طردتني من القصر… روايات احمد عمار حصرى

خرجت وهي بتتمتم بكلام ما سمعتوش كله، لكني سمعت آخر جملة
هندمك على اليوم اللي ډخلتي فيه العيلة دي.
ما كنتش أعرف إنها هتحاول فعلًا تنفذ ټهديدها.
في الأيام اللي بعدها، بدأت أراجع كل ورقة تخصني، بمساعدة المحامية.
اكتشفت إن فيه أموال كنت حاطاها في حسابي قبل الجواز، وإن فيه جزء من ممتلكات شخصية اتباعت خلال السنين من غير ما أفهم بشكل كامل تفاصيل التصرف فيها. والأهم إن عقد البيت نفسه ما كانش زي ما جوزي وأمه بيقولوا.
البيت اتنقل لملكيتي بعقد قانوني قديم، بعد تسوية مالية حصلت بيني وبين جوزي في بداية الجواز، وكان فيه مستندات رسمية بتثبت ده.
أنا نفسي كنت نسيت تفاصيل التسوية دي، لأننا وقتها اتفقنا إنها مجرد إجراء لحماية البيت من ڼزاع مالي كان حاصل في الشركة.
لكن بعد مراجعة المستندات، فهمت إن الملكية بقت مسجلة باسمي بالفعل.
لما سألت المحامية ليه جوزي كان بيتكلم عن البيت باعتباره ملكه، قالت
ممكن يكون مش عارف تفاصيل التسجيل، وممكن يكون عارف وبيحاول يضغط عليكِ. إحنا ما نفترضش النوايا. المهم إننا نتأكد من الوضع الرسمي، ونتصرف بناءً عليه.
طلبت منها تعمل مراجعة كاملة لكل المستندات، وتتأكد إن مفيش حقوق مسجلة على العقار تمنع التصرف فيه.
وفي الوقت نفسه، بدأت أتابع موضوع القرض اللي كنت شفته بالصدفة.
ما كانش عندي حق أدخل على حسابات الشركة، وما عملتش كده. لكن كان عندي مستندات تخص البيت، ومراسلات وصلتني باسمي، وده خلاني أقدر أعرف إن فيه مشكلة مالية أكبر بكتير من اللي جوزي قاله.
القرض كان مرتبط بصفقة كبيرة فشلت، وفيه التزامات متأخرة، ومجلس الإدارة بدأ يسأل عن قرارات مالية اتاخدت من غير موافقات واضحة.
اسم جوزي كان موجود في مستندات تخص القرارات دي.
ما كنتش عارفة إذا كان ارتكب مخالفة، أو كان مجرد مسؤول عن قرارات فاشلة، لكني فهمت إن منصبه مش آمن زي ما كان بيحاول يبين.
ولما المحامية نصحتني أحتفظ بنسخ من كل مستند وصلني بشكل قانوني، عملت كده.
ما كانش هدفي أوقعه.
كان هدفي الوحيد إني ما أبقاش تحت رحمته مرة تانية.
بعد أسبوع، جوزي بعتلي رسالة قصيرة
المحامي هيبعت لك النسخة النهائية من اتفاق الطلاق. وقعيها ونخلص.
رديت
بعد المراجعة القانونية.
ما ردش.
بعدها بساعات، اتصل بيا.
إنتِ بتعطلي ليه؟
عشان فيه بنود محتاجة تتراجع.
إنتِ عايزة إيه بالضبط؟
عايزة الاتفاق يكون واضح، وحقوق كل طرف تبقى مكتوبة.
ضحك بسخرية.
إنتِ عايزة تعاقبيني عشان هتطلق منك؟
قلت
أنا مش بعاقبك. أنا برفض أمضي على حاجة مش فاهمها.
صوته ارتفع.
إنتِ فاكرة إنك تقدري تفرضي شروطك عليا؟
أنا مش بفرض شروط. أنا بطلب مراجعة.
قفل المكالمة في وشي.
بعدها بنص ساعة، اتصلت بيا حماتي.
إنتِ لسه مصممة تفضلي معلقة ابني؟
قلت
أنا مش معلقة حد. الورق بيتراجع.
لو كنتِ محترمة، كنتِ مضيتي من غير كلام.
الاحترام مش معناه إني أتنازل عن حقي.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة مليانة ټهديد
إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي مع مين.
رديت بهدوء
يمكن. لكني عارفة إني مش هوقّع على حاجة تضرني.
قفلت الخط.
ومن اللحظة دي، بدأ الضغط الحقيقي.
في البداية، حاولوا يشوهوا صورتي قدام العيلة.
وصلني كلام إن حماتي بتقول إني طماعة، وإن جوزي كان بيحاول ينقذ الجواز، لكني مصممة آخد منه فلوس.
وبعدها، واحدة من قريباته اتصلت بيا وقالت
إحنا زعلانين إن الأمور وصلت لكده. بس بصراحة، الناس كلها بتقول إنك بتطلبي حاجات مش من حقك.
سألتها
إنتِ شوفتي الاتفاق؟
لأ.
شوفتي المستندات؟
لأ، بس سمعت…
قاطعتها بهدوء
يبقى ما تحكميش على حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.
حاولت تدافع عن نفسها، لكني أنهيت المكالمة باحترام.
كنت عارفة إن السكوت ممكن يتفهم ضعف، لكني ما كنتش مستعدة أحوّل حياتي لساحة شائعات.
بعد يومين، وصلتني رسالة من الست اللي كانت على علاقة بجوزي.
كتبت فيها
الأفضل إنك تختفي من حياته نهائيًا. هو بدأ صفحة جديدة، ومش محتاج مشاكل من الماضي.
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين رديت
أنا مش واقفة في طريق حد. بس ما تسمحيش لنفسك تتكلمي عن حقوقي كأنها ملكك.
بعتت علامة استفهام، وبعدها رسالة أطول فيها كلام عن إن جوزي وعدها بالجواز وإنها مش هتسمح لي أعطل حياتهم.
ما رديتش.
احتفظت بالرسائل، مش عشان أستخدمها في ڤضيحة، لكن عشان تبقى موجودة لو حصل أي ادعاء ضدي بعد كده.
في الليلة دي، لأول مرة، حسيت إني مش بس بخرج من جواز فاشل. أنا كنت بخرج من دائرة كاملة من السيطرة، كل واحد فيها فاكر إنه يقدر يحدد أنا أعيش إزاي، وأتكلم إمتى، وأطالب بإيه.
وكان لازم الدائرة دي تنتهي.
بعد مراجعة طويلة، المحامية أكدت لي إن ملكية البيت مسجلة باسمي، وإنه مفيش مانع قانوني من بيعه، بشرط استكمال الإجراءات والتحقق من أي حقوق قائمة عليه.
سألتها
لو بعته، ممكن حد يقول إني اتصرفت بسوء نية؟
قالت
إحنا لازم نراجع كل التفاصيل قبل أي قرار. البيع مش وسيلة للاڼتقام، ولازم يكون صحيح قانونيًا، والسعر مناسب، والإجراءات واضحة. لو كل ده متحقق، يبقى التصرف في ملكك حقك، لكن لازم نكون حذرين بسبب الڼزاع القائم.
وافقت.
ما كنتش عايزة أعمل حاجة تخليني غلطانة، حتى لو الطرف التاني ظلمني.
بدأنا نجهز المستندات، ونتأكد من التسجيل، ونراجع وضع العقار. وفي الوقت نفسه، وصلنا عرض شراء من مستثمر كان بيدور على عقار كبير في المنطقة.
ما وافقتش فورًا.
طلبت تقييم مستقل، وراجعت بنود العقد مع المحامية، وتأكدت من طريقة الدفع وإجراءات نقل الملكية.
بعد مفاوضات، اتفقنا على البيع، واتسجلت المعاملة رسميًا بعد استيفاء الإجراءات المطلوبة.
لما استلمت نسخة المستندات النهائية، فضلت باصة لها فترة طويلة.
ما حسيتش بانتصار.
حسيت إن بابًا اتقفل.
البيت اللي كنت فاكرة إنه هيكون بيتي طول العمر، واللي حاولت أحافظ عليه عشان ما أخسرش حياتي، بقى جزءًا من ماضي انتهى.
لكن في اللحظة دي، ما كنتش أعرف إن بيع البيت هيكون مجرد أول صدمة.
في نفس الأسبوع، بدأت أخبار الشركة تظهر في الاجتماعات العائلية.
جوزي كان بيحاول يبان طبيعي، لكن التوتر كان واضح عليه. مكالمات طويلة، اجتماعات طارئة، ومحامين بييجوا ويمشوا.
حماتي كانت بتقول لكل اللي يسأل إن فيه سوء تفاهم بسيط وإن الشركة هتتجاوز الأزمة.
لكن الحقيقة إن مجلس الإدارة كان بدأ مراجعة داخلية بسبب الخسائر الكبيرة والقرارات اللي اتاخدت من غير موافقات مكتملة.
جوزي كان في منصب تنفيذي مهم، ومسؤول عن جزء من القرارات المالية والتشغيلية. ومع ظهور المستندات، طلب المجلس توضيحات رسمية منه.
ما كانش عندي أي دور في التحقيق، وما حاولتش أتدخل فيه.
لكن المحامية قالت لي إن بعض المستندات المتعلقة بالعقار والضمانات ممكن تكون ذات صلة بالتحقيق، وإن الأفضل إننا نقدم أي شيء مطلوب من خلال القنوات القانونية فقط.
وافقت.
بعد أيام، وصلني طلب رسمي لتقديم نسخة من مستند معين كان موجود ضمن الأوراق اللي تخصني. سلمته من خلال المحامية، من غير تعديل ولا حذف ولا إضافة.
بعدها، بدأ الوضع يتغير بسرعة.
مجلس الإدارة قرر إيقاف جوزي مؤقتًا عن بعض صلاحياته لحين انتهاء المراجعة.
لما عرف، اڼفجر غضبًا.
اتصل بيا وقال
إنتِ اللي ورا اللي بيحصل في الشركة، صح؟
رديت
أنا قدمت المستند اللي اتطلب مني بشكل رسمي. باقي التحقيق مش مسؤوليتي.
إنتِ بټنتقمي مني!
لو عندك اعتراض على التحقيق، قدمه للمجلس.
صړخ
إنتِ فاكرة نفسك مين؟
سكت لحظة، وبعدين قلت
أنا واحدة كنت مراتك، ودلوقتي بقيت طليقتك. مش أكتر.
قفل الخط.
بعدها بساعات، عرفت إن حماتي بدأت تدور على طريقة توقف بيها بيع البيت.
لكن البيع كان اتسجل، والمشتري بقى صاحب الحق في العقار وفق الإجراءات القانونية.
ما بقاش عندهم المفتاح اللي يقدروا ېهددوني بيه.
يوم الطلاق، وقعت الأوراق وأنا هادية.
جوزي كان قاعد في الناحية التانية من المكتب، مش بيبصلي. كل ما المحامي يشاور على بند، كان يمضي بسرعة، كأنه عايز يخلص من وجودي بأي شكل.
لما خلصنا، لمّ أوراقه وقال
أتمنى ما نشوفش بعض تاني.
رفعت عيني له.
أتمنى لك نفس الشيء.
وقف، وعدل جاكته، وبعدين قال بابتسامة باردة
بس خلي بالك، الحياة برّه البيت ده مش سهلة. إنتِ اتعودتي على مستوى معين، ومش هتقدري تعيشي زيه لوحدك.
بصيت له باستغراب.
حتى بعد الطلاق، لسه مقتنع إنه هو اللي صنع حياتي، وإن من حقه يخوفني من المستقبل.
قلت
أنا هعرف أعيش.
ضحك.
هنشوف.
خرج من المكتب، ولأول مرة من ست سنين، ما حسيتش إني محتاجة أجري وراه أو أشرح له إني أستحق الاحترام.
خلصت الإجراءات، وخرجت أنا كمان.
كان الجو بارد، والشارع مزدحم، والناس ماشية في طريقها من غير ما تعرف إن حياتي اتغيرت بالكامل في أقل من ساعة.
ركبت عربيتي، وقعدت شوية من غير ما أدور المحرك.
كنت حرة.
لكن الحرية، لما تيجي بعد سنين من السيطرة، بتكون مخيفة في الأول.
مش لأنك مش عارف تعيش، لكن لأنك بتحتاج وقت عشان تصدق إنك أخيرًا تقدر تختار.
بعد الطلاق بيومين، اتصلت بيا حماتي.
قالت بنبرة مصطنعة الهدوء
إنتِ فين؟
في بيتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *