوي، كأن السنين كلها اتلخصت في نظرة.

—وندي دي مش مجرد كنة… دي البنت اللي فكرتني إن ليّا قيمة، وإن الظهر ما بيبقاش بالفلوس ولا بالعيلة الكبيرة، الظهر بالأصل والجدعنة. الشنطة دي أنا هشتريها لنفسي، عشان كل ما أمسكها أفتكر إن زمني القديم مات واندفن خلاص.

المحل كله سكت. عمتي ماجدة اتلجمت، وشها جاب ألوان وبقت تتلفت حواليها كأن الأرض بتاكلها من الكسفة، خصوصاً لما الموظفة سحبت الكارت وتمت العملية وادت لأمي الشنطة في علبتها الشيك.

خرجنا من المول وعمتي ماشية ورانا زي الخيال، ما فتحتش بؤها بكلمة واحدة لحد ما وصلت محطة القطر ورجعت إسكندرية قبل ما تكمل باقي الأسبوعين.

لما رجعنا البيت، أمي قعدت على الصالون، حطت الشنطة قدامها، وطلبت مننا كلنا نقعد. بصتلي أنا ومصطفى وندى، ودموعها نزلوا بس المرادي كانوا دموع راحة.

—أنا آسفة يا بنتي —أمي قالتها وهي بتبص لندى—. أنا كنت هتحول لنفس العفريتة اللي ظلمتني زمان. كنت فاكرة إن الأدب ضعف، وإن العشم بييجي بالتسلط.. انتي علمتيني درس عمر أي حد ما عرف يعلمهولي.

ندى قربت منها، قعدت تحت رجليها على الأرض ومسكت إيدها:

—ولا يهمك يا طنط. المهم إن السرطان ده يقف لحد عندك وما يتنقلش للجيل اللي بعدنا. إحنا أهل، والأهل بيسندوا بعض، مش بيكسروا بعض.

ومن اليوم ده، البيت اتغير تماماً. أمي بطلت كلمة “لازم” و”غصب”، وبقت لما تعمل محشي يوم السبت تبعت لندى ومصطفى حلة جاهزة لغاية باب شقتهم بكل حب. وأنا؟ أمي بقت تسمعلي وتحترم رأيي وما بقيتش تضغط عليا في جواز ولا غيره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *