في البيت الأبيض ٢ – محمد نور

كانت أول مرة حد يجرب النموذج ده في أزمة حقيقية. وفشل عشان مكنش فيه كفاية من العنصر البشري والتقدير البشري. النظام كان بيعرف يحسب المسافة والقدرة الاستيعابية، بس مكنش بيعرف يحسب الخۏف، ولا الطقس، ولا اتصالات مکسورة، ولا حقيقة إن الناس التعبانة بتاعة الأزمات بتاخد قرارات غير الناس المرتاحة.
بصيت لجواب أبويا.
أعاد بناءه، أسامة كمل. أبوكي هو اللي عمل كده. وأنا كنت ملازم مكلف أساعده أجمع التقارير الميدانية. كنت فاكر إني هناك عشان أصلح مشكلة فنية وتقنية.. وهو علمني إن المشكلة الفنية والتقنية دي كانت أسهل جزء في الموضوع كله.
حاجة مألوفة وموجعة عدت فيا. أبويا كان قايل لي حاجة شبة كده لما كنت في ستة ثانوي وكنت بشتكي من مشروع تصميم كوبري للمدرسة.
الخريطة عمرها ما كانت الرحلة كلها، همست.
أسامة هز راسه. كان دايماً بيقول كده.
بصيتله بشدة. إنت فاكر؟
فاكر كل كلمة قالها.
الكلمات كانت هادية. ولأول مرة، سألت نفسي يا ترى أسامة كان شايل كام ذكرى لأبويا في الوقت اللي كنت فاكر أنه دوبك بيعرفه بالعافية؟
عرفت إني بنته امتى؟
أول ليلة تقابلنا فيها.
نفسي اتقطع.
كنت عارف؟
عرف اسمي.. وسألني لو أنا نفس فريدة اللي دخلت الجيش. قلتله أيوه.
وما قلتيش ليه؟
قال إنك مكنتيش جبتي
سيرتي.
ومكنش عندي سبب أجيب سيرتك أصلاً.. إحنا كنا لسه متعرفين.
بق الفم بتاع أسامة اتحرك بابتسامة قريبة من السخرية. قال إن دي غالباً السبب اللي خليكي مهتمة أصلاً.
رغم عني، كنت هبتسم. أبويا كان بېخاف من السحر السهل والكدوب البراقة. كان قايل لي زمان إن الراجل اللي يعمل انطباع أول حلو، استني لما تشوفي هيعمل إيه في الانطباع التاني.
قال إيه تاني؟
قال إنك عندك عناده.. وصبر مامتك.
مامي مكنش عندها صبر خالص!
كان عندها صبر معاكي.
دي حاجة تانية.
فعلاً.
الذكرى دي لينته لثانية، وبعدين اختفت.
كان المفروض تقول لي، قلتله.
أيوه.
من غير مبررات؟
من غير.
ولا إنك كنت بتحميني؟
كنت بحمي نفسي أنا كمان.
الصراحة دي خلتني أبصله أكتر. ثبت عينيه في عينيا.
كنت خاېف تسأليني أبوكي كان شايفني إزاي.
وليه أسأل؟
عشان هو مكنش معترف بيا ولا موافق عليا.
الحفلة سكتت حوالينا كأنها دابت.
إيه؟
مش من الأول.
ليه؟
عشان كنت بعاملك كأنك منافسة مش شريكة.
بحقلت فيه. بص بعيد. أبوكي شاف ده قبلي أنا شخصياً.
امتى؟
بعد ما اتجوزنا بسته شهور. زرناه في ويك إند. وكنت ناديتك لاجتماع شغل. قعدت أشتكي إن الجيش دايماً بيقطع علينا حياتنا.
إنت معملتش كده.
عملت.
مش فاكرة.
كنتي في المطبخ معاه. كنت فاكر إنك مش سامعانا.
وهو كان سامع؟
أبوكي كان بيسمع دبة النملة.
ده كان حقيقي. أبويا كان بيسمع صوت التلاجة وهي بتشتغل من غرفتين بعيد وكان بيكشف الكدبة من على ترابيزة العشا.
قالك إيه؟
قال لي لو إنت محتاجها تكون أقل كفاءة عشان تحس بالأمان، يبقى إنت مش جاهز تكون جوزها.
غمضت عيني. أبويا عمره ما قال لي الكلمات دي.
قالك كده فعلاً؟
قال لي إني بخلط بين الشراكة والسيطرة.. واتخانقت معاه.
أكيد طبعاً.
قلت له إني معجب بشغلك.. قال لي الإعجاب سهل طول ما هو مش بيطلب منك تتنازل عن أحسن كرسي في الأوضة.
بصيت للكراريس والكراسي الفخمة الفاضية حوالينا.
إيه اللي حصل بعد كدة؟
مشيت بدري.
قلت لي إن الجو كان وحش وبرة مطر.
وكان مطر فعلاً.
يا أسامة.
مكنتش عارف أقولك إن أبوكي كشفني وعراني قدام نفسي.
الۏجع القديم غير شكله.. مختفاش، بس بقى أدق.
كان معاك سنين تظبط فيها الموضوع.
عارف.
وبدل ده، حولتني لنكتة في قعداتكم.
عارف.
استخدمت قلقه عشان تبني أسرار.
كنت بقول لنفسي إني بكرم ذكراه.. بس الحقيقة إني كنت بهرب من فكرة إنك ممكن تكتشفي اللي هو كشفه.
اللي هو إيه؟
إني بحبك، ولسه برضه مغلوب من الأجزاء
فيكي اللي مقدرش أسيكر عليها.
قالها من غير لف ودوران. الجملة كانت عاړية لدرجة إني ما عرفتش أرد فوراً.
حوالينا، الحفلة مستمرة. مساعدين بيلفوا. واللواء بيتكلم بصوت هادئ مع جنرال جنب الدفاية. ورضوى واقفة على بعد خطوات، بتدينا خصوصية الناس اللي فاهمة إن الخصوصية مش معناه السفر والبعد.
بتقول بتغار من شغلي؟
كنت بغار من اللي الشغل كشفه فيّا.
ده مش نفس المعنى.
لا.. بس أنا اللي عملت من ده مشكلتك إنتي.
بصيت للوسام اللي نايم على صدري.
إنت عملت المشكلة تخص الكل.
ملامحه شدّت. أعرف.
لثانية، محدش فينا نطق.
بعدين اللواء فهمي قرب وماسك ملف أسود رفيع في إيده.
العقيدة فريدة، قال. فيه حاجة تانية لازم تشوفيها.
أسامة رجع خطوة. اللواء فتح الملف وطلع منه صفحات مصورة. الأولى كانت رسمة هندسية باهتة مليانة ملاحظات مكتوبة بخط الإيد.
عرفت التركيب والتصميم على طول. دي كانت أساس النظام اللي فريقي استخدمه في جسر الفانوس.
مش النموذج النهائي.. النسخة القديمة خالص. اللي كنت فاكرة إن أنا والرائد شاهيناز عملناها من التقارير الميدانية المبعثرة وسنين من العقيدة المتراكمة.
خط إيد أبويا كان منحني على الهوامش علّم المتغيرات البشرية. لا تتعامل مع الشك كأنه خطأ. ابني طريق تاني قبل ما الأولاني يقفل.
لمست الصفحة.
جبتوا ده منين؟
أبوكي
سلم النسخ الأصلية للأرشيف الحكومي تحت تصنيف مقيد. بعد ۏفاته، اتقفلت لحد ما فترة المراجعة انتهت.
وليه ما حدش قال لي؟
عشان الأرشيف مكنش رابط اسمك بالتطبيق العسكري اللاحق إلا مع مراجعة جسر الفانوس.
وبعدين؟
بعدين شغل فريقك اتقيم لوحده وبشكل مستقل. اللجنة خلصت إلى إن نموذجك اتطور من نفس المبادئ، بس مش معناه إني نقلتيه بالحرف.
أنا ماشوفتش الورق ده في حياتي.
أعرف.
اللواء قلب صفحة تانية.
ده التوصية اللي أدت لتكريم الليلة.
قريت الفقرة الأولى، والتانية. اللغة كانت رسمية، بس تحتها كنت شايفة بصمات الناس اللي اشتغلوا معايا. دقة شاهيناز. إصرار كريم على توثيق كل طوارئ. ووصف رضوى لمشكلة التنسيق المدني.
في الآخر، توقيع واحد خلاني أقف مكانى. أسامة المنشاوي.
بصيتله.
إنت اللي رشحتني؟ مردش فوراً.
أيوه.
امتى؟
من سنتين.
سنتين؟
قدمت التوصية عبر لجنة المراجعة المشتركة.
كنت قايل لي إني مرشحة لثناء لوجستي روتيني عادي.





