في السوبر ماركت – محمد نور

الكارت اترفض قدام الكاشير، فطلبت منها تشيل لبن بنتي الرضيعة من الحساب لكن سؤال بنتي اللي عندها 3 سنين وجّع قلبي، وكلام راجل غريب ورايا غيّر حياتنا!
في الليلة اللي اتعرفت فيها على يوسف المنشاوي، كان فاضل في كارت البنك بتاعي 186 جنيه بس، وبنتي الرضيعة بټعيط من الجوع في حضڼي، وبنتي التانية اللي عندها 3 سنين بتسألني ببراءة ليه الكاشيرة بتشيل اللبن من مشترياتنا.
كانت الساعة قربت على تسعة ونص بالليل، والمطر بينزل على شوارع القاهرة. استنيت لحد الوقت ده لأن واحدة جارتي كانت وعدتني تعدّي عليّا بعد ما تخلص شغلها، وتاخدني معاها السوبر ماركت. أنا لسه ماكانش عندي عربية، وكل جنيه بصرفه على المواصلات كان معناه إن فيه حاجة تانية لازم أستغنى عنها من احتياجات البيت.
أول ما ماكينة الدفع أظهرت رسالة العملية مرفوضة، حسيت إن معدتي اتقبضت مرة واحدة.
فتحت تطبيق البنك على موبايلي، رغم إني كنت عارفة كويس هلاقي إيه.
الفلوس مش مكفّية.
قلت للكاشيرة وأنا بحاول أتماسك وماخليش صوتي يتهز
معلش، ممكن تشيلي علبة اللبن الصناعي دي من الحساب، لو سمحتي؟ أنا لخبطت في الرصيد.
شالت الست العلبة بهدوء، وبدأت

تحطها على جنب.
في اللحظة دي، بنتي الكبيرة، مريم، شدت طرف البلوفر الوردي الباهت اللي كنت لابساه، وبصتلي بعينيها الواسعتين.
ماما، يعني ليلى مش هتشرب لبن النهارده؟
السؤال ده وجعني أكتر من رسالة رفض الدفع نفسها.
نزلت لمستواها، وحاولت أبتسم.
لأ يا حبيبتي، ليلى هتشرب لبن طبعًا. ماما هتتصرف.
لكن الحقيقة إني ماكنتش عارفة هتصرف إزاي.
ليلى كان عندها حوالي خمس شهور. أبوها سابني قبل ما تتولد، وبعد ما خلصت إجازة الولادة بتلات أسابيع، عيادة الأسنان اللي كنت بشتغل فيها قفلت فجأة من غير أي إنذار.
أنا كنت بقالي سنين بنظّم مواعيد المرضى، وأتعامل مع الموردين، وأراجع الملفات، وأتابع شغل الموظفين، لكن كل ما أقدّم على وظيفة جديدة، كنت بكتب في خانة الخبرة موظفة استقبال، لأن ده كان المسمّى المكتوب في عقد شغلي القديم.
فلوسي اللي كنت محوشاها اختفت واحدة واحدة بين الإيجار، والحفاضات، والكشوفات، والأكل.
وفجأة، سمعت صوت راجل من ورايا بيقول
بعد إذنك، تسمحيلي أدفع تمن اللبن؟
لفّيت ناحيته.
كان راجل في حوالي ستة وأربعين سنة، لابس بالطو غامق وأنيق، وجزمته شكلها أغلى من كل الحاجات اللي في السوبر

ماركت الصغير ده. أما ساعته، فغالبًا كان تمنها أكبر من تمن كل الأثاث اللي عندي في الشقة.
أول رد فعل جه في بالي إني ضمّيت شنطتي لصدري.
شكرًا لحضرتك، بس مش محتاجة.
قال بهدوء
أنا مش عايز أحرجك.
ردّيت بسرعة
إحنا هنبقى كويسين.
كدبت بسرعة لدرجة إني أنا نفسي استغربت إزاي قدرت أقولها بالثقة دي.
بصّ الراجل لليلى، اللي بدأت ټعيط بصوت أعلى.
إنتِ مش مضطرة تطلبي مني حاجة. أنا اللي بعرض عليكي المساعدة.
هزّيت راسي بالرفض تاني.
كنت اتعلمت من الدنيا إن قبول المساعدة ساعات بيكون بداية دَين، بس مش من النوع اللي بيتكتب في إيصال أو تعرفي إمتى هتسدديه.
لكن مريم بصت لعلبة اللبن اللي اتحطت ورا الكاشير، وقالت بصوت صغير
ماما…
غمّضت عيني لثانية، وبعدها قلت للراجل
اللبن بس.
ردّ عليّا بثبات
اللبن بس.
بعد خمس دقايق، كان دفع تمن اللبن، والحفاضات، والفاكهة، والكورن فليكس، والفراخ، وتقريبًا كل حاجة كانت في العربية.
بصيت له پصدمة وقلت
أنا قلت لحضرتك اللبن بس!
الكاشيرة ابتسمت وقالت
ساعات الواحد لازم يسمح لغيره يعمل معاه حاجة كويسة يا مدام.
كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني من الإحراج.
لكن مريم كان ليها

رأي تاني.
قربت من الراجل، ومدّت إيدها ولمست كمّ بالطوه، وسألته بفضول
هو إنت بتساعد الناس؟
نزل لمستواها وابتسم.
أعتقد إني لسه بتعلّم إزاي أعمل كده.
قالت له بفخر
أنا اسمي مريم. دي ماما، والبيبي اسمها ليلى. هي بټعيط كتير عشان لسه صغيرة.
ضحك الراجل.
كانت ضحكة غريبة شوية، كأن بقاله وقت طويل قوي ما ضحكش من قلبه.
وقال لها
أعتقد إن دي حُجة مقبولة جدًا.
اسمه كان يوسف المنشاوي.
لما خرجنا من السوبر ماركت، المطر كان لسه بينزل بغزارة. أول ما شافني أنا والبنات شايلين الأكياس ورايحين ناحية موقف الأتوبيس، أصرّ يطلب لنا عربية مناسبة، فيها كراسي آمنة للأطفال.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *