طردتني من القصر… روايات احمد عمار حصرى

اطلعي برّه بيتي فورًا! إنتِ خلاص بقيتي طليقة ابني، ومالكيش مكان بينا بعد النهارده!
حماتي قالت الجملة دي وهي واقفة على أول السلم الرخامي، رافعة دقنها بتكبر، وفي إيدها سلسلة مفاتيح القصر اللي كانت فاكرة إنها هتفضل ملكها طول العمر. وراها كان واقف ابنيها؟ لأ، ابنها الوحيد، اللي كان لسه من كام ساعة بيبعتلي رسالة بيترجاني أوافق على الطلاق بهدوء، عشان صورته قدام مجلس الإدارة ما تتأثرش.
كان واقف في آخر الصالة، لابس بدلته الغالية وساعته اللي تمنها يساوي تمن شقة كاملة، وبيبصلي بنظرة باردة كأني واحدة غريبة دخلت بيته بالغلط.
أما الست اللي كانت واقفة جنبه، فكانت بتبتسم ابتسامة صغيرة، ابتسامة واحدة متخيلة إنها كسبت المعركة قبل ما تبدأ.
بصيت لهم الاتنين، وبعدين بصيت لحماتي.
كنت أقدر أعيط. كنت أقدر أصرخ. كنت أقدر أفكرهم بالسنين اللي قضيتها في البيت ده، وبكل مرة سكت فيها على إهانة، وبكل ليلة استنيت فيها جوزي يرجع من شغله وما رجعش غير بعد نص الليل.
لكن الغريب إني ما حسيتش برغبة في أي حاجة من دي.
ابتسمت.
ابتسامة هادية خلت حماتي تضيق عينيها، لأنها كانت مستنية تشوفني مکسورة، بتترجاها تسيبني أقعد يومين لحد ما ألاقي مكان أروحله.
قلت لها بهدوء
هو إنتِ متأكدة إن ده بيتك؟
وشها اتغير.
نعم؟
عدلت شنطتي على كتفي، وبصيت لجوزي السابق مباشرة.
قبل ما تطرديني، اسألي ابنك الأول إذا كان لسه عنده بيت يطردني منه.
ضحك بسخرية وقال
إنتِ اټجننتي؟ واضح إن الطلاق أثر على أعصابك. خدي حاجتك وامشي من غير فضايح.
هزيت راسي، وطلعت ورقة مطوية من الشنطة.
أنا مش هعمل فضايح. أنا بس جاية أقول لكم إن البيت اتباع من تلات أيام.
الصالة كلها سكتت.
حتى الخدم اللي كانوا بيحاولوا يبعدوا عينيهم عننا رفعوا راسهم.
حماتي نزلت درجة من السلم، وبصتلي كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
اتباع إزاي؟ البيت ده ملك ابني!
رفعت الورقة قدامها وقلت
كان ملكه. دلوقتي بقى ملك شخص تاني، والبيع اتسجل رسمي، والمشتري معاه كل المستندات.
جوزي السابق قرب مني بسرعة وخطڤ الورقة من إيدي، وبدأ يقراها. في الأول كان بيهز راسه باستخفاف، وبعدها ملامحه اتبدلت، ولون وشه بدأ يختفي واحدة واحدة.
حماتي جريت ناحيته.
في إيه؟ بتبص كده ليه؟
ما ردش عليها.
فضل باصص للورقة، وبعدين رفع عينيه ليا.
إنتِ عملتي إيه؟
قلت له
اللي كان لازم يتعمل من زمان.
إنتِ بعتي بيتي من غير إذني؟!
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
بيتك؟ غريبة! من أسبوع بس كنت بتقول للمحامي إن كل حاجة تخصني لازم أرجعها لك، وإن أنا خرجت من الجوازة من غير حق في أي حاجة. دلوقتي فجأة افتكرت إن البيت بيتك؟
صړخ
أنا هحبسك! هرفع عليك ق\ضية تزوير واستيلاء!
بصيت له بثبات.
ارفع. المحامي اللي راجع العقد هو نفسه اللي راجع كل التوكيلات والتسجيلات. ولو عندك دليل واحد إن البيع باطل، قدمه.
حماتي كانت بتتنقل بنظرها بيني وبينه، والڠضب بدأ يتحول على وشها لخوف حقيقي.
إنتِ بتكدبي! مستحيل البيت يتباع من غير ما نعرف!
قلت لها
حضرتك كنتِ مشغولة بتجهيز أوضة جديدة للست اللي ابنك قرر يتجوزها، وما كانش عندك وقت تسألي عن أوراق البيت.
الست اللي واقفة جنبه اتحركت بعصبية.
إنتِ مالكش حق تتكلمي عني بالطريقة دي!
بصيت لها لأول مرة.
أنا ما جبتش سيرتك. إنتِ اللي ډخلتي في الكلام.
وبعدين رجعت بصيت لجوزي السابق وقلت الجملة اللي كنت جاية مخصوص عشان أقولها
وعلى فكرة، موضوع البيت مش الخبر الوحيد اللي عندي. فيه خبر تاني أهم بكتير.
سكت لحظة، وأنا كملت
إنت اتعزلت من منصبك.
الورقة وقعت من إيده.
وفي اللحظة دي، عرفت إن المعركة الحقيقية بدأت.
قبل ما أوصل للحظة دي، كانت حياتي مختلفة تمامًا.
من ست سنين، دخلت البيت ده وأنا فاكرة إني داخلة على حياة جديدة مع راجل بيحبني، وعيلة هتعتبرني بنتها. كنت عارفة إن عيلة جوزي غنية، وإن جوزي ماسك منصب مهم في شركة كبيرة أسسها والده، لكن الفلوس ما كانتش أهم حاجة عندي.
كنت عايزة بيت فيه أمان، وشريك أقدر أتكلم معاه من غير ما أحسب كل كلمة، وحد لما الدنيا تضيق بيا ألاقِيه واقف جنبي.
في أول سنة جواز، حاولت أعمل كل حاجة ترضي حماتي. كنت أصحى بدري، أتابع شؤون البيت، أستقبل الضيوف، وأحرص إن كل حاجة تكون زي ما هي بتحب.
لو اعترضت على حاجة، أقول لنفسي إنها ست كبيرة وليها طريقتها.
ولو جوزي اتأخر، أبرر له إنه مضغوط في الشغل.
ولو اتكلم معايا بقسۏة، أقول يمكن يومه كان صعب.
كنت كل مرة بلاقي عذر ليهم، لحد ما نسيت أسأل نفسي سؤال واحد مين فيهم بيدور على عذر ليا أنا؟
بعد سنتين، بدأت ألاحظ إن وجودي في البيت بقى مجرد واجب. جوزي يرجع، يتعشى، يقعد على موبايله، وبعدين ينام. ولو حاولت أفتح معاه أي موضوع، يقول لي إنه تعبان أو عنده اجتماع بدري.
أما حماتي، فكانت شايفة إن كل حاجة في حياتي لازم تمر من خلالها.
حتى قراراتي الشخصية كانت بتتحول لمناقشة طويلة تنتهي غالبًا بجملة واحدة
إحنا عيلة ليها نظامها، واللي يدخل بيتنا لازم يتعود عليه.
كنت بسكت، مش ضعفًا، لكن لأني كنت مؤمنة إن الخلافات ممكن تتحل بالحوار، وإن الجواز محتاج صبر.
ما كنتش أعرف إن صبري بيتحول بالتدريج لحبل بيشدوني بيه ناحية الهاوية.
أول شرخ حقيقي ظهر لما اكتشفت إن جوزي بدأ يخبي عني حاجات مالية.
في يوم، كنت بدور على مستند يخص تأمين البيت، ولقيت ظرف بني محشور بين ملفات قديمة في مكتبه. ما كنتش بدور على أسراره، لكن اسم البيت كان مكتوب على الظرف، ففتحته عشان أتأكد إن المستند اللي محتاجاه موجود.
لقيت صورة عقد، وكشف حساب، وخطاب من بنك بخصوص قرض كبير.
ما فهمتش كل التفاصيل، لكن فهمت إن فيه التزامات مالية ضخمة اتعملت باسم شركة العيلة، وإن البيت نفسه مذكور ضمن الضمانات في مستند من المستندات.
قلبي اتقبض.
لما رجع من الشغل، حطيت الورق قدامه وسألته
ممكن تفهمني إيه ده؟
أخد الورق من إيدي بسرعة، وبص عليه، وبعدها زعق
إنتِ بتفتشي في حاجتي ليه؟
اټصدمت من رد فعله.
أنا كنت بدور على مستند التأمين، ولقيت الظرف بالصدفة. أنا مش فاهمة الورق ده، وكنت عايزة أعرف إذا كان فيه خطړ على البيت.
قفل الظرف پعنف.
مفيش أي خطړ. دي شؤون شغل، وإنتِ مالكيش دعوة بيها.
بس البيت مذكور هنا.
قرب مني وقال بنبرة حادة
أنا قلت مفيش خطړ! مش كل حاجة لازم تعرفيها.
سكت، لكنه ما لاحظش إن عيني راحت للمستند اللي سابه على المكتب. كان فيه رقم حساب، وتاريخ، وتوقيع أعرفه كويس.
توقيع جوزي.
في الليلة دي، ما نمتش بسهولة.
مش بسبب قيمة القرض، لكن بسبب خوفه من مجرد سؤال. الراجل اللي كنت متجوزاه بقاله سنين، واللي كنت بعتبره شريكي، اتعامل معايا كأني عدوة بتحاول تكشف أسراره.
تاني يوم، كلمت محامية كنت أعرفها من قبل الجواز، وطلبت منها تفهمني بشكل عام معنى المستندات اللي شفتها.
ما طلبتش منها ترفع ق\ضية، ولا اتهمت حد بحاجة. كل اللي كنت عايزاه إني أفهم إذا كان البيت في خطړ ولا لأ.
لما شرحت لها التفاصيل، سكتت شوية، وبعدين قالت
بصي، أنا مش هقدر أحكم من غير ما أشوف المستندات الأصلية. لكن لو العقار داخل في ضمانات مالية، لازم تعرفي الملكية مسجلة باسم مين، وهل فيه أي حقوق للغير عليه.
سألتها
ولو جوزي بيخبي عني معلومات ممكن تأثر على البيت؟
ردت
يبقى لازم تحمي نفسك قانونيًا، وتحتفظي بنسخ من أي أوراق تخصك أو تخص ممتلكاتك، من غير ما تاخدي حاجة مش من حقك.
الكلام ده كان أول خطوة في طريق طويل.
بعدها بشهر تقريبًا، اتغيرت معاملة جوزي معايا بشكل واضح.
بقى يقفل باب مكتبه، ويخرج يرد على مكالماته في الجنينة، ولو دخلت الأوضة وهو بيتكلم، ينهي المكالمة بسرعة.
وفي نفس الفترة، ظهرت ست جديدة في حياته.
في الأول كانت مجرد اسم بيتكرر في مكالماته. بعدين بقيت تشوفها حماتي في مناسبات عائلية، وتتكلم عنها قدامي بطريقة مستفزة.
دي بنت ذكية وعارفة تتعامل مع رجال الأعمال. مش زي بعض الناس اللي كل اهتمامهم في البيت والأكل والستائر.
كنت بفهم إنها تقصدني، لكن ما كنتش برد.
لحد ما جه يوم رجع فيه جوزي متأخر، وكان واضح عليه التوتر. حط مفاتيحه على الترابيزة، وفك زرار قميصه، وقال من غير ما يبصلي
إحنا لازم نتكلم.
قلبي دق بسرعة.
خير؟
قعد قدامي، وشبك صوابعه.
أنا حاسس إن الجواز ده انتهى من زمان.
فضلت باصة له، مستنية يكمل.
إحنا مبقيناش متفاهمين، وكل واحد فينا بقى عايش في عالم مختلف. الأفضل ننهي الموضوع بهدوء.
ما صرختش، وما سألتهوش إذا كان فيه واحدة تانية، لأن الإجابة كانت واضحة من كل تصرفاته.
سألته سؤال واحد
إنت متأكد إن ده قرارك؟
رد بسرعة
أيوه.
هزيت راسي.
تمام. بس الطلاق مش معناه إنك تقدر تمسح حقوقي أو تخليني أخرج من غير ما أفهم وضعي القانوني.
اتنرفز.
إنتِ لسه هتدخليها في فلوس ومحاكم؟ أنا كنت فاكر إنك هتكوني أرقى من كده.
ابتسمت بحزن.
أنا بطلب حقي، مش صدقة منك.
قام من مكانه.
المحامي هيكلم محاميك. خلينا نخلص من غير ۏجع دماغ.
وسابني قاعدة لوحدي.
الغريب إني ما عيطتش في اللحظة دي. حسيت كأن حاجة جوايا كانت پتتوجع ببطء بقالها سنين، وأخيرًا وقفت عن المقاومة.
تاني يوم، حماتي دخلت عليا الأوضة من غير ما تخبط.
كانت شايلة ملف، ووراها واحدة من العاملات.
حطت الملف على السرير وقالت
دي ورق الطلاق. ابني عايز يخلص الموضوع بسرعة.
بصيت للملف من غير ما ألمسه.
المحامي بتاعي لازم يراجعه الأول.
ردت باستهزاء
محامي؟ هو إنتِ داخلة حرب؟
أنا بحافظ على حقي.
قربت مني، وخفضت صوتها.
اسمعي يا بنتي، إنتِ ډخلتي العيلة دي من ست سنين، وعشتي في خيرها، ولبستي من فلوسها، وأكلتي من بيتها. المفروض تمشي باحترام، مش تطلعي من الجوازة دي وتطلبي فلوس كمان.
بصيت لها بهدوء.
أنا ما طلبتش حاجة مش من حقي.
ضحكت بسخرية.
حقك إيه؟ إنتِ فاكرة نفسك شريكة في الشركة؟
ما رديتش.
فكملت
البيت ده، والعربيات، والشركة، كل ده تعب السنين. إنتِ كنتِ مجرد زوجة، ولما الجوازة خلصت، دورك خلص.
الجملة دي كانت كفيلة إنها تخليني أفهم كل حاجة.
بالنسبة لها، أنا ما كنتش إنسانة عاشت ست سنين في البيت ده. كنت مجرد دور انتهى، ولازم أخرج من الصورة بأسرع وقت.
قلت لها
هراجع الورق، ولما أبقى جاهزة هرد.
وشها احمر.
إنتِ بتتحديني؟
لأ. أنا بتصرف بعقل.





