في السوبر ماركت – محمد نور

في الأول رفضت، لكن مريم كانت تعبانة لدرجة إنها بقت بتترنح وهي ماشية، فوافقت في الآخر.
يوسف ركب عربيته ومشي ورانا عشان يوصل المشتريات للشقة.
شقتي كانت صغيرة وبسيطة. مطبخ قديم، وترابيزة بتتطبق، وكنبة مستعملة، ورسومات مريم متعلقة على باب التلاجة بمغناطيسات صغيرة.
وأنا بحضّر الرضعة لليلى، بدأت ټعيط بعصبية شديدة من الجوع، لدرجة إن إيديّ بقوا بيرتعشوا وأنا بحاول أجهّز الببرونة.
ولما أخيرًا مسكتها وبدأت تشرب، أنا اللي عيطت.
عيطت في صمت، وأنا باصة لسطح المطبخ، عشان الراجل الغريب اللي

موجود عندي ماياخدش باله.
لكنه أخد باله.
والغريب إنه ماقالش ولا كلمة.
ودي كانت أول حاجة خلتني أرتاح له.
قبل ما يمشي، مدّ إيده واداني كارت صغير.
كان مكتوب عليه
يوسف المنشاوي المدير العام المنشاوي لإدارة الأصول والعقارات
قال لي
لو تحبي، ممكن أبص على السيرة الذاتية بتاعتك. أو أساعدك تستعدّي لأي مقابلة شغل.
رفعت حاجبي باستغراب.
حضرتك مدير شركة عقارات؟
أيوه.
بصيت له وأنا مش فاهمة
وكنت بتشتري عشا مجمّد من السوبر ماركت الساعة عشرة بالليل؟
فضل باصص لي لحظة، وبعدها ضحك تاني.
واضح إني شاطر في إدارة العقارات أكتر من إدارة لياليّ أنا شخصيًا.
مش عارفة إيه اللي خلاني أسأله
حضرتك عايش لوحدك؟
ملامحه اتغيّرت فجأة.
وقال بصوت هادي
من ساعة ما مراتي ماټت.
ندمت إني سألته على طول.
أنا آسفة، والله ماكنش قصدي.
ردّ بهدوء
اسمها نادية. إحنا كنا متجوزين بقالنا أربعطاشر سنة.
بصّ لرسومات البنات المعلقة على التلاجة، وكمل
كنا نفسنا نخلف. وكنا دايمًا نقول لسه بدري، ولسه قدامنا وقت.
سكتنا إحنا الاتنين.
لكن الصمت المرة دي كان مختلف.
ماعدتش شايفة قدامي راجل غني عنده شركة وعربية غالية.
كنت شايفة إنسان خسر حاجة

كبيرة في حياته، زي ما أنا خسړت حاجات كتير.
فجأة، يوسف فتح الحافظة الجلدية اللي كانت معاه.
افتكرت إنه هيطلع ورقة تانية أو كارت شغل.
لكنه طلع دفتر شيكات.
كتب فيه كام كلمة، ووقّع، وبعدها زحلق الشيك على الترابيزة ناحيتي.
أول ما عيني وقعت على المبلغ المكتوب، حسيت إني نسيت أتنفس.
110 آلاف جنيه!
بصيت للشيك، وبعدها بصيت له وقلت بسرعة
لأ!
زقيت الشيك ناحيته.
يا أستاذ يوسف، لأ طبعًا! حضرتك ماتعرفنيش أصلًا!
ردّ بهدوء
أنا عارف إنك بتعملي كل اللي تقدري عليه عشان بناتك.
قلت له وأنا مش مصدقة اللي بيحصل
ده مبلغ 110 آلاف جنيه!
عارف.
أنا ماقدرش أقبل حاجة زي دي!
رجّع الشيك قدامي تاني، وقال
طيب، ماتعتبريش إني بديكي فلوس.
بصيت له باستغراب.
أومال المفروض أعتبر إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟
بصّ لليلى، اللي كانت نامت أخيرًا بين دراعاتي، وقال
اعتبري إني بشتري لك شوية وقت.
عقدت حواجبي وأنا بحاول أفهم قصده.
فكمل
وقت تقدري تدفعي فيه الإيجار من غير ما تعيشي كل يوم مړعوپة من صاحب الشقة. وقت تدوري فيه على شغل يناسب خبرتك الحقيقية، مش مجرد المسمّى المكتوب في عقدك القديم. ووقت تقعدي فيه مع بناتك ليلة كاملة، من

غير ما تفضلي تحسبي تمن كل لقمة بياكلوها.
حسيت إن دموعي هتنزل تاني.
سألته بصوت
حضرتك ممكن تعيّني عندك من بكرة.
ردّ بهدوء
ممكن.
سألته
أومال ليه مابتعملش كده؟
قال
عشان عايزك تدخلي أي شركة وإنتِ عارفة إنك أخدتي مكانك لأنك تستحقيه فعلًا، مش لأن راجل معاه فلوس قرر ينقذك.

الكلام ده فضل يرنّ في ودني وقت طويل.
بعد تلات أسابيع، جالي اتصال من شركة متخصصة في الأجهزة الطبية، بيبلغوني إنهم وافقوا عليّا في وظيفة منسقة إدارية.
أول ما سمعت الخبر، اتصلت بيوسف وأنا بعيط من الفرحة.
وافقوا عليّا! أنا اتقبلت في الشغل!
سمعت ابتسامته في صوته وهو بيردّ
كنت عارف إنك تقدري تعمليها.
قلت له وأنا بضحك وسط دموعي
الحمد لله إن واحد فينا على الأقل كان واثق فيّا!
في البداية، كانت رسايلنا مقتصرة على الحاجات العملية.
وبعدين بدأت أبعت له صور ليلى وهي بتحاول تقعد لوحدها، وفيديوهات لمريم وهي بترسم قطط شكلها أقرب لبطاطس ليها شوارب.
وبقيت أبعث له رسايل أسأله إذا كان اتعشّى، ولا لسه معتمد على الأكل اللي بيطلع من الميكروويف.
وفي يوم سبت، عزمتُه على الغدا.
وصل وهو شايل هديتين كبار.
بصيت له من عند الباب وقلت
يوسف!
ردّ باستغراب
نعم؟
قلت له وأنا بشاور على الهدايا
أنا عزمتك على الغدا، مش عشان ترعى موسم أعياد الميلاد عندنا!
ظهرت مريم من ورايا، وبصت للهدايا بحماس.
أنا بحب الهدايا!
ضحكنا إحنا التلاتة.
الغدا اللي كان المفروض ياخد ساعة، استمر تقريبًا أربع ساعات.
وبعده بقت فيه عزومات

تانية.
أيام سبت في الجنينة.
وعصريات بنشرب فيها القهوة ونتكلم.
وعشا في بيته الكبير، اللي كان عبارة عن فيلا فخمة من الحجر، شكلها معمول لعيلة كاملة، لكن الصمت كان ماليها كأنها اتحكم عليها تفضل فاضية للأبد.
لحد ما بناتي بدأوا يدخلوا حياته واحدة واحدة.
في الأول، ظهر صندوق ألوان في مطبخه.
بعده شوية ألعاب.
وبعدين بطانية صغيرة لليلى على الكنبة.
وفي يوم، مريم اختارت أوضة من أوض الضيوف، ووقفت تعلن بكل ثقة
الأوضة دي هتنام فيها عرايسي!
يوسف عمل نفسه بيفكر بجدية، وبعدها قال
يبقى لازم نراجع عقد الإيجار الأول.
مريم بصت له بجدية وقالت
لأ، العرايس مش هتدفع فلوس!
ضحكنا كلنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *