المضيفة الذكية – محمد نور

المضيفة أنقذتني قبل إقلاع الطيارة
الجزء الأول
انزل من الطيارة دي فورًا! لو فضلت، ممكن ما تشوفش أهلك تاني أبدًا!
همست المضيفة بالكلام ده في ودني وهي بتراجع بطاقة صعودي للطائرة. كان شعرها ملموم، واليونيفورم بتاعها متظبط، وعلى صدرها بطاقة مكتوب عليها اسمها مريم.
بصيتلها باستغراب.
نعم؟ إنتِ قلتي إيه؟
لكنها كانت راحت للراكب اللي بعدي، وابتسمتله كأن مفيش أي حاجة حصلت.
اسمي حسن الشناوي، عندي تلاتة وستين سنة، وصاحب شركة مقاولات في القاهرة. على مدار تلاتين سنة، بنيت عمارات، ووقّعت عقود، وواجهت مشاكل كانت كفيلة إنها تخلي أي حد يستسلم.
عمري ما تخيلت إن بنت معرفهاش ممكن تخوفني بكلمتين.
الليلة دي كنت مسافر مدريد. مراتي نادية كانت جايبالي هدية عيد ميلادي إجازة لمدة أسبوعين.
قالتلي وهي بتحضني
إنت تستاهل يا حبيبي. إنت تعبت كتير في الشغل، وعايزاك ترتاح وتنسى كل حاجة.
والمفاجأة إنها جهزتلي الشنطة بنفسها.
الحركة دي أثرت فيا، لأن نادية بقالها تمان سنين مراتي، وعمرها ما جهزتلي هدومي قبل كده.
قالتلي وهي بتبتسم
سيبتلك مفاجأة جوه الشنطة. أوعدني إنك مش هتفتحها غير لما توصل الفندق.
وعدتها.
لما وصلت لمقعدي، رقم 14C، حاولت أنسى كلام
المضيفة. يمكن تكون لخبطت بيني وبين راكب تاني، أو يمكن الموضوع كله هزار سخيف.
لكنها رجعت تاني.
انحنت قدامي، وعملت نفسها بتراجع حزام الأمان.
أستاذ حسن، أرجوك اسمعني. لازم تنزل قبل ما الطيارة تقلع.
بصيتلها بقلق.
في إيه يا بنتي؟ إيه اللي بيحصل؟
صوابعها كانت بتترعش.
أنا عارفة حضرتك مين، وعارفة كمان مين اللي جهزلك الشنطة.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
عرفتي الكلام ده إزاي؟
بصت ناحية آخر الطيارة وقالت
مقدرش أشرحلك هنا. بس لو فضلت، الإجازة دي ممكن تتحول لكابوس عمرك ما هتخرج منه.
كان فيه خوف حقيقي في عينيها. فهمت إنها مش بتهزر.
فكيت حزام الأمان وقومت.
أنا تعبان! عندي ۏجع شديد في صدري، ولازم أنزل!
الركاب بدأوا يعترضوا، وقرب مني كبير المضيفين وهو متضايق.
يا فندم، شنطتك اتسجلت بالفعل. لو نزلت، لازم نطلعها، وده هيأخر إقلاع الطيارة.
قلتله بحزم
يبقى طلّعوها.
كانت مريم واقفة جنب الباب، وشها شاحب، وبتبصلي كأن قراري ممكن ينقذنا إحنا الاتنين.
وفي النهاية، سمحوا لي بالنزول.
أخدني موظفان من الأمن في ممر جانبي لحد مكتب صغير، وهناك لقيت ظابط مستنيني، والغريب إنه كان عارف اسمي.
قال بجدية
أستاذ حسن الشناوي، محتاجين نسألك سؤال. حضرتك اللي
جهزت شنطتك بنفسك؟
لأ، مراتي هي اللي جهزتها.
اتبادل الظابط ومريم نظرة مقلقة.
بعد شوية، جابوا شنطتي الزرقا، اللي كانت نادية رابطالها شريط أصفر بإيديها.
طلعوا منها قمصان وجزم وأدوات نظافة، وكمان بلوفر رمادي عمري ما شفته قبل كده.
وتحت الهدوم، لقوا سطح صلب.
ضغط الظابط على قاع الشنطة وقطّب حواجبه.
الجزء ده اتعدل قريب جدًا.
وبحذر، بدأ يرفع البطانة.
ولما شفت الحاجة اللي كانت مستخبية جواها، فهمت الحقيقة المرعبة.
نادية مكنتش جايبالي إجازة عشان أرتاح.
دي كانت مجهزالي حاجة أسوأ بكتير.
الجزء الثاني
كان فيه طردين مستطيلين ملفوفين بشريط لاصق، مستخبيين تحت القاع المزيف للشنطة.
الظابط طلب حضور متخصصين، والفحص المبدئي أشار إلى إن المحتويات مادة يُشتبه إنها هيروين.
حوالي كيلوَين.
قاللي بجدية
يا أستاذ حسن، لو كنت وصلت إسبانيا بالحاجات دي، كنت هتواجه تحقيق پتهمة الاتجار الدولي بالمخډرات.
حسيت إن نفسي بيتسحب مني.
أنا معرفش عنها أي حاجة! مراتي هي اللي جهزت الشنطة!
وعشان كده عايزين نسمع كلام مريم.
قعدت المضيفة قدامي وقالت
أستاذ حسن، فيه حاجة لازم تعرفها عن مراتك وعن شريف.
مجرد ما سمعت الاسم، حسيت كأن حد ضړبني على وشي.
شريف كان
ابن خالة نادية، حسب كلامها، ومدرب لياقة عنده تمانية وتلاتين سنة. بقاله حوالي سنتين عايش في بيت الضيافة اللي عندي.
مراتي كانت بتقول إنه بيمر بمشاكل طلاق ومحتاج مساعدة.
وأنا فتحتله بيتي.
مريم بصتلي بعينين مليانين دموع وقالت
شريف جوزي. إحنا متجوزين بقالنا اتناشر سنة.
مكنتش قادر أرد.
حكتلي إنها كانت فاكرة إن جوزها بيشتغل عند زباين، وعشان كده بيغيب عن البيت ليالي كتير. لكن الليلة اللي فاتت سمعته بيتكلم في التليفون في البلكونة.
كان بيكلم واحدة اسمها نادية، وبيقولها إن كل حاجة بقت جاهزة. اتكلم عن رحلتك ورقم مقعدك والطرود اللي مستخبيّة في الشنطة. وقال إن فيه حد هيبلغ السلطات الإسبانية أول ما توصل.
سندت ضهري على الحيطة.
مستحيل!
كمان اتكلم عن شركة المقاولات بتاعتك وعن بيت كانوا هيبيعوه وإنت محپوس.
وفجأة افتكرت الورقة.
قبلها بأسبوع، نادية أقنعتني أعمل توكيل رسمي واسع ليها، يسمح لها بإدارة شؤوني والتصرف في بعض ممتلكاتي.
قالتلي وقتها
احتياطي لو حصلت أي ظروف وإنت في الإجازة.
وأنا مضيت.
دلوقتي بس فهمت هي كانت محتاجاه ليه.
مريم بدأت ټعيط.
لما شفت شريف بيوصلك المطار، اتأكدت إنك نفس الراجل اللي كان بيتكلموا عنه. عشان كده توسلتلك تنزل.
الظابط روبلز أمر بالحفاظ على تسجيلات الكاميرات، وبلغ النيابة
المختصة، ونصحني أتواصل فورًا مع المحامي بتاعي.
لكن تفكيري كان في مكان تاني.
في بنتي الوحيدة، مريم.
بقالي سنتين تقريبًا مقاطعها.
كل حاجة بدأت في عيد ميلادي الواحد والستين. نادية أعلنت قدام تلاتين ضيف إن أسورة الألماس بتاعتها اختفت.
وبعدين أصرت يفتشوا شنطة بنتي.
ولقوا الأسورة جواها.
بنتي فضلت تحلفلي
يا بابا، والله هي اللي حطتها! أنا معملتش حاجة!
لكنني مصدقتهاش.
أهنتها قدام الناس، وطردتها من بيتي هي وجوزها كريم وابنيها الصغير يوسف.
دلوقتي فهمت التشابه المرعب.
الأول أسورة مستخبية في شنطة بنتي، وبعدها مخډرات مستخبية في شنطتي.
نفس القسۏة، ونفس الطريقة.
وفي المرتين، أنا اخترت أصدق نادية.
قضيت الليلة وأنا بدلي بأقوالي، والمحامي بتاعي بيجمع المستندات. وتاني يوم الصبح، ألغينا التوكيل رسميًا، وبلغنا الجهات المعنية.
نادية لسه فاكرة إني وصلت مدريد.
الساعة حداشر ونص، كان عندها ميعاد مع موثقة عشان تحاول تنقل ممتلكاتي لشركة مجهولة.
النيابة كانت بدأت تحقق في العملية.
وبعد التنسيق مع الموثقة، استنيت في أوضة جانبية لحد ما نادية وصلت ومعاها شريف وراجل تالت.
سمعتها بتضحك وبتقول
لحد ما العجوز يلاقي محامي في إسبانيا، هنكون إحنا بنستمتع بفلوسه.
لكن الموثقة راجعت الأوراق وقالت





