عندما رأيت طليقي

ما أنت شطبتني من حياتك بلوك، أنا شطبتك من دنيتنا للأبد.
سيبته واقف مكانه مكسور، ولفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي طول الست سنين فاتوا انزاح، وربنا جابلي حقي لحد عندي ومن
غير ما أعمل أي حاجة.

مشيت فريدة من قدامه من غير ما تلتفت، بينما عمر فضل واقف مكانه، حاسس إن الدنيا كلها بتنهار حواليه.

ولأول مرة في حياته، فهم معنى إن كلمة واحدة ممكن تدمر عمرًا كاملًا.

مرت أيام

ثم أسابيع.

وفريدة كانت تظن أن الأمر انتهى.

لكن عمر لم يختفِ هذه المرة.

بدأ يرسل رسائل عبر معارف مشتركة.

مرة يطلب أن يراها.

ومرة يطلب فقط صورة ليوسف.

ومرة يطلب أن يساهم في مصاريفه.

لكنها كانت ترفض في كل مرة.

لم تكن تريد منه مالًا.

ولا اعتذارًا.

ولا حتى دموعًا.

كانت ترى أن بعض الجروح لا يمحوها الندم.

وفي إحدى الليالي، وبينما كانت ترتب حقيبة يوسف المدرسية، رن هاتفها.

كان الرقم غريبًا.

ترددت قليلًا ثم أجابت.

جاءها صوت رجل مسن

السلام عليكم أنا والد عمر.

سكتت للحظة.

لم تسمع صوته منذ سنوات.

قال الرجل بصوت متعب

أعرف أن ابني أخطأ بحقك خطأً كبيرًا وأعرف أن أي كلام لن يغير الماضي.

ثم أضاف

لكنني مريض يا ابنتي والأطباء يقولون إن أيامي أصبحت قليلة.

شعرت فريدة بانقباض في قلبها.

وأكمل الرجل

لا أطلب منك أن تسامحي عمر هذا حقك وحدك. لكن أرجوكِ دعيني أرى حفيدي مرة واحدة قبل أن أموت.

أغلقت الهاتف بعد المكالمة وهي في حيرة.

طوال الليل لم تنم.

كانت تتذكر الإهانة.

والبكاء.

والوحدة.

لكنها كانت تتذكر أيضًا أن يوسف لا ذنب له في شيء.

وبعد أيام طويلة من التفكير

وافقت.

في عصر يوم الجمعة، دخلت إلى بيت عائلة عمر للمرة الأولى منذ ست سنوات.

كان البيت هادئًا بشكل غريب.

وحين دخل يوسف، ركض في الصالة ببراءته المعتادة.

أما الجد، فبمجرد أن رآه

بكى.

بكى كما لم يبكِ رجل كبير من قبل.

ضم يوسف إلى صدره وهو يرتجف.

وقال

سبحان من أعاد إليّ روحي قبل رحيلي.

وكان عمر واقفًا بعيدًا في زاوية الغرفة.

لم يقترب.

لم يتكلم.

كأنه فهم أخيرًا أنه فقد حق المطالبة.

وأن وجوده هناك نعمة لا يستحقها.

مرّت الزيارة بهدوء.

وقبل أن تغادر فريدة، استدعاها والد عمر إلى غرفته.

فتح درجًا صغيرًا وأخرج ظرفًا قديمًا.

وقال

هذا يجب أن يكون عندك.

فتحت الظرف باستغراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *